العملية التي بدأت في الوسط العربي لإعادة السلاح بشكل تطوعي مقابل عدم التجريم لم تنته بعد. ولكن من الآن يظهر فشلها: عدد محدود من قطع السلاح تم تسليمها. ورافق الأمر تبادل اتهامات بين وزارة الأمن الداخلي وقيادة المجتمع العربي في إسرائيل. ولكن يبدو أن الحقيقة العميقة تغيب عن الجميع وهي أن هذا الفشل كان معروفاً مسبقاً.
سبب ذلك بسيط؛ كثير من المواطنين العرب العاديين يتسلحون بالسلاح بسبب الشعور العميق بعدم الأمن. في الحقيقة، الحياة في البلدات العربية يمكن أن تتحول كل حادثة هامشية بكل لحظة فيها إلى حادثة عنيفة وربما قاتلة. وأشخاص كثيرون يشعرون بأن تم تركهم لمصيرهم، وإذا لم يدافعوا عن أنفسهم وعائلاتهم فلا أحد غيرهم يفعل ذلك، لا سيما الدولة. وطالما فقد الشعور بالأمن فلن يتنازل معظم المواطنين العرب عن السلاح الذي بحوزتهم.
كيف يمكن خلق الشعور بالأمن؟ أولاً، على الدولة الاهتمام بشرطة تتعامل بصورة جيدة، تكون ناجعة وعقلانية. وهذا يعني وجود دائم لها في البلدات العربية، واعتبار رجال الشرطة لوظيفتهم خادمين للجمهور، حيث جزء مهم من دورهم هو منع الجريمة وحل المشكلات حتى قبل حدوثها؛ وزمن استجابة قصير على الأحداث، والتدخل عند الحاجة لوقف العنف في مهده، بالضبط مثلما هو الأمر في البلدات العبرية: عدم محاولة تحويل المجرمين إلى عملاء أمنيين طوال الوقت، وتقديم خدمات اجتماعية متساوية، وعدم التعامل مع المواطنين العرب الذين يجب عليهم حمايتهم وكأنهم تهديد أمني.
ثانياً، يجب معالجة المسببات العميقة للعنف. وهذا الأمر يشمل استئصال الفقر الذي يتفشى في الوسط العربي، وهو عامل معروف مسبب للجريمة؛ وتحسين جهاز التعليم والثقافة كمدخل لاندماج أفضل في سوق العمل؛ وإنشاء وتشغيل مراكز للشبيبة ومنشآت رياضية وترفيهية؛ ويجب عرض بديل على جيل النرجيلة؛ وزيادة عرض الأراضي وتخفيف الضائقة السكنية التي تتسبب الآن بتوتر شديد في البلدات العربية وتطوير أدوات مالية تزيد القدرة على الوصول إلى المال والاعتماد المالي وتمنع الحاجة إلى أخذ القروض من السوق الرمادية، التي هي أيضاً من أحد عوامل العنف.
ثالثاً، تشديد النضال ضد منظمات الجريمة والمجرمين من خلال إنفاذ شديد للقانون وتشديد العقوبات. هذه العناصر الإجرامية لا تتوق إلى الشعور بالأمن (بل العكس، هم يزدهرون في الفوضى الاجتماعية)، ولن يتنازلوا في أي يوم عن السلاح بإرادتهم. من هنا، فإن ضبط السلاح الموجود لديهم يحتاج إلى عمل تصممه الشرطة. وهناك حاجة إلى عملية قوية، ولكن يجب الامتناع عن استخدام جنود حرس الحدود الذين يعملون بالأساس في معالجة التهديدات الأمنية ويتسببون بضرر آخر في الشعور بالأمن في أوساط العرب. أيضاً الشرطة “الزرقاء” لها قدرة كاملة على تطبيق القانون. هذه الأعمال “غير لطيفة” بالنسبة للمجرمين ولعائلاتهم، وأحياناً لجيرانهم. ولكن حتى الآن يجب على الوسط العربي أن يؤيد هذه الأعمال والمساعدة عليها، فهي في جوهرها تميز بين الأغلبية المطلقة التي تحترم القانون والأقلية الإجرامية التي تضر بالأغلبية.
هناك دور مهم آخر لقادة الجمهور العربي، وهو إظهار المقاومة بشكل صريح للعنف، وبشكل خاص يجب على كل القيادة أن تدين العنف بشدة في المسائل التي للمجتمع العربي سيطرة عليها، مثل عمليات الثأر وقتل النساء وبشكل عام العنف في العائلة. المزيد من القادة (خاصة القائدات من بينهم) عليهم استجماع الشجاعة ومعارضة هذه الظواهر علناً. ولكن الحديث حتى الآن لا يدور عن الجميع. هذه الخطوات حيوية من أجل خلق الشعور بالأمن، الذي هو كما شرط ضروري لخفض كمية السلاح الموجودة في الشوارع. مع ذلك، من المهم الآن مواصلة وسائل جمع السلاح الطوعي مقابل عدم التقديم للمحاكمة؛ يجب عدم الانتظار إلى حين تنفيذ جميع الخطوات الأخرى التي ذكرت هنا. علينا أن نكون واقعيين بخصوص نتائج هذه الخطوات: خلال الأسبوع الأول للعملية الحالية تم تسليم 9 قطع من السلاح، مقابل قطعة واحدة فقط سُلمت في العملية الأولى التي جرت قبل سنة تقريباً. لا يدور الحديث عن كمية كبيرة، لكننا بالتأكيد نوافق على أنه إذا استمرت هذه العملية بصورة منظمة ومن خلال تعاون البلديات والمجتمع فسينشأ هناك زخم إيجابي وثقة. وسيبدأ هذا بالتنقيط، وسيتحول في نهاية الأمر إلى تيار. وكل ذلك بالطبع شريطة أن يتم اتخاذ الخطوات التي تم ذكرها هنا، وهكذا سيتحسن الشعور بالأمن في أوساط السكان.
إن الانشغال الزائد بمسألة من المذنب في العنف والجريمة في الوسط العربي بشكل عام، بما في ذلك “الفشل” المناوب لعملية تسليم السلاح، يجب استبداله بعملية مدمجة تشمل كل الوزارات والسلطات في إسرائيل من خلال تعاون حقيقي للمجتمع العربي، سواء في التخطيط أو التنفيذ. من الواضح ما المطلوب، ويجب أن تكون هناك إرادة.
بقلم: امنون باري سولتسيانو وثابت أبو راس
هآرتس 4/12/2019