قبل عرض الفيلم الذي يستعرض جوانب مهمة من حياة المخرج المصري محمد كامل القليوبي، لم يكن هناك من يعلم الكثير عن مشواره الثقافي والسينمائي والسياسي، فالرجل الذي تخرج في كلية الهندسة منذ ما يقرب من نصف قرن، والتحق بالمعهد العالي للسينما ليمتلك أدوات التعبير الفني، هو ذاته المعارض العنيد الذي اختلف مع النظام الناصري ودفع ثمن خلافه، سنوات من الاغتراب والتسجيل في القائمة السوداء كعنصر مشاغب قُيد ضمن الحركات والتيارات المعارضة المتواترة، التي حوت الرموز المناهضة في فترات حرجة من عمر الوطن، كان فيها الانتقال من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري عبر ثورة تموز/يوليو محل خلاف لدى بعض المثقفين.
خلال حياة حافلة بالنجاح والإبداع، جاءت حلقات الاتصال والانفصال في مشوار المخرج الراحل، حسب الرؤية السينمائية التي قدمها تلاميذه ليفصحوا عن تفاصيل الرحلة الطويلة لأستاذهم، والتي بدأت من سفرة لموسكو عام 1979 لدراسة السينما في بعثة للطلبة المتفوقين واستكمال الدراسات العليا كي يصبح أستاذاً في معهد السينما، ويقدم السينما كأداة تطوير وتغيير تعتني بالهم العام، وفي القلب منها حرية الوطن والمواطن التي رأى القليوبي أنها غائبة إلى حد مُقلق فعكف على صناعة سينما ترصد الواقع السياسي وتنتقد أنظمة الحُكم، وهو ما وصف آنذاك بالمغامرة والاندفاع والمخاطرة. لكن ذلك لم يمنع المخرج المنتمي للحركة اليسارية من الإدلاء برأيه في ما يعتقد أنه سلبي ومعوق للحياة الديمقراطية.
وقد أفنى القليوبي وقتاً طويلاً في الكتابة والإبداع حول قضية الحرية، وما لبث أن تحول إلى الاعتناء بالذاكرة الوطنية والسياسية بشكل مختلف، استهدف من خلاله توثيق الأحداث والمواقف عن طريق الصورة السينمائية، لإيمانه بأنها الأكثر تأثيراً والأطول عمراً، وبامتداد الخط على استقامته جاء الدور التنويري متسقاً مع الدور الوطني، فكان اهتمامه بالحفاظ على التراث السينمائي خطوة على الطريق نفسه، حيث سعى للحصول على إبداعات وأفلام السينمائي المصري الرائد محمد بيومي من الورثة الشرعيين وأخذ في ترميمها لتكون صالحة للعرض، وربما أدى نجاحه في هذه المهمة الشاقة إلى تعيينه رئيساً للمركز القومي للسينما لفترة قصيرة والتي انتهت بخلاف مع وزير الثقافة فاروق حسني فأقصي القليوبي من منصبه وعاد ليواصل دوره الأكاديمي كأستاذ في قسم السيناريو في المعهد العالي للسينما.
وربما كان اخلاصه في رسالته التعليمية دافعاً لتلاميذه، الدكتورة ثناء هاشم الأستاذة في قسم السيناريو والمخرج سامي محمد علي والدكتور خالد عبد الجليل، لإنجاز فيلم وثائقي عن حياته ومشواره وإبداعه، يتضمن الكثير من التفاصيل المهمة والدقيقة ويشمل شهادات عديدة لأصدقاء العمر ورفقاء الرحلة الفنية الطويلة، وهم من الفصيل الثقافي السياسي الإبداعي ذاته، وقد أسهمت شهاداتهم في كثير من الإضاءات حول طبيعته وفكرة وما يميزه على المستوى الإنساني والفني، وبالقطع جاءت شهادة زوجته وابنه رامي المولود في موسكو إضافة خاصة أضفت مزيدا من الصدق لما وصف به المخرج الراحل الكبير من التفرد والحيادية والنزاهة.
وفي السياق البانورامي لحياة القليوبي، جاء التقييم الموضوعي لتجاربه المحدودة في مجال الفيلم الروائي الطويل، وهي متضمنة في ثلاثة أفلام فقط هي “تلاتة على الطريق” و”البحر بيضحك ليه” و”خريف آدم” وجميعها عزفت على سيمفونية الهم الاجتماعي الممزوج بالرؤية السياسية، التي لم تكن تخلو في أي فيلم منها من المسحة المعارضة ولغة النقد الساخرة، كأنه التأكيد على عدم المهادنة أو المصالحة مع من أساءوا من وجهة نظره استخدام السُلطة فأساءوا إلى أنفسهم وشوهوا فترات حكمهم، وهذه وإن كانت رؤية خاصة جداً لفنان عانى وتمرد واشتبك في ظروف استثنائية، إلا أنها تظل علامة دالة على ثقافته وصلابته وعدم انتهازيته.