بيروت-“القدس العربي”: قبل سنوات راود مديرة جمعية البرامج النسائية حلُم افتتاح روضة للأطفال في مخيم برج البراجنة. فمديرة الجمعية والمتعاونون معها يدركون بعمق حاجة الأطفال ما بين الثالثة والخامسة من العمر لبيئة آمنة وجميلة يقصدونها كل صباح. تُضاف إليها حاجة الأمهات العاملات لمكان تربوي نموذجي يحضن أطفالهن، لبعض الوقت. بات واضحاً على نطاق واسع في العالم واقع المخيمات الفلسطينية غير الإنساني، وخاصة في لبنان. الكبار والصغار يعيشون في سجن كبير مكتظ بالناس. سجن تتفرع في داخله أزقة ضيقة نادراً ما تكون خالية من مياه جارية. مياه متعددة المصادر وكلها ملوث، لكن الأخطر منها هو إمدادات الكهرباء المعربشة والمتدلية في كل مكان، والتي تتداخل أحياناً مع المياه وتسبب الموت.
للوصول إلى حيث بات حلم جمعية البرامج النسائية واقعاً قائماً والذي حمل اسم “روضة نورس” كان الطريق طويلا، ويشبه في أحيان المتاهات. فالمنطقة تُعرف من قبل سكان المخيم بـ”جورة التراشحا”. بعيداً من صور الخارج، للحضانة ألوانها الزاهية المتناغمة مع بهجة الأطفال الـ136 الذين تضمهم. صفوف تحمل أسماء الأرانب، والفراشات، والنحلات وكذلك البومة، فلما لا؟ وعندما نسأل أطفال صف البومة عن صفات هذا الطير يقولون بصوت واحد “ينام نهارا ويستقيظ ليلا”.
“روضة نورس” تضم إلى أطفال مخيم برج البراجنة أطفالاً عرباً يقيمون في المخيم من سوريا، ومصر ولبنان. بسؤال بعضهم إلى أي مكان ينتمون في فلسطين؟ تطير الإجابات من هذه الطفلة وذاك الطفل: عكا وحيفا والكويكات ووو. إنما الإجابة التي توقفت عندها كانت لمصطفى سألته من أين أنت؟ من سوريا؟ من أي مدينة في سوريا؟ من فلسطين. أما تيا فردت بثقة وفرح “بكرا” عندما سألتها “أيمتى بدنا نروح ع فلسطين؟”.
في روضة نورس تتطاير الألوان الزاهية والرسومات حتى وإن مثّلت شهر الخريف وتدرج ألوانه الصفراء. أطفال صف البومة في عمر الخمس سنوات. يعرفون تفاصيل حياتهم ولماذا يعيشون في هذا المكان الضيق من لبنان، وأن إسرائيل احتلت وطنهم. ولهذا تردد تيا شعراً حفظته بكل فخر: أنا منّي أميرة.. وما في ع راسي تاج.. أنا فلسطينيي وع راسي كوفية.
وتسارع تالين لترداد نشيد العلم الذي حفظته جيداً: والله شفتك يا علمي زينة رايات الأمة.. أسود أسود قاسي وصعب.. أبيض أبيض بلون القلب.. أخضر أخضر بلون الأرض.. أحمر متلون بدمي. والوداع مع صف البومة بدبكة “الانتفاضة” يؤديها الأطفال متكاتفين ومتعاونين.
الناشطة الاجتماعية في لجان الأهل في مدارس الأونروا منذ سنوات طويلة فاتنة عرابي، تولت هذا العام مهمة الإشراف على روضة نورس. تقول عرابي: روضة نورس واحد من نشاطات جمعية البرامج النسائية المتعددة والتي تهدف لدعم المرأة وتطوير قدراتها. ولا شك أن روضة نورس مشروع يحمل في أحد تطلعاته احتضان الأطفال ضمن بيئة آمنة في مخيم برج البراجنة. والروضة تشكل حضانة نموذجية في بنيتها وما تقدمه للأطفال من برنامج تربوي. وجاء اختيار المكان ليلبي حاجة هذا المحيط الذي يُعرف بـ”جورة التراشحا” في مخيم برج البراجنة. والمكان في حد ذاته شكل بداية إيجابية جداً لإنطلاق الروضة. ففي السنة الأولى من عمرها استقبلت 84 طفلاً، ووصل العدد هذا العام إلى 136 طفلة وطفلا.
*ماذا عن عمر الأطفال في هذه الحضانة؟
**نستقبل الأطفال بدءاً من ثلاث وحتى الخمس سنوات، وهم ينتقلون مباشرة إلى الصف الأول تمهيدي في مدارس الأونروا أو سواها. وفي روضتنا تنوع في الهويات وإن كانت الغالبية العظمى من أطفال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان. وإليهم انضمّ أطفال من فلسطينيي سوريا، وآخرون من سوريا، واستقبلنا طفلة من مصر، وطفلتين لبنانيتين.
*هل لأطفال الأم العاملة أولوية في القبول؟
**ليس شرطاً على الإطلاق، نستقبل كافة الأطفال الذين يأتون للتسجيل، لكننا لا نستقبل ما يفيض عددياً عن الإمكانات اللوجستية والبشرية التي نملكها. وقد اعتذرنا من عدد كبير من الأهل لعدم قدرتنا على استيعاب أطفالهم. واستناداً إلى سجلات أطفال الروضة يمكن القول إن 40 في المئة من الأمهات عاملات.
*إلى جانب البرنامج التربوي ماذا تقدم روضة نورس للأطفال الـ136؟
**نستقبلهم من الساعة الثامنة صباحاً إلى الواحدة ظهراً، ويمتد العام الدراسي من منتصف شهر أيلول/سبتمبر إلى نهاية شهر حزيران/يونيو. نقدم للأطفال وجبة صحية بحدود الساعة التاسعة صباحاً. يشرف على هذه الوجبات أخصائي تغذية، ويعدها “مطبخ سفرة” الذي يشكل رافداً من روافد جمعية البرامج النسائية. ويمكن للأطفال الاشتراك بهذه الوجبة التي نتقاضى بدلها ألف ليرة لبنانية يومياً، والاشتراك لمن يرغب وليس مفروضاً على الجميع. الطفل الذي نعرف أن إمكانات والديه المادية محدودة نقدم له الوجبة كما سواه من الأطفال. ثمة أهل يفضّلون إرسال الطعام مع أطفالهم.
*ذكرت خلال الدردشة ردة فعل الأهل المرحبة بالأنشطة التي تشركون الأطفال فيها. فماذا في تفاصيلها؟
**بداية كان ترحيب الأهل مشجعاً جداً في اليوم المفتوح الذي تمّ تنظيما كافتتاح للعام الدراسي. تميز هذا اليوم بالـ”كيتسماندو” الذي صممناه ذاتياً بما يتناسب مع المكان الذي نشغله، وضمّ زاوية الرسّام وكافة حاجياته. وزاوية الطباخ الصغير، والتي أتاحت للأطفال صناعة بعض الحلويات وتقديمها كضيافة للأهل. وزاوية الحلاّق الصغير، وكذلك الأشغال اليدوية. وينوه الأهل بالنشاطات التي تتواصل على مدار العام، ومنها نشاط الغذاء الصحي الذي يشارك الأطفال في إعداده والتعرُّف على محتوياته من خضار وسواها.
*وهل يتضمن برنامج العام رحلات إلى خارج المخيم للإطلاع والترفيه؟
**بالتأكيد. لكن الحراك الشعبي في لبنان بدأ ونحن في بداية العام، ومن غير الممكن أن نقوم برحلات في هكذا ظروف خارج المخيم. ففي البرنامج زيارات لحديقة الحيوانات في عاليه، ولبعض الحدائق العامة وغير ذلك. وفي البرنامج كذلك التعرُف عن قرب إلى بعض المهن. يتعرف الأطفال إلى أدوات النجار أو الحداد أو الخبّاز وهم في صفوفهم، ومن ثم نتابع الشرح في مكان العمل. لم نباشر بعد هذا النشاط. لكنهم تعرفوا إلى دور الروضة كبيئة آمنة يأتون إليها مباشرة من منازلهم.
*وهل من نشاطات فنية ترفيهية؟
ـ نحرص على تقديم أعمال مسرحية هادفة، ومنها مسرحية خاصة بالنظافة الشخصية عرضها مختصون من مركز “نور”. نحرص على العروض المسرحية لأننا نلمس مدى تفاعل الأطفال معها.
*هل لديكم مشاريع للتطور؟
**المشروع القريب والذي هو قيد التنفيذ العمل ليكون الصف الأول بشعبتين منفصلتين. فقد سجلنا عدداً وافراً من الأطفال ومن الأفضل أن يكون العدد أقل في كل شعبة.
*هل من بدل تتقاضونه من الأطفال؟
**بالتأكيد ويبدأ بـ350 ألف ليرة للصف الأول، و375 للصف الثاني والثالث ويشمل المريول والكتب. ونترك للأهل حرية تسديد القسط على دفعات بحيث ينتهي المبلغ كاملاً في نهاية آذار/مارس.
*كمشرفة على روضة نورس ما الذي يمدك بالتفاؤل؟
**الفرح في عيون الأطفال حين يسمعون الموسيقى ويسارعون للرقص. ويفرحني كذلك التبدل الإيجابي الذي يطرأ على الأطفال خاصة الجدد الذين هم في عمر الثلاث سنوات، والذين يجدون صعوبة في الانفصال عن بيئتهم وحضن أمهاتهن. منهم من كان يُحجم عن تناول الطعام، ومنهم من كان انطوائياً. نلمس ذاتياً هذا التغيير الإيجابي، كما نسمعه من الأهل. كلمات بسيطة للغاية تقولها الأمهات تشعرنا بالرضى، لكننا نطمح للمزيد من النشاط والعمل مع الأطفال بهدف تقديم أفضل الممكن لهم على الصعيد التربوي.
*كونك كنت ناشطة اجتماعية في مجالس الأهل هل نعرف منك الحاجات الأساسية لأطفال يعيشون في مخيم شبه مغلق؟
**الطلب الدائم الذي لا ننفك عن الدعوة لتنفيذه ملاعب نموذجية داخل مدارس الأونروا. كما ويحتاج أطفال المخيم لبيئة آمنة وهم يتنقلون داخله، فهم معرضون في أي لحظة للسعة الكهرباء نتيجة تداخل أسلاكها مع مياه المنازل.
إلى مريم الشعار مديرة جمعية البرامج النسائية وصاحبة حلم “روضة النورس” كان السؤال:
*لماذا كانت الروضة حلماً شخصياً لك؟
**نعم كانت حلماً شخصياً لي بهدف تقديم الأجمل لأطفال المخيم. حلمي يتواصل ويكبر، أتمنى أن أرى روضة نورس في مكان أوسع وأكبر. وأن تتطور وتزيد من حرفية العاملات فيها لتقديم الفائدة الأكبر للأطفال. فهذه الروضة وجدت لتكون في خدمة المجتمع الذي تستقر فيه كمكان لأجله وأكثر. أتمناها روضة نموذجية تخدم العائلة كاملة وليس الطفل فقط.
*لماذا اختيار اسم نورس؟
**هو طائر يعني لي الكثير على الصعيد الخاص، ومنه استمد القوة والطموح. فهو طائر محلق على الدوام. أطلقت هذا الاسم على الروضة لأنني أتمنى أن تستمر في التحليق كما طائر النورس. وأن ترفع من مستوى الأطفال، وأن يتواصل شموخهم في حياة تماماً كما طائر النورس في طيرانه نحو السماء.