لا ندري منذ متى خاب أمل الناس أول مرة في أن تكون المغنية اللبنانية ماجدة الرومي نسخة محدثة من فيروز، لا ندري في الأصل لمَ البحث عن نسخة، لكن ابنة الملحن البارز حليم الرومي لم تتوقف عن تكرار هذه الخيبة.
آخر إطلالاتها كانت منذ أيام في حفل ختام “تحدي القراءة العربي” في دبي. إذ غنت عملاً جديداً بعنوان “الأرض ستبقى عربية”، أغنية بالفصحى يقول مطلعها “الكلمة كانت في البدء تاجَ الأمجاد العربية”.
ليست المصيبة في رداءة الكلمات واللحن والأداء، فهذا بات معتاداً في عدد كبير من أغنياتها، فإلى جانب ذلك كانت الكلمة، التي توجهت بها ماجدة إلى حاكم دبي محمد بن راشد، وفيها سعي محموم للمديح بكلام أكبر من أن يستحقه رجل أشهر كلماته (ما دامت المغنية تتحدث عن الكلمة التاج) هجائيته الرديئة لزوجته وأم أولاده الهاربة، واتهامها بما يخجل قلب أبنائه قبل أي أحد آخر.
تقول الرومي “شرف أن نشارك معكن بهالفعالية الثقافية المهيبة، سمو الشيخ، بتضموا لإلكن مستقبل الوطن العربي كله. سمو الشيخ بتمدوا ايدكن لتعمروا وتعمروا وتعلّوا وتبنوا، بالوقت اللي بنشوف ميات الأيادي بالعالم العربي عم تسعى لتدمر تهدم وتخرب. سامحني سمو الشيخ بس أنا مش قادرة ما أتأثر ولا اعبر قد ما لازم عن احترامي وتقديري، احترام الكل وتقدير الكل. اسمحوا لي اشكركن باسم الإنسان، باسم اخواتنا وأهالينا القادمين من لبنان والعالم العربي ليعيشوا معكم كأنهم في بيوتهم. بنشكركن باسم الثقافة، بشكركن باسم الفنون الجميلة، باسم الأمن والأمان، باسم الواحة الحلوة الموجودين فيها اليوم، باسم الأرض باسم هويتها، بنشكركن باسم الازدهار والرفاهية.. بإيماني، اليوم وكل يوم، أنكم باقيين، الحاضر اللي سابق المستقبل مية سنة. دبي عاصمة المستقبل”.
أداء ماجدة وهي تبذل نفسها وكلماتها أخطر من الكلام، فقد كانت تتحدث بتأثّر مبالغ به، أقرب إلى التمثيل، مع ميل إلى البكاء، ورجفة في الصوت. لتختم بانحناءة رأس.
إذا كان “تحدي القراءة العربي” يطمح لأن يكون درساً للأجيال الجديدة، فإن في ما قدمته الرومي أمام حشد المحتفلين درساً معاكساً لعله أكثر بلاغة، حيث الأولوية والصدارة في “عاصمة المستقبل” لا للقراءة، بل لهذا الانبطاح الأزلي للسلطان، حيث المديح المتهافت والمداحون المماسح، الذين ينتظرون أن يلقى نحوهم بكيس دراهم، واقعي أو مجازي.
هذه المرة، مع انحطاط جديد للمغنية، قد تكون أفظع من سابقاتها، إذ يكسب الحدث معنى مختلفاً في خضم الثورة في ساحاتِ وشوارعِ “ست الدنيا”، بل في لبنان كله. لذلك، نحسب أن ثوار لبنان لن يترددوا في رفع لافتة في وجه ماجدة الرومي أيضاً، تقول “كلن يعني كلن”.
تراجيديا الأمومة
كنت ممن يظنون أن الإنسان مفطور على الخير، فحتى لو كان الإنسان قاتلاً متمرساً لا بد أنه يقرّ في أعمق أعماقه بأن أفعاله ليست من الإنسانية بشيء، إلى أن جاءت الثورات العربية، فأظهرت الثورات المضادة إن كثيرين مفطورين على القتل والوحشية. من كان يتوقع مثلاً أن يهتف أنصار بشار الأسد بكل وضوح، أثناء خطاب له، وعلى كل الشاشات “شبيحة للأبد، لأجل عيونك يا أسد”!
تذكرت ذلك الهتاف التشبيحي عندما شاهدت لافتة رفعها أحد أنصار جبران باسيل، وزير الخارجية اللبناني، فيها من اللؤم والخسة ما لا يحتمل “يلي ناطر جبران (باسيل) يسقط متل اللي ناطر ستريدا (جعجع) تحبل”.
لافتة تصيب قيمة إنسانية، وتجرح، قبل أن تصيب ستريدا، صاحب كل فطرة سليمة. لا يحتاج المرء لفحص تاريخ امرئ أو موقفه السياسي كي يقرر إن كانت اللافتة على حق أم لا، تماما كما يحدث حين ترفض التنكيل بأسير حرب، سترفض ذلك بغض النظر حتى عن أي ارتكابات.
لا تستحق امرأة أن يطعن بأمومتها، لكن ستريدا جعجع كانت قد اختارت التخلي عن أمومتها في لحظة تراجيدية نادرة، عندما مضى زوجها إلى السجن ليمضي فيه أحد عشر عاماً. قررتْ، كما قالت في مؤتمر صحافي رداً على لافتة باسيل، الوقوف إلى جانبه واضعة أمومتها في ميزان الخسارة.
إنها تراجيديا إنسانية لا يليق التنكيل بها، ويمكن النظر إليها من هذه الزاوية، من دون تحميلها تاريخ السياسة والدم.
في أزمنة بعيدة كان القاتل والضحية يرفعان معاً، كلٌّ في وجه الآخر، لافتات تنادي بالعدالة والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبالطبع كان أحدهما مجرد مدع يقتل باسم الحق. في أزمنتنا هذه بات بإمكان القاتل أن يعلن أن القتل قيمته العليا، وأن الخسّة طموحه الشخصي.
الرواية المنهوبة
أكثر ما يشعر المرء بالهزيمة أن تطغى رواية النظام الممانع، وتجد من يتبنّاها ويروّج لها حتى في قلب معارضيه. هذا ما يحدث لحكاية ساطعة من مجريات الحدث السوري، جرى التركيز عليها من أعلى هرم النظام السوري، إلى قاعدته، عندما قرروا أن رجال “الخوذ البيضاء”، “الدفاع المدني”، ما هم إلا “جبهة النصرة”، أو “القاعدة”، وبأنهم ممولون من أمريكا وإسرائيل!
هوجمت الحكاية، التي أحيطت ببعض المصادفات، منها أن مجموعة صغيرة جداً من رجال المنظمة جنوب البلاد اضطروا إثر حصار النظام المتوحش، إلى عبور الأراضي الفلسطينية إلى الأردن بطلب من الأمم المتحدة لإسرائيل.
تجدد الجدل أخيراً بعد وفاة أحد مؤسسي المنظمة، البريطاني جيمس لو ميسورييه في ظروف غامضة في اسطنبول. وكان بشار الأسد من بين من تحدثوا عن الأمر في مقابلة لوكالة “سبوتنيك” الروسي، معتبراً أن الرجل قد يكون قُتل كآخرين قبل أن يفضحوا “أسراراً هامة، وأصبحوا عبئاً وانتهى دورهم وأصبح من الضروري التخلص منهم”.
في حالات مماثلة يكفي أن تقول إن الرجل بريطاني الجنسية (فما بالك ضابط مخابرات سابق!) حتى يكون ذلك دليل إدانة دامغاً، كي يجري تأكيد المؤامرة الكونية ضد النظام.
لكن ما حاجة الناس إلى كل تلك الأدلة فيما هم يرون بالعين المجردة بطولات لا حصر لها لرجال “الخوذ البيضاء”. أبطال وناجون ومشاهد من تحت الأنقاض (كثير منها كان لمشاف ميدانية) تقلع العيون، وكل ذلك موثق بمئات وربما آلاف الفيديوهات، بل إن فيلماً عنهم بلغ الأوسكار واحتل مكانة رفيعة على شاشات العالم.
يقول المثل “بيشوف الذيب وبيقص عالأثر”، ونحسب أن هذا هو حال الممانعين، ومن في حكمهم من “المعارضين”. إنهم يرون الحقيقة ساطعة أمامهم، ويريدون مع ذلك تشغيل مكنات التحليل ونظريات المؤامرة والمخابرات.
في الواقع، من كان بلا قلب ولا ضمير لا يجب أن تتعب معه ولا تشقى.
كاتب فلسطيني سوري