القصر أقدم قرى الصحراء المصرية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة-“القدس العربي”: “بسم الله الرحمن الرحيم هذه الدار أضاءت بهجة وتجلت فرحاً للناظرين، كُتب السعد على أبوابها، ادخلوها بسلام آمنين”.

“بسم الله الرحمن الرحيم عز يدوم وسعادة لا تنقضي وبلوغ ما تهوى النفوس وترتضي، وسعادة مقرونة بسلامة”.

هذه بعض من العبارات المنقوشة على أبواب قرية القصر، أقدم قرى صحراء مصر الغربية. والتي رغم هجرة سكانها لم تزل قائمة تحكي تاريخاً لم يستطع الزمن محوه. ورغم نسيان القرية المهجورة لعقود، إلا أن الدولة اعتبرتها مؤخراً ضمن الآثار الإسلامية. حدث ذلك منذ خمس سنوات واستطاعت بذلك الحصول على منحة من اليابان لترميم دروب ودور القرية، ومحاولة إعادة السكان إليها.

هيكل روماني

“ناحية القصر سكن قاضي الواحات والمعاون (المأمور) المعين من قِبل الحكومة، والحكيم (الطبيب). وعلى بعد خمسة أميال منها يوجد هيكل روماني يحمل نقوش القياصرة، وأن ناحية القصر هي أكبر نواحي الداخلة والخارجة وأكثرها أشجاراً وحدائق. وفي تعداد سنه 1897 بلغ سكان القصر 2288 نسمة، وهو أكبر عدد سكان جاء في مدينة الداخلة بأكملها وذلك بدون التوابع، وبإضافة توابعها الأربعة بلغ عدد سكانها 3758 نسمة”. “جغرافية مصر” لمحمد أمين فكري.

اكتسبت القرية أهميتها من حيث كونها نقطة التقاء عدة دروب قديمة كانت بمثابة الطرق الخاصة بالقوافل التجارية وقوافل حجيج المغرب العربي إلى أرض الحجاز. ويلاحظ أن المدينة قد بُنيت فوق أطلال مدينة فرعونية وأخرى رومانية لوجود الكثير من الأحجار المكتوب عليها كتابات باللغة الهيروغليفية والرومانية، هذه الأحجار التي تم الاستعانة بها في بناء بعض واجهات البيوت. وتضاربت الأقوال في سبب تسميتها بالـ “القصر” بداية إلى ما كان بها من منشآت ومبان مرتفعة، إضافة إلى بقايا جدران المعبد الفرعوني، حيث يذكر إن القصر كانت أكثر مناطق الواحات في العصور الفرعونية عمرانا، وكانت المدينة القديمة المعروفة الآن باسم أمهدة، حيث توجد بقايا مدينة قديمة كانت فيها معابد مشيدة بالحجارة حتى أوائل القرن الماضي، وعلى مقربة من الهضبة التي تقوم عليها بقايا تلك المدينة جبانات من عصور مختلفة، أحداها قد ترجع إلى بدايات الدولة الوسطى. كما كانت هناك أيضا بلدة أخرى في موقع قرية القصر الحالية وفيها معبد الإله تحوت، وما زالت موجودة أحجار منه استخدمت في بعض منازل القرية. كذلك قد يكون العرب أطلقوا هذا الاسم على القرية نظراً لوجود بناء متكامل فوق هضبة مرتفعة يحتضنها ويطل عليها الجبل ويحيطها النخيل من كل جانب، كما أنها كانت مقراً للحاكم، أو أنها بُنيت على أنقاض قصر روماني قديم، لا تزال آثاره باقية تحت القرية.

بنيت فوق تل مرتفع

يرجع الباحثون أن تاريخ إنشاء قرية القصر يعود إلى بدايات العصر الأيوبي، حوالي القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، وامتد العمران فيها حتى العصر العثماني. وتقع القرية في الجزء الجنوبي من مصر، الذي يمتد غرب وادي النيل إلى عمق الصحراء الغربية، وتحدها من الشرق محافظات الصعيد، المنيا وأسيوط وسوهاج وقنا، ومن الشمال محافظة مطروح والواحات البحرية، ومن الغرب حدود مصر الدولية مع ليبيا. وقد بُنيت فوق تل مرتفع يبلغ حوالي 20 مترا، بينما الأراضي المحيطة بها عبارة عن تلال وهضاب وكثبان رملية.

تبعد القرية عن القاهرة حوالي 1000 كم، وتمتد على مساحة تصل إلى 10 أفدنة، وهي تبعد نحو 32 كم من مدينة موط، في الواحات الداخلة ويحدها من الشمال تل مرتفع ومن الشرق بئر العين الحامية الجاف، ومن الجنوب مسجد نصر الدين، ومن الغرب مقام الشيخ حمام، وفي طرفه الشمالي ضريح الشيخ أبو بكر.

قبائل وعائلات

قبل مظاهر الهجرة التي طالت القرية وبيوتها التي من الطوب اللبن، والابتعاد عنها وغزو ما يحيطها بالإسمنت، نتيجة سفر العديد من أهل القرية وعودتهم من دول الخليج في سبعينيات القرن الفائت، كانت تقطن القرية أربع قبائل وعائلات هي، قبيلة خلف الله، والتي يعود أصلها إلى محافظة أسيوط في صعيد مصر ووفدوا إلى القصر منذ عام 50 هـ وهم خبراء الزراعة والآبار والعيون. وقبيلة الشهابية الآتية من أسيوط أيضا واستوطنوا الجزء الشرقي من المدينة، وقبيلة أبو بكر التي استوطنت حارة الشهابية وقبيلة الدينارية التي يعود أصلها إلى بني هلال في الحجاز واستوطنوا الجزء الشمالي الشرقي من قرية القصر. وكان أفراد الدينارية يختصون بالتعليم والمواريث بينما كان الشهابية يميلون إلى الفقه والقرآن، ثم جاء بعد ذلك القرشيّة والأشراف واستوطنوا الجزء الجنوبي من المدينة، وقد نزحوا من الأراضي الحجازية، ويرجع نسبهم إلى الإمام علي بن أبي طالب. كما شهدت القرية أيضاً نزوح العديد من المماليك إليها للإقامة بها أو للهروب من الصراعات والمواجهات العسكرية التي كانت تميز ذاك العصر.

إنتاج التمور

يعيش أهالي القصر على زراعة النخيل، الذي يعد أشهر الزراعات في منطقة الوادي الجديد، وتقوم على تلك الزراعة صناعات عديدة، من أشهرها إنتاج التمور. إضافة إلى الصناعات المرتبطة بالنخيل، مثل أثاث البيوت وبعض الأدوات المنزلية من سعف النخيل، كذلك صناعة الخوص من عرجون النخيل، والأكلمة والسجاد اليدوي.

أما الطبيعة فمنحت القرية مناخاً وبيئة طبيعية للاستشفاء، نظراً للعيون الكبريتية والمعدنية، القادرة على شفاء الأمراض الجلدية والروماتيزم وأمراض الجهاز التنفسي. وتعد عين بئر الجبل، من أهم هذه العيون على مستوى العالم، والتي تصل درجة حرارتها إلى 45 مئوية. إضافة إلى عين الدينارية وعين العمدة.

التخطيط الهندسي

جاء تقسيم قرية القصر على غرار تقسيم مدينة الفسطاط، أي إلى دروب وأحياء وحارات، حيث يُغلق كل حارة باب كبير، وللقرية عشر بوابات كانت تغلق على عشر حارات ليلاً خوفاً من غارات القبائل المعادية. وكان لأبواب البيوت عتبات خشبية عليها حفر بالغائر لتاريخ إنشاء المنزل واسم صاحبه وأدعية وآيات قرآن وترحيب بالزوار واسم صانع العتبات أو النجار. كما كان لهذا التقسيم أثره في تشكيل شبكة الطرق من حارة إلى درب وزقاق، فالدرب أو الزقاق الواحد كان يقطنه أبناء عائلة واحدة أو أبناء حرفة واحدة، وعند كل تجمع عائلي في الدرب أقيمت بوابة عند بدايته ونهايته، وهو ما أدى إلى كثرة البوابات في المدينة. ويتراوح اتساع الشوارع في قرية القصر ما بين 3 أمتار حتى نصف المتر. وكانت تُسمى الحارات على اسم المهن، كحارة النجارين والحدادين وصناع الفخار والجزامين والحبانية أي تجار الحبوب.

المحكمة والحوانيت

تتنوع المنشآت المعمارية في القصر، كالمنشآت الدينية المتمثلة في الجوامع والمقابر والمدارس، والمنشآت المدنية متمثلة في المحكمة والحوانيت والمقعد والطاحون ومَعَاصر الزيتون.

تضم القرية نحو 200 بيت، تجاورها بعض المواقع الأثرية، التي كانت تستخدم في العصور السابقة، كالطاحونة ومبنى المحكمة، إضافة إلى العديد من مآذن المساجد الأثرية، أهمها المسجد العتيق، أو مسجد نصر الدين، الذي يوجد ضريحه داخله. هذا المسجد يعود للعصر الأيوبي، ولا تزال مئذنته قائمة حتى اليوم، وهي مبنية من الخشب، وتتكون من ثلاثة طوابق بارتفاع يصل إلى 21 متراً، وتتميز بالأعتاب الخشبية المنقوش عليها آيات من القرآن الكريم. والمئذنة مبينة على شكل مئذنة مسجد الصالح نجم الدين أيوب، في شارع المعز في القاهرة، وكانت بمثابة مئذنة وبرج للمراقبة، يجتلسها حارس. وتضم القرية مساجد أخرى تتركز في الجانب الجنوبي من المدينة، أهمها جامع الحمية القرشية، وجامع وضاح الذي يجاور حارة الجزارين.

كانت قرية القصر عند نشأتها تضم أربعة مقاعد تخص العائلات الرئيسية، غير أنه لم يبق منها في الوقت الحاضر سوى مقعد رئيسي واحد لعائلة القرشية، وهناك ثلاثة مقاعد أخرى تخص بطون تفرعت من إحدى العائلات الرئيسية وهي مقعد الجزارين ومقعد الأشراف ومقعد أبو حمام. ويتكون المقعد من قاعة أو قاعتين، تحوي من الداخل ثلاث مصاطب للجلوس عليها في المناسبات الاجتماعية.

يغلب على منازل القرية وجود مدخلين، أحدهما كبير يفتح على ممر وتعلوه عتبة خشبية، عليها عبارات تتضمن البسملة ثم الترحاب بالقادمين، واسم صاحب الدار وتاريخ إنشائها. والمدخل الثاني خاص بأهل الدار وخاصة النساء، ويتميز بصغر حجمه ويفتح في الغالب على طريق جانبي أو درب متفرع من الحارة. ومعظم نوافذ الطابق الأرضي صغيرة الحجم وتقع أسفل سقف المنزل مباشرة. أما واجهات الطوابق العليا فتتميز بقلة عدد النوافذ خصوصاً في الدور المتقابلة، وإن وجدت فكان يراعى ألا تكون متقابلة في معظم الأحيان، إضافة إلى أن معظمها تمت تغشيته بتشكيلات هندسية من اللبن فيها فراغات تؤدي إلى دخول الهواء والضوء.

وهناك أيضا دار لإقامة المناسبات المختلفة في القرية، إضافة إلى 53 عتبة خشبية في مدخل كل منزل، ومحفور عليها بالحفر البارز على الخشب اسم صاحب الدار، وتاريخ إنشاء المنزل واسم المعلم أو الصانع الذي صنع هذه العتبة. ويذكر أن عائلة علام النجار كانت أشهر العائلات في صناعة العتبات، وأقدم عتبة في القرية يرجع تاريخها إلى عام 914 هجرية، وصنعها المعلم لطف الله.

كما تضم القرية في داخلها مقبرة تسمى المزوّقة، وهي واحدة من 600 مقبرة أثرية رومانية لحكام الرومان الذين وصلوا إلى هذه المنطقة وحفروا قبورهم في صخور جبال المنطقة. وتبعد 5 كم عن قرية القصر، وقد اكتشفها عالم الآثار المصري أحمد فخري، وأطلق عليها اسم المزوّقة لألوانها الزاهية. وقد كشفت حفائر المجلس الأعلى للآثار عن سور ضخم يمتد أسفل منازل القصر الإسلامية لمسفات كبيرة تصل إلى أكثر من 50 مترا في الجانب الشمالي الشرقي، السور يمثل بقايا حصن قديم يعود تاريخه إلى العصر البيزنطي وهو يعد أضخم حصون الواحات على الإطلاق.

المدرسة والمحكمة

تم إنشاء المدرسة القرآنية أو مدرسة العلوم الشرعية في عهد المماليك، وحوّلها الأتراك بعد ذلك إلى محكمة وسجن، وظلت على حالها حتى تم ضمها للمعالم الأثرية الإسلامية. ويتكون المبنى من طابقين وإيوان كبير وعدد من الغرف المنظمة والمبنية بالطوب اللبن، وبه عدة زخارف قديمة ذات تشكيل معماري على الطراز المملوكي والعثماني. كما تم وضع أختام تأسيسية على عدد من الأعتاب الخشبية من أشجار السنط على الأبواب، والتي ترصد تاريخ الإنشاء واسم المشرف على العمل، ومع مرور الزمن تحولت تدريجيا تلك الغرف والمداخل لمبنى قضائي، وتم استخدام الفصول الدراسية كغرف حجز للمتهمين سواء من الرجال أو النساء لحين الفصل في القضايا، وبعد ذلك تحوّل المبنى إلى منزل لحاكم المدينة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية