«السينما والتاريخ» لمارك فيرو… السينما كوثيقة تاريخية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
1

القاهرة ــ «القدس العربي»: «يجب ألا ينظر إلى الفيلم بوصفه عملاً إبداعياً، ولكن بوصفه منتوجاً وصورة موضوعية ليست لها معان سينماتوغرافية وحسب» مارك فيرو.

لا يُصنع الفيلم السينمائي في فراغ، بل تتضافر عدة رؤى ومواقف اجتماعية وسياسية في سبيل إنتاج فيلم سينمائي، حتى في أبسط أشكال الأفلام وأقلها قيمة فنية وجمالية. فالفيلم ببساطة يُعبّر عن روح عصره وتفاصيل الحياة اليومية التي أُنتِج في ظلها، حتى لو استظل بحكاية شعبية او أسطورية، أو ارتبط مباشرة بحدث تاريخي، كمحاولة لاستعراض أحداث مشابهة للحظة التي يحياها الفيلم. ولكن ما مدى تأثير الفيلم ــ باعتباره وثيقة ـ على التأريخ، بأن يكون الفيلم نفسه مصدراً من مصادر كتابة تاريخ شعب من الشعوب، وصولاً في بعض الحالات إلى أن يحل الخيال السينمائي محل الواقعة التاريخية؟ مناقشة هذه القضايا يتناولها كتاب «السينما والتاريخ» للمؤرخ والمخرج الفرنسي مارك فيرو، الصادر عام 1993، الذي صدر مؤخراً عن المركز القومي للترجمة في القاهرة هذا العام، من ترجمة سحر يوسف.

المكتوب والمرئي

لم يحظ اهتمام المؤرخين بالصورة السينمائية كوثيقة مرئية بالاهتمام أو الثقة، بل كان ما عدا المكتوب ــ الوثيقة المكتوبة ــ لا يُعتد به. ويُرجع فيرو سبب هذا التأخر كون المؤرخ الذي اعتاد الاستناد في عمله إلى وثائق موقعة ومضبوطة الهوية، لم يكن مهيأ لاستعمال الفيلم، وهو وثيقة لا يعرف صاحبها، إضافة إلى أن مؤرخ تلك الفترة كان يعيش وفق ثقافة عصره، وهي ثقافة كتابية لا تعترف إلا بالوثيقة المكتوبة، ولا تعير اهتماماً للصورة. إلا أن هذه النظرة تغيّرت تماماً في منتصف القرن الفائت، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، حتى أصبحت الوثيقة المرئية من أهم الأدوات التي يستند إليها الباحث التاريخي، خاصة في ظل الثورات المنهجية التي طالت أدوات البحث التاريخي. مع الوضع في الاعتبار أن المؤرخ دائماً منذ قديم الزمن عمل لصالح الدولة أو الأمة في ما بعد، وحتى السينمائي لم يشذ عن هذه القاعدة، اللهم إلا في حالات قليلة نادرة.

ما بين الواقعة/الحدث والزمن يشترك كل من التاريخ والسينما، ولكن الخلاف يكمن في ما بين التحليل والسرد، فبينما يكتفي التاريخ بالتفسير وفهم الحدث، تسعى السينما إلى سرد الوقائع بشكل مُرتب

السينما والتاريخ

ما بين الواقعة/الحدث والزمن يشترك كل من التاريخ والسينما، ولكن الخلاف يكمن في ما بين التحليل والسرد، فبينما يكتفي التاريخ بالتفسير وفهم الحدث، تسعى السينما إلى سرد الوقائع بشكل مُرتب، حسب وجهة النظر، بمعنى إعادة ترتيب الوقائع، ومنه يتم بناء الزمن الواقعي عبر الزمن السينمائي. هنا تكمن فكرة (الخيال) الفني، الذي يُعيد صياغة الحدث التاريخي، وفق معطيات وأدوات تحليلية وأهداف أيديولوجية ـ قد يسعى إليها المؤرخ ـ لكنها مؤكدة لدى الفنان السينمائي. ولعل الأفلام العديدة التي تناولت موضوعات ووقائع تاريخية كانت تقوم ببناء الواقعة، وفق التوجه والرؤية المراد إيصالها من خلال الفيلم. وحتى الآن يُعاد إنتاج أحــــداث الحرب العالمية الأولى والثانية، أو الحرب الباردة وفق رؤية قد تختلف من فيلم لآخـر، حسب توجه أصحابها.

حكاية المدرعة بوتمكين

بعيداً عن الجرائد الرسمية المصوّرة التي تتبع الدولة أو النظام، وتحليل هذه المادة للاستشهاد بها على حدث ما ـ سيُعد تاريخياً في ما بعد ـ يأتي الفيلم السينمائي ليصبح بدوره ذاكرة بصرية تاريخية يستند إليه المؤرخ، بل وتصبح هي الصورة، أو الحكاية الحقيقية للحدث نفسه، وبشكل أكثر يقينية مما قد وقع بالفعل، رغم الاختلاف ما بين الواقعة وسردها، من خلال السينما. والعمل النموذجي لمثل هذه الحالة يتمثل في فيلم أيزنشتين الشهير «المدرعة بوتمكين» 1925. الذي «صاغ الواقع مستخدماً أحداثا خيالية، فأصبح التاريخ مفهوما، إضافة إلى ذلك لم يكن الحدث الواقعي كما جاء في الفيلم، فمعظم البحارة كانوا من الريف ولديهم مفهوم ثوري يختلف تماماً عن المفهوم الحزبي، ولم يشترك الجميع في هذه الثورة التي انتهت بمأساة، بل تم تسريح الكثير منهم بعد ذلك. فلم يحاول أحد البحارة على سبيل المثال اللحاق بالمنظمات الخفية لحزب الثورة، علاوة على أن مكان الحدث ومشهد سلالم الأوديسا الشهير، لم يكن ينتمي إلى ثورة بوتمكين. وفي الأخير كان الناس قد نسوا واقعة بوتمكين، حتى أعادها أيزنشتين إلى الذاكرة الجمعية، وخلدها من خلال فيلمه. من ناحية أخرى وفي فيلم «أكتوبر» أراد أيزنشتين أن يأتي باللقطات الحية، التي صورت الهجوم الحقيقي على قصر الشتاء، فرفضت السلطات مدّه بهذه اللقطات (الوثائق)، التي صوّرت وقتها بالفعل. وجعله يُعيد تصويرها بكومبارس يرتدي زي العمال والفلاحين المنتمين للحزب الشيوعي. وهو ما ترسّخ من أن هذه اللقطات هي اللقطات الحقيقية، إلا أنه مؤخراً تم الاطلاع على اللقطات الأصلية، ليتضح أن المهاجمين للقصر، ما هم إلا جنود وليسوا عمالاً أو فلاحين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية