لن تتوقف الممثلة جوليت بينوش عن اختيار أدوارها بذكاء، ففي كل مرحلة من مراحل حياتها السينمائية التي بدأت سنة 1993 تمكنت من أن تتماهى مع أدوار شخصياتها تبعاً لسياقات القصة أو الحبكة، حيث لعبت في مسيرتها أدواراً متعددة بدت فيها على قدر كبير من الموهبة. لقد وظفت الممثلة الفرنسية ـ الأعلى أجراً- بنيتها وتعابير وجهها وعمرها كي تصنع حضوراً أشبه بالبصمة على وعي المشاهد الذي لن يتمكن من تناسي موهبتها في أفلام أمست من كلاسيكيات السينما العالمية، ومنها دورها في فيلم «المريض الإنكليزي» English patient الذي حصلت فيه على جائزة الأوسكار كأفضل ممثلة مساعدة سنة 1997، وأدت فيه دور ممرضة شابة تقوم بالعناية بأحد رجال الاستخبارات الإنكليز بعد أن تعرض لإصابات وحروق في الحرب العالمية الثانية، وفي دور أم جميلة – بالاشتراك مع جوني ديب- قدمت «جولييت» دوراً لا ينسى في فيلم «شوكولا» مصحوبا برؤية تتصل بالحب والحياة والعطاء، وفيه ترشحت للأوسكار سنة 2000، ومؤخرا الفيلم الفرنسي« من تعتقد أنا» Who think I am إنتاج 2019، من إخراج سافي نيبو والنص للكاتبة والروائية كميل لورينز.
الفيلم تطرق بذكاء لجملة من القضايا التي تعكس إفرازات مجتمعات الثورة الرقمية، ولكن عبر الالتفات إلى المكون الإنساني، الذي بدا يتهشم في ظل تحولنا إلى كائنات افتراضية، أو خاضعة لمرحلة حرق وجودنا بلا تأمل للمعنى الحقيقي للحياة، ولاسيما مع التقدم في العمر، وهنا تحضرني مقولة طريفة للكاتب جورج برنارد شو، تتوافق مع نزعة التعالق مع الحياة حيث يقول «إننا لا نتوقف عن اللعب لأننا كبرنا، إنما كبرنا لأننا توقفنا عن اللعب».
الفيلم يتناول حكاية امرأة اسمها «كلير» في منتصف العمر – أم لطفلين- تعمل أستاذة للأدب في إحدى الجامعات، تخلى عنها زوجها ليتزوج فتاة صغيرة في السن. ينفتح الفيلم على مشهد «كلير»، وهي تطالب صديقها الشاب بالمزيد من الاهتمام، غير أن هذه المطالبة تتسبب بتخلي هذا الشاب عنها، كون علاقته معها لا تنهض إلا على مكون مادي أو جسدي، يخلو من أي نزعة عاطفية أو إنسانية، لتقع هذه المرأة أسيرة تصوراتها ومتخيلها عن التقدم في السن، والوحدة، فتقوم بإنشاء صفحة على إحدى مواقع التواصل الاجتماعي، منتحلة شخصية فتاة جميلة في الرابعة والعشرين، وهناك تتعرف على شاب مصور، لتنشأ علاقة عاطفية افتراضية زادها التواصل الافتراضي والمكالمات الهاتفية، فيتكون حب زائف بين مكونين أحد طرفيه وهمي، أو زائف، وهنا تبدأ القيم الفلسفية في التوالد من حبكة تبدو على قدر كبير من البساطة، غير أنها تعتمد سياقاً ميتاحكائي متعدد الوجهات والمسارات، وهنا نرى «كلير»، وقد أضحت الفتاة الصغيرة الشقراء «كارلا» التي تنخرط في علاقة افتراضية مع شاب يافع من خلال كيانين، أو شخصيتين: الأولى روحها الحزينة المثقلة، بينما الشكل يعود لفتاة جميلة، هذا التكوين يحقق نوعاً من المتعة، كما التوازن في وجودها الهش والمتجه للأفول. تنشأ الأسئلة عن هوياتنا التي تختزل في الشكل أو المكون الداخلي، إذ يتهيأ لكلير بأن هذا الشاب قد أحب شخصيتها، أو وجودها العميق، ولكن من خلال الوجه والجسد الفتيّ، وهذا يجعلها في مجال طرح أسئلة تتمحور حول معنى التقدم في العمر، ورؤيتنا لذواتنا وهي تخضع لمنطق الأحكام، تبعاً لما نظهر عليه، أو كيف نبدو في سنّ معينة، ومع أنها تشعر بأنها قد تخلّصت من نير التقدم بالسن، والإحساس بالنبذ، وبأنها أضحت شابة من جديد على المستوى الروحي والمعنوي (افتراضيا)، غير أنه تحت وطأة مطالبة الشاب برؤيتها على الحقيقة، تبدأ مجريات الأمور بالتحول على مستوى الحبكة، وهنا تنبثق مرويات متخيلة داخل المتن، أو في حبكة الفيلم حيث نرى كلير ـ الكاتبة – تتخيل أكثر من سيناريو لانتهاء العلاقة، وكلاهما ينتهي نهاية تراجيدية.
إن هيمنة نموذج إخراجي على الفيلم يبدو أحد أدوات التعبير التي عملت بهدوء وذكاء، حيث نرى الكمبيوتر بشاشته الزرقاء، وشاشة الهاتف المحمول، وهي تحمل صوراً ومشاعر وكيانات غير حقيقية، وكأنها بدت لنا عوالم موازية للوجود الحقيقي
الفيلم يُحكى عبر مستوى استرجاع الحكاية في داخل المتن، حيث نرى «كلير» وهي تجلس أمام الطبية النفسية العجوز لتحكي لها قصتها، هذه الطبيبة التي تأتي كبديلة عن طبيب، تطلّب من «كلير» أن تبدأ من جديد، ومن هنا نقرأ كيف يشتغل فعل السرد بوصفه أداة لتقديم منظور جديد للحكاية التي تصنع لها الأستاذة الجامعية مسارين مختلفين، ولاسيما بعد أن تتيقن بأنها لن تكون قادرة على مقابلة الشاب، أو الاستمرار في اللعبة، على الرغم من ذهابها غير مرة لمكان اللقاء المنتظر، ولكنها تبدو غير مرئية، لأن وعي الشاب مسكون بصورة أخرى. ولعل هذا التجسيد للقاء غير المتوج يعدّ من أكثر المشاهد إتقانا وتأثيراً على مستوى التصوير والأداء. تشرع «كلير» في تخيل كيف يمكن أن تنتهي مغامرتها؟ المسار الأول والأقل ضرراً يتمثل بأن تسعى لمقابلته بوصفها مؤلفة كتب تحتاج إلى بعض الصور الاحترافية، فتتطور العلاقة للإعجاب بها (كما هي على حقيقتها) بوصفها امرأة في الخمسين من العمر، ومن ثم يكتشف بعد ذلك بأنها كانت تنتحل شخصية «كلارا»، وعند مواجهتها تموت في حادث، وهي تحاول أن تهرب من مواجهته. وفي مسار آخر نرى أن الشاب – اليافع وسريع العطب- يكتشف حقيقتها، فيموت، وهو يقود سيارته مكتئباً حين يكتشف الخدعة عن طريق صديق مشترك. هذه الحكاية، أو هذا المسار (الثاني) الذي يقنعنا المخرج بأنه المسار الحقيقي يتسبب بوقوع «كلير» في الاكتئاب والتعرض لعلاج نفسي. على الرغم من أن السيناريو الأول الذي اختلقته أتى رغبة منها في تجنب المزيد من الألم أو لتجاوز عقدة الذنب إلا أنه يخلق أسئلة عميقة تتصل بقدرة عوالم ما بعد الحداثة على خلق عوالم بديلة أو موازية لوجودنا الذي فقد مركزه، وماهيته الصلبة ليضحي نموذجا سائلاً فقد صلابة وجوده.
ولعل فعل الموت أيضاً يطلق فيضاً من الأسئلة حول الهوية الافتراضية للإنسان بعد موته، كما يطلق جدلا حول القيم التي يمكن أن نؤمن بها في العالم القيمي، من حيث مبادئ الحقيقة والمطابقة والواقع، كما العلاقة مع الحيوات التي ننتحل وجودها، فكلير في حوارها مع الطبيبة تعترف بأن صورة الفتاة التي انتحلت شخصيتها وعالمها، ووجهها وجسدها.. كي تكون هويتها الافتراضية الجديدة لم تكن سوى قريبتها، التي قامت برعايتها بعد وفاة والديها، هي عينها الفتاة التي من أجلها تخلى زوج كلير عنها، ليلتحق بفتاة أجمل، وأصغر سناً، وهكذا يمكن أن نلمح نسقاً قوامه الرغبة في الهيمنة القائمة على مركز الذات، أو ما يمكن أن ننعته بتبادل الأدوار. ولعل هذا التحبيك على المستوى السينمائي يبدو تقليدياً، أو يفتقر للعمق للوهلة الأولى، غير أن الحوارات التي عبرت فيها الممثلة جولي عن مواجهة الوعي بالزمن، والتقدم بالعمر، ترسم ظلالا داكنة حول وعينا بوجودنا، ففي أحد حواراتها مع الطبيبة ،التي سعت لإقناع المريضة بأن التقدم بالعمر شيء طبيعي، وبأننا جميعاً نتجه إلى الموت، ولكن «كلير» تجيب بأنها لا تخشى من الموت، إنما تخشى من الوحدة، ولاسيما في هذا السن، وهنا ينبثق الكثير من التساؤلات عن قيم العالم المعاصر، وسطحيته وهشاشة وجود الإنسان، الذي يبدو خاضعاً لمنطق شكلاني، فهو منشغل بالطارئ، والمنزلق، كما هي قيمنا الجديدة التي صاغتها عوالم الثورة الصناعية الخامسة.
إن هيمنة نموذج إخراجي على الفيلم يبدو أحد أدوات التعبير التي عملت بهدوء وذكاء، حيث نرى الكمبيوتر بشاشته الزرقاء، وشاشة الهاتف المحمول، وهي تحمل صوراً ومشاعر وكيانات غير حقيقية، وكأنها بدت لنا عوالم موازية للوجود الحقيقي، أي أن هذا العالم بات كياناً قائما بذاته، وقد تمكنت جوليت من تجسيد إحساسها الأنثوي، والقلق، والاكتئابي، من خلال ملامح وجهها البريئة، مع كل ما يحمله من مخلفات جمال بدأ يذوي، بالتجاور مع تلك الأحاسيس التي تتوهج مع استشعار كيانها الزائف على الشاشة الرقمية، بل إنها تتحول إلى تصديق كيانها الوهمي، خاصة حين تسألها الطبيبة بأن الشاب الذي تحبه هو في الحقيقة يحب امرأة أخرى، وتعني شخصية الفتاة الوهمية، غير أن «كلير» تجيب بأنها لم تكن تدّعي بأنها في الرابعة والعش222رين، إنما هي هكذا، ومن هنا تبدو لنا هذه الكوى الافتراضية مجالاً لأن تطفو فيه ذواتنا، كما جاء في مفتتح الفيلم، غير أن نهاية الفيلم تنحو إلى تقويض المسارين المختلقين في وعي المشاهد، حين تكشف الطبيبة لكلير بأن الشاب لم يمت، وبأنه تزوج، ولم يكن خبر تلفيق وفاته في حادث سيارة إلا وسيلة انتقام، ولكن «كلير» التي تتخلص من الندم نراها في مشهد أخير، وهي تحمل الهاتف كي تتصل بأحد ما لينتهي الفيلم على أسئلة كثيرة تتصل بمسلك «كلير»، وقدرتها على تجاوز أزمتها التي تتقاسمها مع ملايين الذوات في العالم.
٭ كاتب أردني فلسطيني