يتلازم مع وصف المكان وإيقاع الحوار والإدراك الجمالي: سيمأة الأضواء سردياً

نادية هناوي
حجم الخط
0

يحتل الضوء موقعا مهما في عالمنا، فهو الذي يجعل موجوداته مرئية، بها نستنير في تحديد موقعنا مما حولنا، مدركين آثارها الدلالية والتشكيلية. ولتوظيف الضوء في السرد وجعله مهيمنا بنائيا، جماليات خاصة تدركها عين السارد الذي يشخّص ما في المرئي وما خلف المرئي من خبايا ورؤى غائرة، ليس للمدارك الحسية أن تراها في الحالات الطبيعية خارج السرد.

ولا غرو أن المرأى الحافل بالبريق واللمعان والرؤية الموشاة بالإضاءة والألوان يؤنس الروح مولدا إحساسات نفسية تحقق لها الاطمئنان الذاتي في التواصل الحي، فيتحول المنغلق مفتوحا والجامد متحركا.

والإدراك الجمالي للضوء قد يكون انعكاسيا فتتعالق الذات بشكل خاص مع الموضوع وقد يكون تبادليا عاما ما بين الذات والذوات الأخرى التي تشترك في وحدة الاستشعار لما في العوالم الحسية كأمكنة وأجساد وظواهر من معان تدخل في باب ما يسمى “سيمياء العواطف” وهي سيمياء معرفية مكانها الجسد الذي سيصبح متجسدنا بالإحساس الشعوري توترا أو قلقا أو جفلة أو نشوة أو اختلاجا أو خمولا. وإذا ما تم تمثيل هذه السيمياء في الأدب؛ فإن ذلك التمثيل سيعطي لها بعدا عاطفيا ميتالغويا يتخذ من الإدراك الحسي طريقا للتعبير عن تجليات الجسد وسط التوترات التي يتلقاها من محيطه بتوازن أو عدم توازن.

وقد يكون للادراك الحسي للضوء فضاءات بعضها معتادة وطبيعية وبعضها الآخر قد يكون مفرط الحساسية ينماز بعدم الكفاية على وفق معايير قيمية مؤسسة على بعد خلقي معين. وهذا الأخير هو الذي يتمتع به الكتّاب الذين تغريهم في الأشياء خفاياها فيعملون على التقاط جزئيات مرآها المضاء بعدسات بالغة الدقة، صانعين سرديات ذات فضاءات ضوئية تنبض فيزيولوجيا بالبريق والاشعاع والومضات والإيقاع.

ومن الأجناس السردية التي فيها للضوء مساحات جمالية خالصة القصة القصيرة التي ما أن يهيمن فيها الضوء حتى تتحول إلى سردية سيميائية تتخذ شكل كرنفال حلمي يعج بالدلالات القيمية والجنونية التي بها يقتحم السرد أصل الوجود متغلغلا إلى ميتافيزيقا الأكوان جاعلا المرئيات نابضة ومتدفقة بالادراك الحسي الذي فيه ينغمس الجسد بصريا في فضاء من القوى المتضادة تبعثرا والتحاما وايقاعات وتوترات، وقد يحتشد الجسد رمزيا في أجساد أخرى عبر مشهد طقسي جماعي تذوب فيه الأصوات والحركات داخل سيمياء الضوء.

ومن القصاصين الذين برعوا في سيمأة الضوء في القصة القصيرة في ستينيات القرن الماضي موسى كريدي (1940ـ1996) الذي كان متقدما في تجريب هذا اللون من الكتابة وذلك في ثلاث قصص نشرها بين العامين 1969 و1970. ولعل وحدة الموضوع في هذه القصص والمتمثل في سردنة طقس من طقوس مرثية عاشوراء هو الذي يجعلها باكورة مهمة في تاريخ السردية العراقية.

ولا يخفى أن توظيف الطقوس الدينية والمعتقدات الميثولوجية في القصة العراقية له مساحته المهمة، لكن توظيف طقس مثل طقس التطبير نادر بعض الشيء. ولقد وجّه القاص اهتمامه إليه، مستثمرا إمكانيات الضوء في التعبير عن الأثر الذي يسببه عمق الإيمان بالمعتقد في جعل الذات متلذذة بالألم ومتألمة باللذة وبمشاعر ميتافيزيقية ذات أبعاد صوفية. ولأن موضوعة التطبير تعد من مسكوتات المتخيل الديني، لذا تناولها قلة من القصاصين العراقيين الذين ظفروا بأدوات ـ هي في الغالب صعبة المنال ـ سمحت لهم بالنفاذ إلى مثل هذه الموضوعات. وكان القاص موسى كريدي قد وقع على أداة من هذه الأدوات ألا وهي الضوء وما فيه من طاقة مادية تعكس انفعالات النفس المتضاربة وتجعل التخييل السردي سيميائيا في توصيل دلالاته.

وقد كرر القاص الموضوعة ذاتها في قصصه الثلاث مفيدا من سيميائيات الضوء بأشكال مختلفة، وأول قصة هي “الشمس خارج السور” التي نشرت بعنوان آخر هو “جرح في شمس هادئة” في العدد الأول من مجلة الآداب اللبنانية عام 1969 وفيها يتخذ الضوء شكل طبقتين، طبقة يتشتت فيها، وطبقة يتكثف خلالها بشدة معطيا للمشهد التراجيدي مرآى طوبولوجيا هو عبارة عن لوحة ضوئية تجعل الأشياء والأجساد متنافرة ومنسجمة معا في العمق.

وتتوزع أوصاف الضوء خفوتا وبريقا وأشعاعا وقتامة وكثافة وشفافية ما بين الوحدات الواصفة في القصة تارة بالألوان (الفضاء رمادي / الشمس بلون الرصاص / الصمت أبيض وزنابق الجمر مضطهدة /كان الليل حجر أسود يزاحم عينيه) وتارة أخرى بأيقونات جسدية ليس لها أسماء بل هي مجرد هياكل بشرية ذات رؤوس أو جماجم أو أياد أو أذرع.

وللمكان ترتيب خاص به يصبح الزمن مرئيا على المدى البصري بالصور الملونة التي تجعل الترسيمة السردية ذات معايير قيمية موضوعاتية وخط أخلاقي روحي، مشكلة الأكوان السيميائية التي فيها يتوكد شعور الكائن بالتماهي في الوجود. وعادة ما يتماهى الزمان السردي في المكان بطريقة سريالية تتقابل فيها المتضادات (الظلام الأسود والغيوم البيضاء، القوة والوهن، الشمس والليل، الاشعال والأطفاء، التوهج والخفوت، الهدوء والتوتر، الوضوح /الغموض).

وبالضوء وتدرجات سطوعه وخفوته يصبح الفرد مجموعا كما يغدو الحاضر مغيبا والغائب مستحضرا، وهو ما يتضح في القصة الثانية وعنوانها “طقوس العائلة” والمنشورة في مجلة الآداب في عددها الخامس، أيار/مايو، 1969. وفيها تغدو إمكانيات القاص أكثر وضوحا في توظيف الضوء صانعا ترسيمة هندسية دينامية مجسمة فيها الألوان مشعة بشدة أو فاترة غير مشعة. وتتماهى الأمكنة والأزمنة والعوامل السردية مع بعضها بعضا، بدءا من اسطبل الخيول وتفاصيله الوصفية وانتقالا إلى كرنفال التوحد بين الأجساد والأضواء التي جعلت الليل أبيض كدلالة على امتداده وانتهاء بمرآى الدم وهو يجري على الأكفان البيض مختلطا بالعباءات السود والأزقة الحمر ولهب المشاعل وذبذبات العصب ورعشات الأجساد.

وتعزز المواقع اللونية للأشياء أثر الضوء في تعشيق الشكل السيميائي في المشهد التراجيدي فتتجانس المتضادات ما بين طبقتين: طبقة سطحية ذات دلالات إيمانية روحية المهيمن فيها هي الدماء، وطبقة سفلية ذات دلالات جسدية مبعثرة بأفعال دنيئة وأشياء بذيئة.

ويتلازم الضوء والحركة والصوت كما يتناوب الحوار القصير مع السرد ويهيمن الضوء على الوصف المكاني. وتنبهر العين بخصائص الضوء المادية من ومضات واشعاعات تترك فيها بريقا يمثل القطب الدلالي الموجب في الترسيمة السيميائية للضوء بعكس العتمة التي تمثل القطب الدلالي السلبي الذي يوحي بالكمون والخشية وعدم التواصل في تشكيلة الضوء الهندسية. وما بين تشبع الأجساد بسواد الليل وبياض الأكفان يأتي الدم الأحمر القاني ليضيف إلى المشهد غلظة وتوترا بافراط، وكأنه قربان الرؤوس لأجسادها المتوحدة بالضوء.

والمقصد الذي يسعى القاص لبلوغه هو كشف أسرار التضاد في ممارسة الطقس الدموي الليلي المفعم بحس هستيري داخل سمفونية ضوئية تجمع بين طهر السطح الذي يطغى عليه مرآى المعركة بالخيول والطبول والبطل العنيد والنساء وأصوات اليبو ونقالة الاسعاف، وبين مسوأة قعر النزل الذي فيه يكتشف الرجل وضيفه كواليس واقعية تصخب بالخيانة والاثم والدنس.

وعلى وفق هذه الترسيمة السيميائية يتضح لنا ما في هذا المشهد الكرنفالي التراجيدي من جنون يراد منه ايصال بعد أخلاقي سيتضح في القصة الثالثة التي عنوانها “ساحل آخر للموت” والمنشورة في مجلة الآداب العدد التاسع أيلول/سبتمبر عام 1970 التي فيها الترسيمة السردية ذاتها فالطقس موزع إلى قسمين قسم وصفي فيه الأجساد مجرد رؤوس عارية ورؤوس معصوبة وعيون واسعة ومشاعل نافرة وقامات وأكفان بيض، وقسم وصفي فيه الأشياء جامدة (بشارات دامية/ المصابيح كابية/ اللهب الطائر / النار داكنة شديدة السواد/ تستحيل رمادا/ دائرة نار سوداء/ ابيضاض السيقان/ المشعل دهني اللون/ احمرار اللهب / سمرة محببة).

وضمن صيرورة ظهور/اختفاء تخترق الضوء الرايات واللحى والحروف والأصوات والريح، بينما يهيمن الظلام على الغرفة وتبدو الأشياء داخل المرآى الطقسي المضاء ذات أشكال هندسية زوايا منفرجة وحادة وأعمدة وأقراص ومتاهة عليا وسفلى وصغيرة وكبيرة وأحياز وفراغات تهيمن عليه الأجساد النسوية. وبسبب تمركز الضوء في بؤرة الحدث السردي، تستبعد حالات الانحراف والخوف والغرابة والهياج والانقباض وتستبدل بمشاعر اليقين والنشوة والافتتان والسكينة وبرعشة صوفية ايمائية تتنامى فيها أحلام اليقظة.

ويذكر أن القاص محمد خضير كان قد طرق في قصة “الشفيع” تراجيدية يوم عاشوراء مفيدا من سيميائية المرآى اللوني إلا إنه اتخذ من التعبيرية منهجا بسببه صار لشخصية الامرأة الحبلى دور البطولة بوصفها مهيمنا سرديا به ترتبط خيوط الأحداث كلها في شكل متوالية هبوط/ صعود حيث المكان العلوي طاهر(قباب مذهبة / اللمعان السماوي/ زرقة السماء البنفسجية الداكنة) والجزء السفلي مدنس (قن حمام/ حوض اغتسال/ بئر بأضلاع داكنة / مرحاض / فيء أخضر/ الظفر التالف/ الالتواء القبيح) كاشفا بذلك عن أسرار المشهد بانعكاسات الضوء وبريقه وألوانه. بيد أن موسى كريدي تجاوز ذلك بسيميائية الضوء الذي أثر في الفواعل السردية بدرجة واحدة حتى لا نجد في قصصه أي بطل على الاطلاق. وإذا كانت قصة “الشفيع” تنتهي بأفق استشرافي متفائل فيه تناجي الامرأة الشفيع ناذرة ابنها المرتقب؛ فإن نهاية قصص كريدي تظل بلا أفق محدد ينبئ بمستقبل ما فهي نصف مضاءة ونصف معتمة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية