لا بد أننا سنمحو هذا من ذاكرتنا في غضون بضعة أيام، ولكن ملايين الفلسطينيين لن ينسوا لحماس تشرين الثاني 2019. فعلى مدى يومين فقط في هذا الأسبوع سحق شقيقهم الأصغر والشقي، الجهاد الإسلامي، تحت القدرة العسكرية للصهاينة، بينما تركوه يتضرج بدمائه دون أن يمدوا له اليد. كيف يقال، الثأر يقدم بارداً، والجهاد كسب عزلته عن جدارة.
لماذا الثأر؟ لأنه منذ أكثر من سنة وقادة حماس يستجدون أخوانهم في الجهاد كي يوفروا لهم، عند اللزوم، بيئة هادئة تساعدهم في مساعيهم لتحقيق تسهيلات من إسرائيل؛ أجواء تسمح لإسرائيل بأن تقتنع بأنه من المجدي لها أن تعطي التسهيلات. ولكن “الجهاد” أصر المرة تلو الأخرى على إحباط التفاهمات وخرق اتفاقات وقف النار. ومثل الولد الشرير في الروضة الذي يركل الدلو للجميع، والذي باتت المربية (المصرية) يائسة منه ورفعت اليدين. ولكن كان من الطبيعي أن تأتي اللحظة التي يدخل فيها المدير غاضباً فينقل الولد الشرير إلى روضة أخرى. روضة كلها خير.
بالنسبة لحماس كان الاتصال غير المباشر مع إسرائيل هو الوسيلة الأولى في سموها لتحقيق التسهيلات. قطاع غزة تحت الإغلاق، والسنوار ورجاله صاغوا تكتيكاً للخروج منه بالتدريج: استخدام العنف غير الفتاك وكأنه لا توجد محادثات، والتقديم في المحادثات وكأنه لا يوجد عنف. وقد نجح طريقهم فوق التقدير. في هذه الفترة حقق قطاع غزة سلسلة من الإنجازات لم يشهدها منذ عقد؛ تمديد مدة توريد الكهرباء للسكان من أربع ساعات في اليوم إلى متوسط 20 ساعة (بفضل السولار بتمويل قطري)، وفتح معبر رفح، وأنبوب تنفس لمليوني مواطن من القطاع، ودعم مالي بمئة ألف عامل (100 دولار في الشهر لكل واحد) هو أيضاً من الصندوق القطري.
ومن وراء الزاوية انطلقت منذ الآن المشاريع الكبرى: ترميم شبكة الكهرباء لتتلقى توريداً منتظماً من إسرائيل عبر خطوط التسيير،وإاقامة مستشفى للأمراض العضال في القطاع، وبناء منشأة تحلية على شاطئ غزة. كل ذلك بتنسيق مع إسرائيل وبموافقتها. من المفاجئ مشاهدة القوة الشديدة للواقع وبأي سهولة تنجح في فرض نفسها على الناس. الطرفان مشبعان بالكراهية المتبادلة، كل واحد منهما يرى الآخر عدوه الخالد، وهما على اتصال منتظم وعملياً يبنيان العلاقات من جديد.
في حلم زعماء حماس رأوا كيف ينجحون في غضون سنوات قليلة في مهمتهم العليا لإخراج القطاع من الإغلاق. أما حكومة إسرائيل من جهتها فتبين لها أنه من خلال الاتصالات غير المباشرة تنجح في لجم حماس، وليس أقل من ذلك في تعزيز الانقسام السياسي مع السلطة الفلسطينية. هذا الانقسام هو حجر أساس في إضعاف مطالبتهم المستقبلية بدولة واحدة تمتد من الضفة حتى قطاع غزة.
هذه الإنجازات هدد الجهاد بتفجيرها بانتظام، وكل تسوية نالت صاروخاً، وكل فترة هدوء هددت برشقة صواريخ، كما أطلق رجاله النار لغرض القتل أيضاً. رشقات إلى سديروت، إلى بئر السبع، إلى عسقلان، محاولة للمس بالجنود بنار القناصة. ذاك الصاروخ إياه الذي أطلق إلى بئر السبع في تشرين الأول 2018 خرب بيتاً. ولشدة الحظ، قبل لحظات من ذلك تمكن سكان البيت من الدخول إلى الغرفة الأمنية.
من قاد سياسة الرفض الخطيرة هذه هو بهاء أبو العطا، قائد اللواء الشمالي للذراع العسكري. أما إسرائيل فقد عضت على الشفتين كي لا تدخل في الفخ الذي نصبه لها الجهاد. وفعلت حماس كل ما في وسعها كي تلجمه، ولكن دون أن تحطم القواعد، واستخدم المصريون طريقة العصا والجزرة. عندما كانوا يريدون الضغط ويوقفون رجال الجهاد ممن يخرجون إلى سيناء. وعندما أرادوا أن يثيبوهم على أنهم أولاد طيبون، كانوا يخرجونهم إلى الحرية. وبفضل ذلك، وأحياناً عن طريق المعجزة، فشلت معظم مؤامراته.
لماذا أصر الجهاد على ركل الدلو؟ أسباب ذلك يجب البحث عنها داخل القطاع. فقد مل قادة التنظيم الوقوف جانباً ومشاهدة نجاحات حماس دون أن يكون لهم نصيب في ذلك. وفي السنة الأخيرة ترجمت هذه النجاحات بالمال. ليس القطري فقط، بل ملايين الدولارات في الشهر وأموال الضرائب دخلت إلى صندوق حماس بفضل التجارة المنتعشة في رفح. قادة حماس لم يشاركوا أخوانهم بالمداخيل أو في عملية اتخاذ القرارات الهامة، مع أن للطرفين ماض وثيق من الكفاح المشترك ضد إسرائيل.
شعر الجهاد بأنه مطالب بالمساواة في العبء دون الأرباح. من هنا وحتى استخدام العنف كان الطريق قصيراً عندها اكتشف الطرفان بأن ليس لحماس أوراق ضغط كثيرة على الأخ العاق. فالجهاد تنظيم كبير (9 آلاف مقاتل) وذو نفوس بين السكان. ليس سهلاً إلقاء قيادته إلى السجن أو اعتقال وتعذيب رجالهم،كما هو متبع. مثل هذه الخطوة كانت ستصطدم برد حاد مضاد وبمقاومة من الجمهور. ولما كان الجهاد واظب على عملية خرق التفاهمات ووقف النار فقد نجح في ضرب العدو والخصم في الوقت نفسه. فاجأ إسرائيل في كل مرة من جديد، وزرع الفزع بين سكان غلاف غزة، وأحرج قيادة تل أبيب. وإذ فعل قادة الجهاد ذلك، فقد ألمحوا لحماس بأن من يدعى إلى العلم عند الطوارئ جدير بأن يشارك في الأفراح أيضاً. ووقع الجيش الإسرائيلي في الفخ كل مرة من جديد: الجهاد ضغط على الزناد، فأرسلت الطائرات تلقائياً لضرب حماس.
هذا لا يعني أن رجال حماس لن يستخدموا الجهاد عندما يكون هذا مريحاً لهم، ولكن هذا الأسبوع عندهم هو أسبوع الشماتة، إلى جانب إحساس غريب بالمشاركة. فقد جمع الجهاد الجميع لأن يتعاونوا ضده. فمن كان يصدق بأن تتعاون إسرائيل في أي مرة مع حماس كي تضرب طرفاً ثالثاً. في تفكير ثان، لماذا نتفاجأ. من صدق حتى قبل عقد أو اثنين أن تتعاون إسرائيل مع فتح كي تضرب حماس؟ أحيانا يكون التاريخ باعثاً على التثاؤب لكثرة ما يكرر نفسه.
بقلم: جاكي خوجي
معاريف 15/11/2019