أخيراً وفي خطوةٍ طال انتظارها، تكللت الزفة المنصوبة دائمة العرض لمشروع قناة السويس الجديدة، بانضمام المطرب الراقي ذي الصوت العذب والوجه الطلق الصبوح شعبان عبد الرحيم إلى الجوقة، فالحمد لله من قبل ومن بعد.. غير أن أغنيته (إن جاز أن نطلق تلك الكلمة على وصلته تلك) تخطت الباقين بباقة من الردح لأعداء المرحلة والنظام في لحظته الراهنة، مثل قطر وإردوغان، وطالما أن الأمر وصل إلى ذلك الدرك المتدني فلم أجد بأساً من استعارة بعض كلمات من أغنية لعمرودياب «عش معايا في الأحلام» لاسيما وأن الأخير يحاكي النظام فيعيد إنتاج نفسه هو الآخر ويأتي بالأعاجيب مما لا يعلمه إلا الله، فيجدد شبابه حتى ليبدو صبياً مراهقاً، ومن يدري، فربما النظام هو الذي يحاكيه مع فارق كون عمرو دياب أنجح بكثير من نظامٍ وصلت مشاكله وتناقضاته إلى درجةٍ لم تعد تجدي معها كافة المساحيق وعمليات شد الوجه، والمشكلة الأكبر تكمن في عدم إدراكه لتلك الحقيقة.
الرئيس السيسي الآن في أمريكا؛ ألقى كلمته وقابل العديد من الرؤساء حتى الآن، وعلى رأسهم رئيس وزراء بريطانيا والرئيس الفرنسي، وقد علقت «نيويورك تايمز» تعليقاً لا يخلو من الوجاهة حين رأت في ذلك سعياً وراء الاعتراف بالمشروعية وتكريس الحضور. ولست أشك في أن رسالة السيسي الأهم مفادها التغاضي عن فشل الحسابات، أو لنقل الرهانات على الإخوان من قِبل تلك القوى الغربية، خاصةً أنه يدرك أن الظروف، أو سوء تصرف وحماقة الدول الغربية وفرت له سببين يدعمان ويقويان حجته: الأول في حرب غزة الأخيرة، والثانية في الحرب على «داعش» وقوى الإرهاب، الذي يدعي وينتحل مرجعيةً دينية بصفةٍ عامة فقد أعادا للأذهان وأكدا معاً الأهمية الفائقة والفارقة لمصر، نظراً للموقع الجغرافي والثقل السكاني والتاريخي- الحضاري، وبالتالي إلى الدور المحوري الفريد الذي تستطيع أن تضطلع به، إن استقرت أمورها.. وهو الأمر الذي لا تفوت أجهزة الإعلام في مصر ذكره ولا تمل من تكراره بشكلٍ مزعجٍ يستهلك رصيد الوطنية ويستنزف مخزون الصبر!
يذهب السيسي بثقة من يتصور أن الواقع أنصفه، وأن التاريخ سيبرئ ساحته، وأن الغرب يحتاجه فلسان حاله: أنا الرجل القوي في الكيان الوحيد الذي مايزال قائماً وقادراً على الفعل في تلك المنطقة المتفككة، التي توشك أن تشتعل.. أنا الذي يسيطر على أجهزة الأمن والدولة العميقة ويمسك بأعنتها، وإذا أردتم أن تصونوا مصالحكم وأن «تعملوا بيزنس» في هذه المنطقة فلا عوض لكم عني وعن المرور من خلالي، وعلى ذلك فحلوا عن ظهري واعترفوا بمشروعيتي وادعموني.. انه نوعٌ من حك الظهر المتبادل.. وعلى الأغلب ستفلح هذه الاستراتيجية.
ومن الملاحظ أن السيسي لم يتخط حوليات أو دليل تشغيل «كاتالوج» الستينيات إطلاقاً، وقد قلت من قبل في مقالٍ سابقٍ على انتخابه بأنه على ضوء كلامه وآرائه، التي عبر عنها يتبين أن لدى الرجل قناعاتٍ وأفكارا راسخة ترسبت في نفسه من مصادر عدة، من البيئة المحافظة والمناخ العام الذي واكب نشأته.. الخ، فنحن نعلم على سبيل المثال مدى إعجابه بعبد الناصر، بغض النظر عن حلمه الذي رأى فيه السادات، فالقلم مرفوعٌ عن تلك الاضغاث!، وقد أسعده الحظ في حقيقة الأمر بأن شيئاً من التنازع بين روسيا وأمريكا يشبه الحرب الباردة آخذٌ في البروز في صورة مناطحة ومحاولات استقطابٍ، مما يوحي لشخصٍ كالسيسي بإمكانية اللعب على ذلك التناقض، كما فعل الكثيرون في الستينيات، لم يكن عبد الناصر لا أولهم ولا أشطرهم. غير أن الملمح الأبرز في تفكيره في حقيقة الأمر هو ذلك الإيمان الذي يصل حد القداسة بالدولة ودور الجيش المحوري فيها، لذا نجزم بأن ذلك الرجل، الدولتي حتى النخاع، يدرك أن هياكل تلك الدولة قد ضربت فيها الشروخ وانكسرت هيبتها لدى قطاعاتٍ متسعة من الجمهور، حتى صار إسقاطها، الذي كان يبدو من قبل مستحيلاً، أمراً ممكناً، ومن هنا نستطيع أن نفهم أن حافزه وهاجسه الأول الذي يسيطر على تفكيره، هو كيفية ترميم تلك الشروخ ومن ثم توطيد وتقوية وبسط نفوذ الدولة على الأقل إلى ما كان عليه من قبل، لا في زمن مبارك وإنما في زمن عبد الناصر. لست مبالغاً إذا قلت إن السيسي يريد دولةً يشعر المواطنون بوجودها ويخشونها.. وهو في حقيقة الأمر يستغل الظرف الراهن لكي يبدو ذلك الحضور الطاغي وكأنه استجابةٌ لمطلبٍ شعبي، أي طبيعي.
من المنطلق نفسه هو يدرك أن المؤسسات المفترضة قد هرمت ونخرها السوس، وأن الفساد يمتص كل عافيتها كما يفعل مع الاقتصاد، ناهيك عن إدراكه بشكلٍ ما، لا أستطيع أن أجزم بمدى صفائه، بأن توزيع الثورة مختلٌ وغير عادل، بيد أن ذلك الإدراك لا يستطيع تخطي الدماغ إلى التغيير الفعلي، لأن هيكل الدولة الذي يحاول إنقاذه متجذرٌ في تلك التناقضات الاجتماعية والانحيازات الصريحة، نما وقوي عوده وغلظ من دمها.
تلك في نظري هي أزمة النظام الجوهرية في مرحلة السيسي، ان التناقضات السياسية- الاجتماعية لم تُحل على الرغم من موج الثورات، ولن تُحل بدون تقويض تلك الدولة بدعائمها.. وما العمل للخروج من هذا المأزق الوجودي؟ يلجأ السيسي والنظام مرةً أخرى لكتاب الستينيات: خلق واقعٍ مواز، فهناك سردية المؤامرات والبطل المخلص تختزل الحاضر، وهناك الأحلام المستقبلية والمشروعات العملاقة والمنجزات التي ستهز العالم، التي دشنها عم اللواء عبعاطي بجهاز الكفتة، وتبعه مشروع قناة السويس الجديدة الذي ربما.. أقول ربما… وأرجو ألا يكون كجهاز الكفتة (بغض النظر عن شكوكي في جدواه الاقتصادية الحقيقية)، وبالطبع لا تفوتنا الإشارة إلى الأكاذيب المبهرة (أسر قائد الأسطول السادس الأمريكي أنصع مثال) والمعتقلين الذين تتواتر الروايات بضخامة أعدادهم.
أحياناً تكون الكذبة كبيرة إلى درجة يصعب معها عدم تصديقها والتشكيك فيها، خاصةً أن كل الأبواق تصدح بها وأنها كذبة جميلة وعذبة: تصدينا لمؤامرات الغرب وانتصرنا عليه وأسرنا قائد الاسطول السادس… من الذي يستطيع أو يريد ألا يستسلم إلى ذلك الخدر اللذيذ؟ المشكلة أننا في تلك الحالة عادةً ما نفيق على مصيبة…1967 وما أشبه.
في الوقت الراهن، سيستمر العرض، وستطبل وتزمر الجوقة وقد يتحفنا شعبولا بأغنيةٍ أخرى، ومن يدري من سينضم إليه… ستستمر الأزمات وسيستمر مسلسل العبث، وأتمنى من النظام الذي بدأها باللجوء لكتاب الستينيات بوصفاته لتخطي أو القفز أمام أزماته ألا ينهيها بالاستعانة بكتاب رجوع الشيخ إلى صباه.
٭ كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل