صارت إقامة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مجرد تحصيل حاصل، بغض النظر عن المردود الثقافي والفني المرجو من الاحتفالية السينمائية السنوية، التي بدأت بحفل افتتاح ساخن، حضره كبار السينمائيين والشخصيات العامة، كأنه دعاية مدفوعة الأجر، ليس من أجل تفعيل الدور الثقافي التنويري، وإنما لهدف آخر هو المتاجرة بالمهرجان كحدث دولي مهم لتنشيط السياحة من ناحية، ومن ناحية أخرى الإيهام بأن هناك صناعة سينمائية ثقيلة، تلعب دوراً ريادياً في المنطقة العربية والشرق أوسطية، ووفق هذا المبدأ صار هناك تلفيق لربط الثقافة والفن قسراً بقضايا حيوية، يتسع مجالها لأكثر من بُعد ومعنى، كي تظل الصورة الكلية مقبولة وفي أحسن حالاتها.
هذه هي الغاية المثلى من تنظيم الاحتفالات والمهرجانات، أما مستقبل الصناعة السينمائية المصرية، ووسائل تطويرها وتحديثها فكلها بنود تدون في أوراق البحث، وتُدرج ضمن برامج الأنشطة التي تصاحب الاحتفاليات، كمسوغات مكملة للطبخة الفنية، لتكون أكثر إقناعاً من الناحية الشكلية، أما الجوهر فحدّث ولا حرج، وآية ذلك هو الغياب الفاضح للفيلم المصري الطويل من المسابقة الرسمية لعدة دورات متتالية، اللهم غير النزر اليسير الذي شاركت به أفلام معينة، تم اختيارها على استحياء في العام الماضي، لحفظ ماء الوجه، وأغلبها جاء عرضه خارج المسابقة الرسمية كـ»جريمة الإيموبيليا» للمخرج خالد الحجر، و»ورد مسموم» وأفلام أخرى اكتفت بشرف المشاركة بعيداً عن أي تمثيل رسمي، أو أي جوائز تُذكر.

هذا ما كان عليه حال السينما المصرية في الدورة الماضية، التي بلغ خلالها المهرجان سن الأربعين، وقيل كلام كثير عن أنها المرحلة التمهيدية لوثبات وقفزات مقبلة وغير متوقعة على طريق التقدم والنجاح، للوصول للعالمية في ظل القيادة الاستثنائية لرئيس المهرجان الشاب محمد حفظي.
ولكن لم تأت الرياح بما تشتهي السفن، فقد مرت الدورة الأربعون وجاءت الدورة الواحدة والأربعون لتكشف الخواء، وتبرهن على أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، حيث لم تفلح الجهود المبذولة في إيجاد فيلم روائي طويل ليمثل مصر، الدولة المضيفة وصاحبة العرس الثقافي السينمائي الكبير داخل المسابقة الرسمية، وكالعادة بدأت المماحكة في السينما التسجيلية والروائية القصيرة والوثائقية، لسد العجز والتغطية على الفقر في الإنتاج والمستوى، للحيلولة دون فتح الملف الشائك، والحديث عن أوجه القصور وأسباب العجز والتردي، علماً بأن مهرجان القاهرة معني بالدرجة الأولى بعرض الأفلام الروائية الطويلة، قبل الأجناس السينمائية الأخرى، المشار إليها، التي يقام لها مهرجان خاص وبشكل دوري في مدينة الإسماعيلية، تحت عنوان مهرجان السينما التسجيلية.
ترجع الأزمة التي يواجهها المهرجان الرسمي للدولة منذ فترة طويلة إلى حزمة من المعوقات والمثبطات، يأتي في مقدمتها ذلك الشكل البراق الذي نجح محمد حفظي في بلورته
وترجع الأزمة التي يواجهها المهرجان الرسمي للدولة منذ فترة طويلة إلى حزمة من المعوقات والمثبطات، يأتي في مقدمتها ذلك الشكل البراق الذي نجح محمد حفظي في بلورته، وتحرص عليه الإدارة المنظمة ليكون المهرجان لافتاً ومبهراً على مستوى الشكل، في حين لم يلق أحد بالاً للمضمون الذي تتحدد على أساسه القيمة الموضوعية للسينما المصرية، باعتبارها المستهدف الأول من كل المزايا، والمعنية بكل الترتيبات والجهود، فضلاً عن عدم وعي المؤسسات الإنتاجية الكبيرة والصغيرة بضرورة المشاركة بمنتجاتها السينمائية الحديثة في المهرجان الرئيسي، لتكون أفلامهم في صدارة المشهد، للتدليل على الازدهار الحقيقي للصناعة ورقيها، من غير الحاجة الملحة لعمل شبكة علاقات عامة تستهدف الدعم والمساندة، كذلك سعي البعض للمشاركة في المهرجانات العربية والدولية الأكثر وفرة في المال والجوائز، وهي فرص يعمل الجميع على انتظارها واغتنامها، ما يفوت الفرصة على معظم الأفلام المصرية المتميزة لتوقيع الحضور في المهرجان المصري، المهم أو المفترض أنه مهم لأن اللوائح تحظر المشاركة داخل المسابقة الرسمية، بفيلم تم عرضه تجارياً، أو سبقت له المشاركة في مهرجانات أخرى.
بخلاف الأسباب التي تتصل بتدني مستوى الإنتاج والإخراج، والتركيز على الترويج التجاري الداخلي لجمهور دور العرض، الذي يهوى «التوابل الحريفة» ويُقدم على شباك التذاكر لمشاهدة نوعيات خاصة من الأفلام، التي تخاطب غرائزه وشهواته أو تقوده إلى مناطق التغييب الذهني كالموجات الجديدة التي لعبت على الجانب الميتافيزيقي والهلاوس السمعية والبصرية، فاستقطبت قطاعاً كبيراً من المشاهدين الجدد، خاصة من قطاع الشباب، الذين بهرتهم التقنيات الحديثة، وخدع التصوير والغرافيك، فحفزوا المنتجين وكُتاب السيناريو والمخرجين والنجوم على التمادي في هذا التيار، فظهرت أعمال مثل «الفيل الأزرق» بأجزائه المتعددة، واعتمد كشكل جديد ومختلف لسينما تتجاوز النمط التقليدي المعتاد.
إشكاليات الضعف والهبوط والنفي خارج مدار المهرجانات والجوائز كثيرة ومتعددة، وكلها أدت في النهاية إلى فراغ سينمائي وغياب حقيقي للفيلم المصري الفارق، الذي أصبح سلعة نادرة وشحيحة بين ركام من الإنتاج الغث والتجاري الرخيص.
٭ كاتب من مصر