نعلم أنه اندلعت، يوم الجمعة 15 تشرين الثاني/نوفمبر، في إيران، تظاهرات بدت واسعة النطاق وذات طابع عنيف، احتجاجاً على إعلان الحكومة رفع أسعار البنزين، برره النظام بأن الهدف وراءه هو تأمين ميزانية لبرنامج دعم الفقراء في البلاد. نعلم أن المتظاهرين قاموا بحرق مصارف، ومؤسسات عامة، في مدن عدة، كما نعلم أنه فقد عدد غير محدد من الإيرانيين أرواحهم على أيدي قوى الأمن (والحرس الثوري وقوات الباسيج وربما غيرها). وتراوح عدد القتلى بين الأرقام التي أعلنت عنهم الحكومة والإعلام التابع لها (وبإمكاننا الجزم بعدم صحة الرقمين) وهما 5 أرواح أو 9. أما منظمة العفو الدولية، فأكدت مقتل 106 أشخاص على الأقل، في حين قالت منظمة “مجاهدين خلق” الإيرانية المعارضة بأن العدد الصحيح هو 251 شهيدا، وأكثر من 3700 جريح، وأكثر من 7000 معتقل.
قطع النظام الإنترنت عن البلاد، وعمّ الظلام الإعلامي، ومنذ حينها لم يعد بالإمكان تأكيد أي معلومة تصدر عن أي جهة في الداخل أو في الخارج. ثم أعلن النظام الأربعاء الانتصار على “مخططات العدو”. وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني، فيما كان التلفزيون الرسمي يعرض مقاطع لتظاهرات مؤيدة للحكومة، إن “الشعب الإيراني بدد مخططات العدو في حوادث مختلفة، وهذه المرة نجح أيضاً في إفشال مخططات العدو، وإحباط مؤامرات أولئك الذين فرضوا العقوبات القصوى في السنتين الماضيتين”. والجمعة، قالت ميليشيات الباسيج إن الاحتجاجات الناجمة عن ارتفاع أسعار الوقود ترقى إلى “حرب عالمية” ضد طهران تم إحباطها، وحملت مسؤوليتها لواشنطن والرياض وإسرائيل. وأكّد الحرس الثوري أنه تم إيقاف “القادة الرئيسيين” للاحتجاجات في محافظتي طهران والبرز المحاذية، وفي مدينة شيراز في وسط جنوب البلاد. ونقلت وكالة أنباء “مهر” عن الأميرال علي شمخاني، أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، أن “كل مثير شغب، حيثما وجد في إيران، سيتم التعرف عليه وسينال قصاصه”. وتناقلت أنباء ودعوات إلى إعدام هؤلاء “القادة” إذ أشارت صحيفة “كيهان” الإيرانية، المقربة من المرشد الأعلى علي خامنئي، منذ أيام، إلى احتمال إعدام الأشخاص الذين قادوا ممارسات العنف خلال الاحتجاجات. وقالت “كيهان” التي تعد من أبرز صحف البلاد، إن مسؤولي القضاء الإيراني ينظرون في فرض عقوبة الإعدام على الأشخاص الذين قادوا أعمال العنف خلال احتجاجات الوقود.
استمرار الاحتجاجات
وفي إطار الاحتفال بالانتصار على المؤامرة الصهيو-أمريكية و”الحرب العالمية” قامت الحكومة بإعادة خدمات الإنترنت إلى بعض المناطق. ويبدو أن المتظاهرين استغلوا ذلك لنشر مقاطع فيديو لتأكيد استمرار الاحتجاجات في مناطق عدة لليوم التاسع، ولتوثيق جرائم قوات الأمن كإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. واستمرت طيلة الفترة جهات إيرانية معارضة، بالتأكيد على استمرار الاحتجاجات، بل وتوسعها، في أوجها، إلى 146 منطقة.
ويذكر أن إيران تعمل على آليات التحكم بالإنترنت منذ أكثر من عقد، عندما بدأت وزراة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، عام 2005 بتطوير “شبكة المعلومات الوطنية” والمعروفة أيضاً بالإنترنت الوطني، وبدأ تنفيذها عام 2013 وهي “شبكة قائمة على بروتوكول الإنترنت تحتوي على محولات وأجهزة توجيه ومراكز بيانات تتيح لطلبات البيانات تجنب توجيهها خارج البلد وتوفر شبكات إنترنت آمنة وخاصة”. وتحث منذ حينها إيران الشركات والبنوك الإيرانية على استخدام هذه الشبكة، وقد تزايد استخدامها، حسب ما قاله أمير رشيدي، باحث في الأمن السيبراني الإيراني، لصحيفة “الغارديان” البريطانية، بعد انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي وفرضها عقوبات جديدة على البلاد. وهكذا قام النظام بقطع الشعب الإيراني عن العالم الخارجي، من دون أن يعطل الشبكات الداخلية.
ما لا يمكننا استنباطه من المعلومات المتوفرة، على قلتها، المواقف الشعبية الإيرانية من الاحتجاجات، ومن آلية رد النظام عليها، على المستوى الايديولوجي، والسياسي، والأمني، وموقفهم من دور العقوبات الأمريكية المفروضة على بلادهم، والدور الذي تلعبه في تفاقم الأزمة. كما أنه لا يمكننا تشكيل صورة عن عدد المتظاهرين، وعن مطالبهم أو أهدافهم، ومدى تنظيمهم (رغم اتهامات النظام بأنهم قد تلقوا تدريبات في الخارج) من دون الوقوع في عمليات اختزالية تضع الأحداث في أطر غالباً ما لا تعكس إلا الموقف الايديولوجي لصاحبها. كما لا يمكن التنبؤ بالاتجاه الذي قد تتخذه هذه الاحتجاجات أو الأثر الذي ستتركه على الشعب الإيراني في حال تم قمعها بالكامل. حتى أن طبيعة رد النظام، الذي اتسم بعنف مفرط، لا يعكس بالضرورة مدى تطور وتوسع وشدة الاحتجاجات وطبيعة المعاداة للنظام، إذ قد تعكس درجة التوتر، وحساسية الوضع الاقتصادي قبل السياسي في البلاد. وقد أقر الرئيس روحاني أن الأزمة التي تمر بها إيران، إثر الحصار الأمريكي، هي الأسوأ منذ الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي. هذا ليس لنفي احتمال أن تكون الاحتجاجات، كما تؤكد جماعة “مجاهدي خلق” في توسع مستمر ولا ينقطع منذ أن انطلقت، بل لتجنب الاسترسال في التحليل والتنبؤ عبر إسقاطات، واستخدام الأدوات التحليلية السياسية والاقتصادية المعتادة (على أنواعها) والتي أثبت معظمها أنه بات بالياً بنيوياً منذ انطلاق “الربيع العربي” عام 2011 وقصرت حتى عن تقديم فهم جدي لانتفاضات لبنان والعراق وتقييمها خارج الإطار اليومي للأحداث، حتى تتمكن من تقييم أحداث الأسبوع الماضي في إيران، بغياب حتى المعلومة الموثوقة. لا خيار سوى الانتظار.