عمان: عُلم، الثلاثاء، أن فكتوريا كوتس، نائبة مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، استضافت سفراء المغرب والبحرين والإمارات وسلطنة عُمان في البيت الأبيض. وطلبت كوتس منهم موقفاً من إمكانية أن توقع دولهم على اتفاقات عدم قتال مع إسرائيل.
ومن خلال النبأ عن اللقاء نتعرف على أن إدارة ترامب تتبنى مبادرة إسرائيل لعقد مثل هذه الاتفاقات، التي هي أقل من اتفاقات سلام، ولكنها تعمل عملياً على تطبيق العلاقات بيننا وبينهم، وذلك كجزء من سياسة بعيدة المدى لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لقلب الترتيب السياسي.
حتى الآن، اتفق الجميع على أنه يتعين على إسرائيل أولاً أن تتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين وبعد ذلك تتمكن من تحقيق تطبيع العلاقات مع الدول العربية. وقد منح هذا الفهم منظمة التحرير الفلسطينية حق الفيتو على السلام الإقليمي.
من خلال بناء علاقات مستقرة مع دول المنطقة، على أساس المصالح المشتركة، يعمل نتنياهو منذ سنين على إلغاء فيتو منظمة التحرير وانعقاد لقاء كوتس في البيت الأبيض هو مؤشر إلى نجاح خطواته.
شرح نتنياهو، في الكلمة التي ألقاها في الكنيست بمناسبة 25 سنة على اتفاق السلام مع الأردن، أن أساس السلام بين إسرائيل والأردن ومصر هو قوة الردع الإسرائيلية. وعلى حد قوله فإنه “كلما كنا أقوى كانوا معنا، وكلما كنا أضعف فإن اتفاقات السلام هي الأخرى ستتهاوى”. وكيف هو السلام معهم؟ بالفعل السلام مع مصر في وضع جيد جداً حالياً. في السنوات الأخيرة، ساعد الرئيس عبد الفتاح السيسي على تطوير علاقاتنا مع دول الخليج.
أما بالنسبة للأردن، فالوضع معاكس، فعندما نقارن السلام العملي السائد بيننا وبين الدول السنية بوضع علاقاتنا مع الأردن، يثور السؤال ماذا يساوي هذا السلام؟ حسناً، عندنا حدود سلام طويلة وهادئة تسمح لنا بالإبقاء على جيش إسرائيلي صغير نسبياً. ولكن الأردن حافظ على الحدود حتى قبل السلام. وكم يمكن الاعتماد على أن هذه الحدود ستبقى محفوظة على مدى الزمن؟ في الزمن الأخير أخذ وضع العلاقات بالتفاقم من أسبوع لأسبوع.
خذوا مثلاً الأسابيع الثلاثة الأخيرة. قبل أسبوع، نفذ الجيش الأردني مناورة أركان تشبه حرباً مع إسرائيل. وشاركت في المناورة قوات متفوقة من الحرس الملكي التابعة للقيادة المركزية في الجيش الأردني، بمرافقة دبابات، وطائرات قتالية ومروحيات. وحسب تقرير وكالة الأنباء الرسمية الأردنية “البتراء” كانت المناورة تشبه معركة دفاع لصد غزو من “الغرب” في ظل تدمير جسور العبور. بكلمات أخرى، كانت المناورة تشبه صداً لهجوم إسرائيلي.
أشرف الملك عبد الله على المناورة عن كثب، ووقف إلى جانبه رئيس الوزراء عمر الرزاز ووزراء وملحقون عسكريون من دول غير منحازة. تجدر الإشارة إلى أن إجراء المناورة، فما بالك سيرها بشكل علني هكذا، كانت ظاهراً خرقاً جوهرياً لاتفاق السلام الذي يمنع النشاط العسكري المعادي.
قبل أسبوعين، في كلمة ألقاها الملك عبد الله في نيويورك أمام جمهور من اليهود الأمريكيين ادعى بأن علاقات الأردن – إسرائيل تدهورت إلى “أدنى نقطة في التاريخ”، واتهم إسرائيل بالمسؤولية عن ذلك.
قبل ثلاثة أسابيع أجرى عبد الله وابنه صلوات في جيبي الباقورة والغمر للاحتفال بتسليمهما إلى الأردن من أيدي إسرائيل. وذلك بعد أن رفض الملك بخلاف روح اتفاق السلام تجديد اتفاق التأجير للجيبين لفترة أخرى من 25 سنة.
وهذا الأسبوع بدأت محاكمة المواطن الإسرائيلي قسطنطين كتوف في محكمة الأمن الأردنية. وكان كتوف اعتقل في نهاية تشرين الأول بعد أن اجتاز الحدود بشكل غير قانوني. وتوقعت إسرائيل أن يعاد إليها الشهر الماضي بالتوازي مع تحرير مخربين أردنيين كانا معتقلين في إسرائيل. هذا لم يحصل.
بالتوازي مع كل الخطوات الأردنية المعادية، كما أفادت التقارير، أبرمت إسرائيل والأردن اتفاقاً جديداً لتوريد المياه للمملكة. في اتفاق السلام، تعهدت إسرائيل بأن تسلم الأردن 50 مليون متر مكعب من المياه في السنة. وضوعفت الكمية إلى 100 مليون متر مكعب في 2016. وأبقيت تفاصيل الاتفاق الأخير في السر. ولكن التقدير هو أن إسرائيل وافقت على أن تزيد كمية المياه المحولة إلى الأردن من منشآت التحلية وعبر بحيرة طبريا.
تفسير سلوك إسرائيل واضح؛ فإسرائيل معنية بالحفاظ على السلام مع الأردن، فالسلام معه يمر عبر حفظ الأسرة المالكة الهاشمية، التي توجد بذاتها تحت تهديد دائم من الشارع الأردني. وفي السنة الماضية شارك مئات آلاف الأردنيين في المظاهرات ضد نظام الملك عقب الوضع الاقتصادي المتردي للمملكة. واضطر الملك إلى إقالة رئيس وزرائه كي يهدئ روع جمهور المحتجين الذي ضم لأول مرة عشائر بدوية تشكل العمود الفقري للنظام.
صحيح أن سبب سلوك تل أبيب تجاه عمان المعادية واضح، ولكن حان الوقت للفحص إذا كانت حاجة حقيقية لدفع الثمن المتزايد الذي يجبيه هذا السلوك من الدولة.
ليس للأردن الكثير من الخيارات تجاه إسرائيل، فلا يمكنه أن يستخدم روافع ضغط اقتصادية ضدنا، كما أن قدرته على المس بنا سياسياً محدودة في عهد الرئيس ترامب. وعليه، فإنه عندما يهددنا، يتوجه دوماً لسلاح يوم الدين.. إلغاء اتفاق السلام.
بخلاف الأردن، لدى إسرائيل غير قليل من روافع الضغط، والدليل على ذلك رأيناه هذا الأسبوع. يوم الثلاثاء، رفضت قوات أردنية في معبر الحدود مع العقبة السماح لوفد من نواب رؤساء البلديات الإسرائيلية الدخول إلى الأردن في رحلة يومية إلى البتراء. وذلك لأن بعض الإسرائيليين كانوا يرتدون ملابس دينية.
مع صدور نبأ الحادثة الخطيرة، أبلغ وزير الداخلية آريه درعي الأردن بأنه كخطوة عقابية يوشك على إلغاء تأشيرات عمل مواطني الأردن في إسرائيل، بما في ذلك بإيلات. وفي رد سريع ألغى الأردنيون الحظر الذي فرضوه على دخول الإسرائيليين بقبعاتهم ورموزهم الدينية.
إسرائيل عملياً ضامنة لبقاء الاقتصاد الأردني، ومن المجدي لها أن تعترف بالخيارات التي تمنحها لها مكانتها. فمثلاً لا تحتاج إسرائيل لأن تلغي توريد المياه إلى الأردن. يمكنها ببساطة أن تعلن عن مراجعة لكميات المياه التي يمكنها أن توردها إلى الأردن فوق الخمسين مليون متر مكعب التي اتفق عليها في اتفاق السلام.
بالمناسبة، في ضوء تحسن علاقات إسرائيل مع السعودية المعادية للفلسطينيين، وبرودة علاقاتها مع عمان المؤيدة للفلسطينيين في كل استفزازاتهم ضد إسرائيل، يمكن لإسرائيل أن تعلن أيضاً عن مراجعة للترتيبات في الحرم. إضافة إلى ذلك، يجدر بوزارة الدفاع في ضوء التحولات الاستراتيجية الإقليمية، أن تفحص إمكانيات زيادة حجم قوات الجيش الإسرائيلي. كان ينبغي لمثل هذا الفحص أن يجري منذ زمن بعيد. يمكن عمله الآن، في ضوء المناورة المعادية للجيش الأردني.
لكل الآراء، السلام مع الأردن وبقاء الأسرة المالكة الهاشمية هما مصلحة استراتيجية لإسرائيل. ومع ذلك نتنياهو محق. سلامنا مع جيراننا يقوم أولًا وقبل كل شيء على قوة ردعنا. من شدة القلق على الملك، يبدو أننا نسينا أنه هو أيضاً ينبغي ردعه. حان الوقت لإصلاح الوضع.
بقلم: كارولين غليك
إسرائيل اليوم 6/12/2019