محمود السعدني الذي خدعني

إبراهيم عبد المجيد٭

لسوء حظي لم ألتقِ بمحمود السعدني بعد أن عاد إلى مصر في زمن مبارك، واستقر فيها. هل كنت أقصد ذلك؟ بالقطع لا. لكنني عرفت كتابات محمود السعدني مبكرا، خاصة كتابه «الولد الشقي»، كما كنت أقرأ له أحيانا مقالات في «روز اليوسف»، أو في مجلة «المصور» في السنوات الأخيرة من حياته.
تقريبا كل يوم أتذكر محمود السعدني ومقاله الذي كان يكتبه في مجلة «المصور» تحت عنوان «أنا أحب الجيزة» فهو من مواليدها في العشرين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1928 وقد اخترت يوم مولده لاكتب هذا المقال فهو حي لا يفارقني، رغم وفاته عام 2010. هو من مواليد محافظة الجيزة ومن رواد مقاهيها مع عدد رائع من الأدباء، لكن السعدني ظل ويظل بالنسبة لي كاتبا مرتحلا في متاهة من التاريخ والواقع. من التاريخ تعرف حياته الصحافية والسياسية قبل ثورة يوليو/تموز وبعدها من كتابه الذي أشرت إليه بأجزائه المختلفة. الجزء الأول من «الولد الشقي» عن طفولته وصباه في الجيزة. والجزء الثاني عن بداياته في العمل الصحافي. والجزء الثالث «الولد الشقي في السجن» عن بعض شخصيات عرفها، والأخير «الولد الشقي في المنفى».
وكتب أخرى مثل «السعلوكي في بلاد الافريكي!» عن رحلاته في افريقيا أو «الموكوس في بلاد الفلوس» عن أيام لندن قبل أن يستقر في مصر، أو بعض رحلاته التي سماها «رحلات ابن عطوطة». وعطوطة من العط بالعامية المصرية التي تعني من لا يهدأ في مكان. كتب قصصا قصيرة ورواية، لكن كتاباته الصحافية غلبت عليه ولم تترك لغيرها فرصة، وكتاباته لم تكن تقارير لكن كانت آراء ودراسات لما يقول، حتى وهو يقدمها في سخرية بلغت مداها في «حمار من الشرق» وفي «عودة الحمار». باختصار لم يكن متوافقا مع ما حوله أبدا، وتوافقه أيام مبارك لم يكن توافقا بقدر ما كان صمتا وتقدما في العمر وتفرغا للكتابة عن الماضي وذكرياته أكثر.
ومن الواقع تعرف متاهته لأنه تقريبا دار على كل دول الخليج بعد أن تولي السادات الحكم، ولم يشفع له أنه كان أحد ضحايا سجون عبد الناصر، فلم يتحمل السادات آراءه ولا سخريته. ذهب السعدني إلى بيروت ولم يستقر، وإلى ليبيا ولم يستقر، وإلى الخليج ولم يستقر، وإلى الكويت ولم يستقر، ثم إلى لندن ومنها عاد إلى القاهرة مع من عادوا بعد مقتل السادات. هو الذي أحب أن يقال عنه الولد الشقي في السياسة والصحافة، شقي بالبحث عن استقرار في زمن كانت كل الصحف تتهم بالدعم من هنا أو هناك.
خدعة السعدني لي هي أنه جعلني أحب الجيزة وأسكن فيها، رغم أنني بدأت سنوات شبابي في القاهرة بالسكن في روكسي، ثم حدائق القبة، وهي أحياء كانت رائعة في محافظة القاهرة. بعد الزواج والاستقرار بعيدا عن الشقق المفروشة اخترت أمبابة في الجيزة لعشرين سنة، ثم حدائق الأهرام منذ ثلاث عشرة سنة، وكنت في السنوات الأولى أخرج من البيت أنظر حولي أرى الشمس ساطعة والفضاء جميلا وسهراتي مع أصدقائي من منطقة الوراق في الجيزة أيضا رائعة، وأصدق أنه يمكن للفرد أن يحب الجيزة وشيئا فشيئا صارت الجيزة جحيما حتى أحياؤها الراقية مثل المهندسين والدقي تم تدميرها. انتهت الأراضي الزراعية في الجيزة لصالح البنايات العشوائية واختفت ترعة المريوطية والمنصورية تحت ضغط الحركة، وصارت طرقا وبيعت تقريبا كل الفلل القديمة لمشاهير الكتاب والفنانين القدامي في تلك المناطق، لتكون صالات أفراح لا ينقطع ضجيجها كل يوم. أنسى واعتبر أن محمود السعدني هو الذي خدعني ثم أتذكر أن الخدعة الكبرى هي في ما طرأ على كل البلاد من تحولات عشوائية ضد الخضرة والماء والاتساع، وزيادة السكان الرهيبة التي لا يجدون لها متنفسا في الصحراء، التي تحيط بالمدن القديمة، بل في الاعتداءات على الأراضي الزراعية والبحيرات.

هذا التاريخ الغائب عن المصريين لا تزال المدارس عاجزة عن إيصاله لطلابها، ولا تزال لا ترى تاريخ مصر إلا من خلال الحكام والغزاة ومعاركهم. يمشي السعدني في كتابه مع الشعب منذ الفتح الاسلامي حتى ثورة يوليو 1952.

الآن كل صباح أتذكر السعدني وأقوال له خدعتني أيها العظيم، وأحببت الجيزة ثم أتذكر أننا خُدعنا جميعا، وأن حب السعدني للجيزة هو من ميلاده فيها أيام كانت المدن واحات للراحة والجمال، ينزل عليها الفضاء نهارا لا يريد أن يتركها ويخيم عليها الليل بكل الطمأنينة التي يحتاجها البشر. لكن السعدني لم يخدعني في كتبه. متعتي بها لا تزال تمشي معي. وهناك من بين كتبه كتاب عظيم جدا هو «مصر من تاني». كان السعدني يؤرخ للحياة الصحافية وللمشاهير ولقراء القرآن الكبار من المصريين، وفي هذا الكتاب ما لم تذكره كتب المؤرخين عن شخصيات لا يقف عندها من يؤرخون للزمن بالحكام. إنه يؤرخ بالشعب والناس العاديين في وقت مبكر كما فعلها أحمد بهاء الدين في كتابه «أيام لها تاريخ»، وبعده صلاح عيسى في «حكايات من دفتر الوطن»، وقبلهم جميعا حسين فوزي في «سندباد مصري».
هذا التاريخ الغائب عن المصريين لا تزال المدارس عاجزة عن إيصاله لطلابها، ولا تزال لا ترى تاريخ مصر إلا من خلال الحكام والغزاة ومعاركهم. يمشي السعدني في كتابه مع الشعب منذ الفتح الاسلامي حتى ثورة يوليو 1952. بقدر ما يذكر المشاهير يذكر من لا يذكرهم أحد، وكانوا الأكثر فاعلية في الثورات والاضطرابات ضد الغزاة والمحتلين عبر العصور.
أما كتابه الآخر الذي لا أنساه، الحقيقة من الصعب أن أنسى متعتي بكتبه، لكن أعني هنا كتابه «الطريق إلى زمش». هو ضحك لكنه أشبه بالبكاء، فكما كان للشيوعيين تنظيمات تختصر في كلمة مثل «الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني ـ حدتو» جعل من «زمش» اختصارا لتنظيم وهمي أقامه وسط الشيوعيين في المعتقل ممن لا علاقة لهم بالشيوعية أو الإخوان واعتقلوا ظلما في عهد عبد الناصر. الجملة هي «زي ما انت شايف» واختصارها «زمش». زمش أيضا اختصار لإجابة على اتهام المثقفين وغيرهم بالشيوعية، وبالانتماء إلى أحزاب سرية. هؤلاء الذين لا علاقة لي بشيء فالسعدني حين قبض عليه مع القبضة الكبرى التي بدأت في مستهل عام 1959 للشيوعيين لم يكن منتميا إلى أي حزب سري. كان زي ما انت شايف! صحافي وأديب له كتب، وهناك مسلسلات إذاعية عن كتابه «الولد الشقي»، ولم يكن ضد ثورة يوليو. هناك كتب كثيرة أرخت للقبض على الشيوعيين لطاهر عبد الحكيم مثلا وفتحي عبد الفتاح وعبد العظيم أنيس، لكن كتاب السعدني كان أخفهم ظلا، رغم البؤس المحيط بالجميع. لقد سخر فيه أيضا من بعض الشيوعيين ليس لأفكارهم، لكن لتحملهم التعذيب وتفاؤلهم. لم يقم بتجريح أفكارهم لكن كانت دهشته من الاستمرار في الأمل، وفقدان أجمل أيام العمر.
اخترت أن أكتب المقال في هذا الشهر نوفمبر، حيث كان ميلاد السعدني ولا أعرف هل يسمع الموتي أم لا، فما زلت أقول له كل صباح ليه خلتني أحب الجيزة يا سعدني، رغم أنني أعرف أنه في مصر عز الجمال في كل المحافظات، لكن يبدو أنني تعودت أن أرسل إليه هذه الرسالة الضاحكة كما تعودت أن أضحك مع سخريته أيام الشباب الجميل.

٭ روائي من مصر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية