باستثناء الحالة الشاذة لإضراب المعلمين في الأردن، في أيلول الماضي، والذي ركز على الموضوع المحدد نسبياً المتمثل بالأجر المتدني، فإن مظاهرات الاحتجاج التي تهز الشرق الأوسط في الأشهر الأخيرة حددت أهدافها إلى ما هو أبعد بكثير من عملية تشريع وحيد كهذا أو ذاك.
فالاحتجاجات تتميز بـ”المعارضة للنظام”، ولا تكتفي بطلب الإطاحة بالنخبة الحاكمة، بل تطالب بتفكيك تام لمباني الحكم والمنظومات الاقتصادية التي غذت النخب. حتى في الحالات التي كان فيها ما أطلق العنان للمظاهرات هو حدث سياسي وحيد، مثل قرار رئيس الجزائر عبد العزيز بوتفليقة العودة للتنافس في الانتخابات في شهر شباط، وإقالة قائد وحدة مكافحة الإرهاب المحبوب في العراق في أيلول، والقرار بفرض ضريبة على مكالمات تطبيق “واتساب” في لبنان في تشرين الأول، أو رفع أسعار الوقود في إيران.. فإن الدافع الأولي سرعان ما فقد أهميته (وفي بعض الحالات تم التراجع بسرعة عن الخطوة) حتى ارتدت الاحتجاجات طابع حركات واسعة النطاق تطالب بتغيير شامل.
يعود الإحساس العميق بالإحباط الذي يحرك المتظاهرين في أصله إلى الأزمات الأساسية في المنطقة التي تسود فيها معدلات بطاقة عالية وفساد وإخفاقات في تقديم الخدمات الحكومية، واعتماد زائد على مصادر الطاقة أو على المساعدات الخارجية وكذا التسييس السام للهوية.
يبدو أن أجزاء معينة فقط في هذه المجتمعات بقيت محصنة من آثار المشاكل البنيوية، وأن المظاهرات الحالية تشكل مصدر جذب لتنوع واسع من المواطنين. وعليه، فثمة صعوبة في وصف الخطوات التي في الجزائر منذ شباط، وفي القاهرة في أيلول، ومؤخراً في بغداد وبيروت، وكأنها تعود لطبقة اجتماعية معينة، مجموعة عمرية معينة أو حتى لهذه الطائفة الدينية أو تلك. إضافة إلى ذلك، انضم إلى المتظاهرين في مدن العاصمة مؤيدون من مراكز مدينية أخرى.
فضلاً عن ذلك، فإن حركات الاحتجاج الجزائرية والعراقية واللبنانية تعالت على الخلافات التي تميز السكان في دولها واتخذت طابعاً وطنياً عاماً لتخلق هوية مشتركة. في المنطقة البربرية في الجزائر، وبقدر لا يقل عن ذلك في المدن والقرى العربية، كانت الدعوة المشتركة “لا بربر، لا عرب، لا عرق، لا دين! كلنا جزائريون!”.
أبرز سماتها الدعوة إلى تحسين الحياة اليومية ونبذ الطائفية والإفادة من الاضطرابات العالمية
في العراق وكذا في لبنان، صممت المنظومات السياسية والقضائية لتخفيف حدة الآثار السلبية للانقسام الطائفي الذي أتاح على مدى العقود وجود حكم أقلية طاغية في العراق، وأدى إلى حرب أهلية استمرت خمس عشرة سنة في لبنان. أما في الوقت الحالي، فرسالة المتظاهرين هي أن هذه التسويات استنفدت وحان الوقت لوضع حد للانقسام الطائفي المغروس في المنظومات السياسية في بلدانهم، بل وفي ظل اتهام زعماء طوائفهم بتعظيم التوترات التي يفترض بهذه المنظومات أن تقلصها.
ماذا بين 2011 و2019؟
كان مغرياً تفسير موجة الاحتجاج الحالية كـ”جولة ثانية” من الانتفاضات التي نشبت في العام 2011، ولكن المقارنة بين الحالتين تشهد على الاختلاف بينهما أكثر مما تشهد على البث المعاد. وذلك لأن الجمهور المحتج أو الأنظمة الباقية استنتجوا الدروس على مدى السنوات التي مرت منذ 2011.
مثلما في موجة 2011 بقيت حركات الاحتجاج الحالية بالغالب عديمة القيادة، وفي معظم الحالات يعبر المواطنون الكثيرون الذين خرجوا إلى الشوارع بالأساس عن خطاب يعارض الوضع القائم، بدلاً من رسم رؤيا إيجابية أو خطة محددة تؤدي إلى التغيير. والإصرار على الحفاظ على خطاب رفض القائم يعود في أصله، أغلب الظن، إلى التقدير بأن المتظاهرون في العام 2011 سارعوا إلى الموافقة على الحلول الوسط التي اقترحها زعماؤهم. ومع ذلك، فإن غياب القيادات في هذه الحركات، والتي كان يمكن لها أن تصيغ خريطة طريق واضحة للخروج من المأزق، من شأنه في نهاية المطاف أن يكون في طالح الاحتجاج. وهكذا، بخلاف أحداث 2011، تكاد لا تنطلق دعوات للديمقراطية في مظاهرات الاحتجاج الحالية، لتكون مثابة انعكاس للصحوة من خيبات أمل العام 2011 بالنسبة لأهداف الاحتجاج.
وباستثناء حالة تونس، فإن الاضطرابات التي وقعت قبل تسع سنوات لم تؤد إلى تحول ليبرالي سياسي مهم في المنطقة، والتركيز الحالي على ظواهر الفساد والإخفاقات في تقديم الخدمات يلمح بأن المتظاهرين يفضلون تحسين شروط حياتهم اليومية على تحقيق أهداف أيديولوجية أوسع. وللمفارقة، فإن غياب الذكر العلني للديمقراطية سواء في لبنان أم في العراق، كفيل بأن يفسر بفرضية أن هذه الدول سبق أن شهدت عملية تحول ديمقراطي (وإن كانت عليلة)، بحيث أن المشكلة هي التطبيق المشوه للفكرة، إلى جانب عدم قدرة الحكومات المنتخبة على الحرص على مصالح مواطنيها.
اختلاف آخر عن مظاهرات 2011 هو التعابير المضادة لإيران التي تميز الاحتجاجات الحالية. فالنبرة الوطنية والمناهضة للطائفية للمظاهرات في العراق ولبنان تطرح اختباراً لإيران، إذ إن النفوذ المتعاظم للجمهورية الإسلامية في هذه الدول -سواء من خلال الميليشيات الشيعية واللاعبين المشاركين في السياسة في العراق، أم من خلال حزب الله في لبنان– يعتبره المتظاهرون هجوماً على مصالحهم الوطنية.
إضافة إلى ذلك، فإن زعماء إيران أنفسهم يواجهون هذه الأيام تحدياً هاماً في الداخل، حي يخرج المواطنون المحبطون إلى الشوارع للاحتجاج على ارتفاع بمعدل 50 في المئة على أسعار الوقود. وقد اتخذت هذه الخطوة على خلفية أزمة اقتصادية متفاقمة وغياب التقدم في المفاوضات مع الغرب في موضوع البرنامج النووي الإيراني. لقد شهدت الجمهورية الإسلامية عدة انفجارات من الاضطرابات منذ 2009 ولكن الأجواء المضادة للنظام التي نشأت في المظاهرات الحالية –مثلما يتضح من هجمات المتظاهرين على ميليشيا الباسيج والبنى التحتية للحرس الثوري، وكذا الدعوات في الشارع للمواطنين “لاستعادة” دولتهم من طبقة الزعماء السياسيين الحاكمة- هي مميزة مقارنة بالجولات السابقة.
إضافة إلى ذلك، يتضح اختلاف في ردود فعل الأنظمة على موجات الاحتجاج. فذكريات أحداث 2011 مخطوطة جيداً في ذاكرتهم، وتبعث على الخوف على مجرد وجودهم. ردود فعل الزعماء على موجة الاحتجاجات الحالية تتراوح بين العمل السريع على الإصلاحات، بهدف مصالحة المتظاهرين، وبين استخدام التكتيك المعروف أكثر المتعلق بالقمع، سواء كان عنيفاً في ظل استخدام أجهزة الأمن أم عن طريق اتخاذ خطوات استبدادية أكثر اعتدالاً مثل إغلاق الشبكات الاجتماعية.
وباستثناء مصر، حيث نجح نظام عبد الفتاح السياسي في قمع الاضطرابات من خلال العنف وتعطيل الإنترنت وإيران، حيث يبدو أن القبضة الحديدية التي اتخذها النظام تجاه المتظاهرين آخذة في إضعاف لهيب الاحتجاجات، فلم يظهر في أي من باقي الدول التي تطور فيها الاحتجاج أن أقنعت هذه التكتيكات المتظاهرين بالعودة إلى بيوتهم. في الجزائر والسودان ولبنان والعراق اضطر رؤساء الدول بشكل لا مفر منه إلى الاستقالة من مناصبهم.
لماذا الآن؟
فضلاً عن الأحداث التي أطلقت العنان للاضطرابات، يجب أن نأخذ بالحسبان التطورات الإقليمية بل والدولية في الوقت الحالي، في محاولة لتفسير توقيتها. فالهزة التي نشأت في أعقاب الربيع العربي، ولا سيما صعود “داعش”، هددت الوحدة الإقليمية لدول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وأدت بالباحثين إلى الافتراض بأن الحدود في المنطقة قد يعاد ترسيمها هذا إذا لم تمحَ تماماً.
ومع ذلك، فإنه حتى الدول التي شهدت هزة عميقة على نحو خاص- اليمن، سوريا، ليبيا والعراق- نجت، وتقاليد الدولة العامة التي كانت منذ أكثر من قرن أثبتت بأنها منيعة أكثر مما توقع كثيرون. في السنتين الأخيرتين، فإن هزيمة “داعش” وتقلص حجم القتال في سوريا أعادا الهدوء النسبي إلى الهلال الخصيب، وهذا الهدوء أتاح للسكان العودة والتركيز على التدهور الاقتصادي والاجتماعي وعلى وضعهم الفوري.
والدليل، بينما أشارت الاستطلاعات التي أجريت في العام 2016 إلى “صعود “داعش” و”الإرهاب” بأنهما مصدر القلق الأساس لشباب المنطقة، فإن “استطلاع الشباب العربي” الأخير لعامي 2018 – 2019 أشار إلى أن هذه الأولويات استبدلت بـ”الارتفاع في غلاء المعيشة” و”البطالة”.
وتوجيه النظرة “إلى الداخل” هو في أساس المطالب الوطنية التي تجتاز الخطوط العرقية والطائفية، والتي تغذي المظاهرات الحالية المعبرة عن التطلع للحفاظ على سيادة الدولة وتعزيزها. الجزائر والسودان خرجتا نسبياً بلا ضرر من أحداث 2011، لأن نظاميهما اللذين اعتمدا أساساً على مداخيل النفط وزعا امتيازات كبيرة، وهكذا نجحا في منع الاضطراب في الساحة العامة.
وأخيراً، ثمة سياق دولي لتوقيت الاحتجاجات الحالية، إذ إنها تجري على خلفية الارتفاع العالمي في الاحتجاجات، من حركة “السترات الصفراء” في فرنسا التي بدأت في تشرين الأول 2018، عبر الاحتجاجات التي انتشرت في هونغ كونغ ابتداء من حزيران هذه السنة وحتى مظاهرات الاحتجاج ضد الحكومة التي هزت تشيلي وبوليفيا في تشرين الثاني.
إن الانتفاضات التي نشهدها في هذا الوقت في الشرق الأوسط تنضم بالتالي إلى الاضطراب العالمي الذي يعبر عن عدم الرضا والاستياء جراء عدم المساواة، والفساد، والحرمان من حقوق المواطن وإحساس شديد بأن النخب السياسية أصبحت منقطعة أكثر فأكثر عن السكان الذين تدعي بأنها جاءت لتخدمهم.
باستثناء موجة الاحتجاجات العاصفة في هونغ كونغ، فإن معظم حركات الاحتجاج في العالم لم تخرج حتى الآن بدعوة واضحة لإحلال الديمقراطية. يحتمل أن “العلامة التجارية” الديمقراطية في انخفاض، والجماهير تعبر عن خيبة أملها وإحباطها في ضوء مواضع خلل طريقة الحكم هذه، ولا سيما في السياق الاقتصادي. ورغم أن الخروج للتظاهر غير عنيف في محاولة لإحداث التغيير السياسي فثمة ارتفاع دائم بأرجاء العالم منذ 1940، في معدل نجاح الاحتجاجات الجماهيرية الذي انخفض بقدر دراماتيكي منذ العام 2010، ما يدل على تحد لا بأس به تقف أمامه موجة الانتفاضات الحالية التي تجري في أرجاء الشرق الأوسط.
بقلم: ساره فوير وكرنيت فلنسي
نظرة عليا 1/12/2019