الشعر من وظيفة إحالية إلى وظيفة تنبيهية

يعاني القارئ اليوم من الشعر الحديث، ما عاناه القارئ القديم من الشعر المحدث؛ من عَنتٍ وإرهاق، على الرغم من أن الأدوات لم تكن تعوزه مثلما هي لا تعوز أي قارئ جاد اليوم ـ ومرد الإشكال على ما نرجح أن هذا القارئ ينشد من الشعر الصورة التي تقع تحت الحس، أو التي يمكن أن يراها تجري في مسارها رأي العين، صادرا عن نظرة عقلية في حد المجاز، صارمة كما تنم على ذلك عبارة ابن رشيق «قلب السمع بصرا».
وهي نظرة لم تكبل الشعر وإنما القراءة بعامة بما فيها قراءة الذين لم يلتبس عليهم الشعر في بعيد استعاراته وصوره، ولا هو استغلق، فكأنها تجري من الأشياء مجراها المعتاد المألوف، وليست من «الصنعة» التي تخرج بالأشياء عن مألوفها أو ما سموه طبيعتها وسجيتها. ولكن قراءتهم هذه لا تعدو أكثر من نثر الصورة وتعليلها واستيعاب معناها وتقليبه على وجوه مختلفة. وقد يأخذ لاحق بسابق، فيضيف إلى تفسيره ويتوسع قليلا أو كثيرا في التخريجات النحوية واللغوية، وقد يفزعون إلى مذخورهم من الشعر قديمة ومحدثه، فيفسرون البيت بالبيت على نحو ما يفسرون مجازا بحقيقة أو كلمة بكلمة. وكأن هذه الاستعارات البعيدة تقع في الفجوات ما بين القديم والمحدث، وتتردد في جنباتها أصداء من هذا ومن ذاك. وربما أسعفهم ذلك في إيضاح بعض المعنى، ولكنهم قلما أحاطوا به في كليته وفي شتى تفريعاته.
وقد لا يخفى أن هذه قراءة لا تتقيد بسياق النص، حيث يمكن أن نقف على موضوع الرسالة أو معناها، ولا هي ترى في أي صورة من هذه الصور المشكّلة آخذة أو مأخوذا منها، ميزتها التي تتميز بها أو سمتها التي تتسم بها؛ وإن كنا لا نعدم فيها إشارات إلى «المختلف» بين النصين أو «المكون العرضي»، أو هذا «التفاعل النصي « الذي ينتج «التدلال»، أو ما يصنع الدلالة. إنما هي قراءة «خطية» تكاد تنحصر في إنتاج المعنى، أو هي قراءة «عاكسة» ترد محدثا على محدث تارة؛ وعلى قديم طورا، وكأنها ترد فرعا على أصل وآخر على أول؛ وتجعل من الصورة مسطحا عاكسا يقع عليه ما يقع من شعر الآخرين، وقد غير الشاعر وجهته ونقله من غرض إلى آخر. وربما كانت الإشارة إلى الأخذ أو إلى استبدال السياق صائبة، وربما أضاءت ناحية من الصورة. ولكن من الصعوبة أن توصف قراءة كهذه بشمول أو تخصيص، إذ هي لا تنفذ إلى «التجاوزات النصية» التي تعقد بين النص المقروء والنصوص الأخرى علاقات ظاهرة أو خفية؛ وإنما تتخذ النص المحتذى «عتبة» من عتبات تلقي النص المحتذي، في ما يشبه «منطقة وسطى» بين داخل وخارج، ولكن بدون فاصل عن هذا ولا عن ذاك.
وفضلا عن ذلك فإن هذه القراءة تقيد الصورة بقيود البيت المفرد عند القدماء، وبقيود الصورة الجزئية عند المعاصرين، وتطلقها في الآن ذاته فتترامى بها إلى سياق خارجي، حتى إن تلطف أصحابها في الأمر، فلم يخلطوا الخاص بالمشترك، ولا هم رأوا هذا الأخذ من باب السرقة، وإنما هو اتفاق معنيين أو تقاربهما. والحق أن صنيعا كهذا يسلب الشاعر حقه في الاختلاف، ويطمس مواقع الغرابة في شعره، بل ربما كانت تجربة القراءة الأكثر عمقا هي تلك التجربة المحبطة التي تحتفظ للنص، بدون قصد من صاحبها بالكثير من صلابته وغرابته، وهي تراوح بين ما يمكن قراءته في هذا الشعر وما لا يمكن قراءته.
ومن لطيف المفارقات أننا نقف أحيانا، في نعت الشعر الحديث «المستغلق»، على الألفاظ نفسها التي استخدمها القدماء في نعت الصورة بعيدة المأخذ، فقد عدوا ذلك من «الوساوس» أو «التخليط» الذي يصيب الشاعر. وهي ألفاظ محفوفة في الظاهر، بجملة من المعاني التحقيرية والتنقصية، وقد يُقصد بها أن الشاعر، في مثل هذه الصور التي كانت تند عن فهمهم؛ إنما أصيب في عقله وتكلم بغير نظام وغير معقول، أو بكلام خفي لا نفع فيه ولا خير، أو هو خلط في الكلام وأتى بالرديء السقْط الذي لا يُعبأ به. غير أن تجريد هذه الكلمات من أحكام القيمة، ومما حفّها من معان تنقصية، من شأنه أن يجعلنا نصلها بالوظيفة التنبيهية، التي تهيمن على الخطاب الشعري»المستغلق» الذي نحن به. وربما كانت الصورة «المستغلقة» تورية، والتورية في عرف البلاغيين إيهام وتخييل. هي لغة مصدر من ورّى الشيء تورية، واصطلاحا أن يذكر المتكلم لفظا مفردا له معنيان، أحدهما قريب ظاهر غير مراد، والآخر بعيد خفي هو المراد بقرينة، ولكنه ورّى عنه بالمعنى القريب؛ فيتوهم السامع أول وهلة أنه مراد وليس كذلك. ومهما يكن فإن التورية شيء يقول شيئا آخر؛ ولا نماري في أن أسلوبا فنيا كهذا ما كان ليتيسر وينضوي إلى الشعري لو لم تتحقق له «وحدة أفق التأويل» التي تنضوي إليها التورية، أو الإخبار عن الشيء بالشيء وخلافه.

من المفيد أن نشير في السياق الذي نحن فيه، إلى فرق دقيق بين الصورة والرمز قد يخفى. فكلما اطردت الصورة وتعاودت فإنها تغدو رمزا أو جزءا من منظومة رمزية ثابتة.

وثمة ناحية أخرى ما أكثر ما نغفلها كلما استعصى علينا تقبل هذا النوع من الشعر «المستغلق» قديما وحديثا؛ فلم يكن من قبيل الصدفة أن يظهر هذا النوع في علاقته بالذات على هذا النحو، في مجتمع «مديني» بدأ يمتلك الأبجدية، من حيث هي جهاز تجريد وترتيب يعوّد العقول على ضرب من تقويم الكلام تقويما مثاليا. ولعل ذلك ما ثبت الوظيفة التنبيهية، وعززها بوظائف أخرى مثل «الجمالية»، حيث الإغراب في الصورة والشكل المستحدث، وهو ما هو في إنشائية الخطاب الشعري؛ مما يلفت انتباه المتلقي ويشده إلى هذا النوع من اللعب الذي لم يألفه. واللعب بما هو لعب يقتضي مشاركة الآخر (المخاطب المتلقي)، وتواصله عنصر لا غنى عنه. ويفترض فيه أن يضع نفسه في الصميم من هذا «اللعب» حتى يتسنى له أن يقف على لعبة الشاعر، ويدرك الطريقة التي يلعب بها. وفي هذا السياق يتواشج «اللعب»و»الرمز»، ومن الصعوبة بمكان أن نفصل بينهما.
ومن المفيد أن نشير في السياق الذي نحن فيه، إلى فرق دقيق بين الصورة والرمز قد يخفى. فكلما اطردت الصورة وتعاودت فإنها تغدو رمزا أو جزءا من منظومة رمزية ثابتة. ومثال ذلك صورة الطلل قديما أو صورة المرأة، فهي في المطرد الأعم صورة سمعية بصرية، تجري على سنن ورواسم متعارفة: سمعية لأنها مقيدة بإيقاع وزن وإنشاد، وبصرية لأن محورها إعادة إنتاج ذكرى، أو استعادة الماضي بشكل بصري. فتعاودها إذن هو الذي يسوغ اعتبارها رمزا أو «شيئا» يؤدي عن «شيء» مرئي متخيل في الآن ذاته. وفي حيز هذا الرمز، يلعب الشاعر لعبته على مقتضى القواعد التي تواضعوا عليها، في عمود الشعر، وتشارطوا. وربما خرج عليها في كثير أو قليل، فاستوقف النظر، لأن ما يتغير يسترعي الانتباه أكثر من الثابت الذي لا يتغير. ولكن سواء التزم الشاعر هذه القواعد أو خرج عليها، فإن الرمز ونحن نتناوله بمعناه الواسع، أي من حيث هو موضوع يشير إلى موضوع آخر، ولكن فيه ما يجعله يلفت الانتباه إليه في ذاته ولذاته، وليس بمعناه الاصطلاحي وحسب، ذو طبيعة مفارقة. فهو يحيل على شيء آخر كأن يحيل الزماني (البيت الشعري) على المكاني (البيت المضروب للسكن) في المقدمة الطللية؛ ولكنه يطوي عليه في الآن ذاته، فإذا هو بين خفاء وظهور، فلا هو في الظاهر ولا هو في الخفي، وإنما بين بين. أي أن الرمز الفني لا يحيل على دلالة خارجية وحسب، وإنما يجعل هذه الدلالة حالة ماثلة فيه. فهو يتمثل دلالته المخصوصة وليس بديلا عن دلالة خارجية، مثله في ذلك مثل القصيدة نفسها أو الأثر الفني عامة. فوظيفة الأثر ليست وقفا على الإحالة إلى شيء آخر وحسب، وإنما هي تجعل موضوع إحالتها يتعين فيها ويتحقق بها، بحيث تقتضي تواصل القارئ ومشاركته. وهذا يستدعي من جملة ما يستدعي مراجعة الجمالية القديمة التي تختزل الأثر في وظيفة إحالية. فثمة وظيفة تنبيهية قادحها النص ينبغي أخذها بالحسبان.
أما القول إن «الشعر يستحسن إذا فهم»، فيغفل أصحابه عن أن حركة اللفظ/ المعنى أو الشكل/ الدلالة حركة مزدوجة، تنتشر فيها المعاني بواسطة الشرح، وتستقبل بواسطة الفهم؛ وأن «شرح» لا تعني ضرورة «فهم» فالشرح يضع المعنى في علاقة مباشرة مع صيغة تعبيره، أي مع البنية القولية المتخيلة، من حيث هي علاقة علة بمعلول. وأما الفهم فهو تصور وإدراك يمكن أن يحفظ للخطاب علاقته بالمتكلم وبما يقوله. وهو ليس كشفا وإيضاحا إلا بوساطة «الكيفية» كيفية القول؛ لأن سؤال الفهم يقوم على كيف؟ ولِم؟

٭ كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية