هل ترمي الأمم المتحدة حبل النجاة للطبقة السياسية في العراق؟

عبد الحميد صيام
حجم الخط
0

نيويورك-“القدس العربي”: العلاقات بين الأمم المتحدة والعراق عميقة ومتشعبة ومثيرة للجدل كونها مرت في مطبات مهمة. تعود تلك العلاقات لأيام الحرب العراقية الإيرانية ومحاولات التوسط بين البلدين للتوصل إلى وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى وانسحاب الطرفين إلى الحدود الدولية وترسيم الحدود والذي تجسد في القرار 598 الذي اعتمد في 20 تموز/يوليو 1987 وقبله العراق أولا ثم إيران بعد عام كامل حيث عندما أعلن الخميني آنذاك أن قبول وقف إطلاق النار “كأنه يتجرع السم”.

جاءت المرحلة الثانية التي امتدت من 2 آب/أغسطس 1990 تاريخ احتلال الكويت، ولغاية 9 نيسان/أبريل 2003 تاريخ سقوط بغداد في إيدي المحتل الأمريكي الذي تعلل بكذبة أسلحة الدمار الشامل من دون غطاء من الأمم المتحدة.

في هذه المرحلة اتخذت عشرات القرارات المهمة وكلها تحت الفصل السابع وأهم تلك القرارات، في رأينا قرار 661 (1990) المعروف بقرار العقوبات، وقرار 678 (29 نوفمبر 1990) والذي أجاز استخدام القوة لإجبار العراق على الانسحاب من الكويت إذا لم ينسحب طوعا خلال 45 يوما، وأخطر قرارات الأمم المتحدة ربما في تاريخها كله الذي أطلق عليه فورونسوف، آخر سفراء الاتحاد السوفييتي “أم القرارات” وهو قرار نزع أسلحة العراق رقم 687 (3 أبريل 1991) والذي، إضافة لقرارات العقوبات دمر مقدرات العراق وأعادها إلى العصر الحجري، كما جاء في تقرير مارتي احتساري عن آثار الحرب المدمرة التي عاشها المارق لمدة 43 يوما من القصف المتواصل. لقد تركت العقوبات الشاملة التي فرضت على العراق دولة أشبه ببيت العنكبوت من الداخل وإن بدت من الخارج وكأنها متماسكة قوية ذات جيش جبار وقيادة قوية. وللحقيقة والتاريخ أن العقوبات الصارمة ولجان التفتيش هي التي رسمت معالم هزيمة العراق في الحرب التي خاضها الرئيس بوش وشريكه توني بلير ضد العراق.

عراق ما بعد 2003

ثم جاءت المرحلة الثالثة من القرارات والتي أعقبت “عملية حرية العراق” كما أطلق عليها الرئيس بوش والتي بدأت بقرار 1483 (2003) والذي أعاد الأمم المتحدة إلى العراق ولكن هذه المرة تحت المظلة الأمريكية. ودفع موظفو الأمم المتحدة ثمنا عاليا لاختلاط صورة الأمم المتحدة بالولايات المتحدة بعد احتلال العراق يوم قام انتحاري بتفجير مقر المنظمة في فندق القنال 19 اب/أغسطس 2003 مخلفا 22 ضحية، من بينها رئيس البعثة سيرجيو فييرا دي ميلو، وجرح 150 موظفا وعاملا في المقر.

لقد ركب الحاكم بأمره الأمريكي، بول بريمير، عراق ما بعد الاحتلال بطريقة تضمن بقاء العلة داخله إلى الأبد:

– حل الجيش العراق المهني إيذانا بقيام دولة الميليشيات.

– أنشا مجلس الحكم العراقي المركب طائفيا إيذانا بإقامة دولة الطوائف.

– قرر اجتثاث البعث إيذانا بتغييب هوية العراق العربية ليأخذ الطابع الطائفي وترسيخ المكون الكردي كأنه ند كامل للمكون العربي المقسوم مذهبيا. أي أنه قسم الشعب إلى طيف كردي وآخر عربي وقسم العربي إلى طيف شيعي وآخر سني.

– سلم السلطة لمجموعتين: الفئة الأمريكية-الأوروبية التي جاءت على ظهور الدبابات، والفئة الإيرانية التي قفزت من اليوم الأول بمساعدة إيرانية لتستولي على مقدرات البلاد وتتقاسم الغنائم والمداخيل والوظائف الكبرى، غير آبهين باحتياجات الناس الأساسية من ماء وكهرباء وغذاء ودواء ومدرسة ومستشفى وأمن في الشارع.

ما كان لتلك التركيبة الغريبة والمختلة سلفا، والتي وضعت العراق تحت سيطرة الخمسة في المئة وشقت شماله بمنتوجاته النفطية للأكراد، إلا أن تنفجر يوما. تأجل الانفجار عندما نجح الأمريكيون أن يضربوا المكونات العراقية بعضها ببعض لإنهاء حالة المقاومة التي انطلقت فورا بعد الاحتلال، فأنتجوا الطبعة العراقية من القاعدة ممثلة بالزرقاوي. ثم تراخوا بطريقة مشبوهة ليسمحوا لداعش باحتلال الموصل وأجزاء كبرى من العراق الشمالي الغربي وصولا إلى حدود سوريا بعد تأمين انسحاب الجيش العراقي.

إذن بعد إسدال الستار على مرحلة داعش في العراق، ماذا بقي أمام العراق إلا التنمية الرشيدة وتوزيع الثروات ونشر الأمن والأمان وخلق الوظائف وإصلاح البنى التحتية وإنهاء مسلسل الفساد الشامل الذي وضع البلد عام 2010 في المرتبة 176 على سلم الفساد من مجموع 179 وعام 2018 في المرتبة 169 من مجموع 179؟ إذن، كان لا بد من الانفجار، تأخر قليلا لكنه وصل.

خلال الأسابيع الماضية، اندلعت المظاهرات في بغداد وغيرها من المحافظات في العراق. تغطي مطالب المحتجين مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك النمو الاقتصادي والعمالة والخدمات العامة الموثوقة، والحكمة الحكيمة والنزيهة، ووضع حد للفساد، والانتخابات ذات المصداقية، وكذلك إصلاح النظام السياسي على نطاق أوسع بما في ذلك التعديلات على الدستور.

الانفجار ودور الأمم المتحدة

تراكمت الاحباطات لدى جيل الشباب بشأن عدم إحراز أي تقدم في السنوات الـ 16 الماضية في بلد من المفروض أنه يصدر 3800000 برميل من النفط في اليوم بما يعادل 200 مليون دولار يوميا. أين هي؟ انطلقت المظاهرات السلمية في بداية تشرين الأول/أكتوبر الماضي في كل المدن والميادين. مظاهرات عابرة للطوائف والطبقات والمناطق والأعراق والأديان والمذاهب، تطالب بكل بساطة بحقها في العيش الكريم وإنهاء مافيات الفساد وعدم الاحتماء بالطائفة لتبرير السكوت على الظلم مقابل اتاحة الفرصة للفاسدين من نفس الطائفة نهب ثروات البلاد.   وبدل الاستماع للمطالب المحقة أخذت الطبقة الحاكمة العزة بالإثم فردوا بالرصاص وبدأ القتلى يتساقطون. ومع تزايد أعداد القتلى والجرحى لتصل أكثر من 323 من المحتجين وعلى الأقل 23 من قوات الأمن ما كان لممثلة الأمين العام في العراق، جنين هينيس، بلاسخارت، أن تظل صامتة.

عند تعيينها ممثلة خاصة في العراق أصبنا بالذعر.  فتاريخها عندما كانت وزيرة دفاع في بلدها هولندا لا يشير إلى ما يطمئن، حيث كانت بلادها قد أرسلت قوة ولو صغيرة لتشارك القوات الأمريكية في غزو العراق ضمن ما سمي “تحالف الراغبين”. لكنها منذ اليوم الأول للمظاهرات أصدرت بيانات قوية تطالب الحكومة بعدم استخدام القوة في التعامل مع المتظاهرين، كما أدانت قتل المتظاهرين ونزلت إلى الشارع في ميدان التحرير ببغداد وجلست مع المتظاهرين لتستمع إلى مطالبهم. وبعد مشاورات مع مجموعة واسعة من الأحزاب والجهات الفاعلة والسلطات العراقية، بما في ذلك الرئاسات الثلاث، المجلس القضائي الأعلى، والمتظاهرين، وممثلي النقابات وأعضاء الحكومة والبرلمان والمراجع الدينية وعلى راسها آية الله السيستاني وممثلي المجتمع المدني، قدمت باسم بعثة الأمم المتحدة مشروعا متكاملا لحل الأزمة العراقية.

وهذه أهم نقاط مشروع بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق “يونامي” لحل الأزمة العراقية:

أولا: المبادئ

تنطبق المبادئ التالية على جميع الأطراف في جميع الأوقات:

– حماية الحق في الحياة قبل كل شيء.

– ضمان الحق في التجمع السلمي والتظاهر وحرية التعبير، على النحو المنصوص عليه في الدستور.

– ممارسة أقصى درجات ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات بما في ذلك عدم استخدام الذخيرة الحية،

– تحميل الجناة الذين ارتكبوا جرائم ضد المدنيين المسؤولية وتعويض الضحايا.

– العمل بما يتماشى مع القانون، بما في ذلك حماية الممتلكات العامة والخاصة.

ثانيا: الإجراءات

أ- تشمل الإجراءات تدابير فورية (أقل من أسبوع):

– الإفراج عن جميع المتظاهرين المسالمين المحتجزين منذ 1 تشرين الأول/أكتوبر، وفقًا للقانون.

– عدم استهداف المتظاهرين السلميين.

– الشروع في التحقيق الكامل في حالات الاختطاف وكشف هوية المسؤولين عن ذلك.

– تسريع عملية تحديد ومحاكمة المسؤولين عن استهداف المتظاهرين.

– مقاضاة ومعاقبة المسؤولين عن الاستخدام المفرط للقوة أو أعمال عنف خرى، وفقًا للقانون.

– دعوة علنية لجميع الأطراف الإقليمية والدولية إلى عدم التدخل في الشؤون الداخلية للعراق واحترام سيادته.

ب: التدابير قصيرة المدى (خلال أسبوع إلى أسبوعين):

– الإصلاح الانتخابي: بدعم تقني من الأمم المتحدة.

– بعد فترة وجيزة، يتم تقديم الإطار الجديد إلى مجلس النواب ويستكمل الإجراء البرلماني في أقرب وقت ممكن.

– إصلاح قطاع الأمن، يجب تنفيذ الأمر التنفيذي 237 بالكامل دون تأخير. يحظر أي أسلحة خارج سيطرة الدولة. يُعتبر أي كيان مسلح أو عنصر مارق غير شرعي مسؤولية تقع على عاتق الدولة.

–  ما يتعلق بالفساد: يجب على النخبة السياسية أن تكون مثالاً يحتذى به، على سبيل المثال بإعلان أصولها علنًا، في الداخل والخارج، محتفظ بها باسمها أو لآخر. بالإضافة إلى ذلك، تقوم الأحزاب والكتل والحركات السياسية بإلغاء لجانها الاقتصادية.

ج- تدابير متوسطة المدى (خلال شهر إلى ثلاثة أشهر):

– الدستور: بدعم تقني من الأمم المتحدة، تواصل لجنة مراجعة الدستور عملها. يطرح الشعب العراقي أي تعديل على الدستور للاستفتاء.

– الفساد: تقدم هيئة النزاهة قضايا الفساد إلى المجلس الأعلى للقضاء أو المحكمة المركزية لمكافحة الفساد. تنظر المحكمة المركزية لمكافحة الفساد في قضايا الفساد على جميع مستويات الدولة. جميع المسؤولين الفاسدين سوف يخضعون للمساءلة والمحاكمة.

– سن القوانين: تقوم الحكومة بإرسال مشاريع القوانين المتفق عليها إلى مجلس النواب، ويستكمل مجلس النواب الإجراءات القانونية في أقرب وقت ممكن. وأهمها:

أ. قانون يتناول المبدأ: “من أين حصلت على هذا؟”

ب. قانون المحكمة الفيدرالية

ج. قانون الضمان الاجتماعي

د. قانون حل أزمة الإسكان

ه. قانون النفط والغاز (الهيدروكربونات)

و. تعديل قانون تشجيع الاستثمارات وشراكة القطاعين العام والخاص

ز. قانون مجلس الوزراء والوزارات

ح.  قانون مجلس التعمير

هذا هو مشروع إنقاذ العراق من طرف محايد بحيث يصلح السفينة ويرشد مسارها ويمنعها من غرق محتم إذا ما بقيت الدولة تصم آذانها عن حناجر الغاضبين. فهل ستلتقطه الطبقة السياسية وتعمل على تنفيذه بمشورة أممية للخروج من المأزق القاتل الذي يمر به العراق؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية