الانتفاضات الشعبية :التداعيات والأصداء

تسود مشهدنا السياسي اليوم ظاهرة مؤسفة تتمثل في اتصاف الشعور العربي بالانغلاق والقطرية إسرافا في التقوقع على الذات وإفراطا في النأي عن قضايا المصير الواحد. وهو أمر لم تعتده العرب في سالف مراحلها التي خلت، وفي تاريخنا المعاصر أمثلة لا تحصى لمواقف مشرفة وقف فيها العربي مع شقيقه العربي مؤازرا ومدافعا مؤيدا وناصرا، حتى إذا تعرض بلد عربي إلى محنة ما من حرب أو عدوان أو غزو أو احتلال كانت جموع الجماهير العربية الغفيرة في البلدان الأخرى تخرج إلى الشوارع هاتفة صادحة رافعة شعارات التضامن، مجسدة ومشعرة الحكام والخصوم البعيدين والقريبين بوحدة المصير، مرفرفة بأعلام ذلك البلد الذي يتعرض للمحنة كما حصل في نكبة 1948 والعدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وحرب 1973 أو مع حركة التحرير الوطني في الجزائر وعند استقلالها أو مع العراق في ثوراته وانتفاضاته من الأربعينيات إلى السبعينيات إلى درجة أن بعض البلدان العربية قدمت الدعم المادي والمعنوي من قبيل إرسال المتطوعين وتقديم المؤن أو بتسمية المدن والشوارع  بأسماء تلك الثورات. ولا خلاف ما لتلك المواقف من آثار مهمة يستشعرها أعداء العرب قبل العرب أنفسهم.

هذه الروح الوثابة والمواقف المشرفة ما عدنا نلمسها اليوم وما عادت العرب أفرادا وجماعات تسارع في إعلان دعمها والتسابق في إظهار هذا الدعم توكيدا لعمق الروح العربية المتكاتفة معها. أفلأن العربي صار يعتقد أن ما يضر شقيقه لن يضره وأن الذي ينفع أخاه لن ينفعه؟ أم لأن الشعور العربي لم يعد واحدا فقد تفتت وتجزأ وقرئ عليه السلام؟ أم أن الهوية القومية العربية قد تهرأت وتلونت وتشظت وهو أهم مطمح عند اعدائنا التاريخيين؟ أم أن لا حاجة لتوكيد وحدوية المصير التي عفا عليها الزمن ولفظتها الظروف بأجندات مفروغ من أمرها؟ فتوارى ذلك الجيل النهضوي التطلعي الذي أنجبته الحرب العالمية الثانية وانزوت الأجيال التي تلته مع انتهاء القرن العشرين فصرنا مع مطلع القرن الحادي والعشرين إزاء جيل جديد يتبرم من نفسه قبل أن يتبرم من أشقائه العرب.

هكذا تلاشى الشعور بوحدة المصير العربي، كيف لا والمشروع التوسعي الاستعماري قد حقق أهدافه وآتت المعاهدات الجائرة المختلفة أكلها، فزحف المشروع الصهيوني إلى داخل العواصم العربية راكزا راياته في قلبها فتفرق العرب وصار كل واحد منهم يغني على ليلاه، وما عاد بريق أمل يوحي باستعادة اللحمة العربية من جديد، بعد أن غدا العربي مرآة الآخر الغربي إذ كيفما يقف الغربي من الأحداث يقف العربي مثله مثل أي تابع منجر عولميا إليه وقد ذابت ذاته في العالم، فلا هي تسفر في الصبح ولا تقبل في المساء.

أن الذي علينا فعله كعرب أن نحرر أنفسنا مما سماه بورديو السيطرة الرمزية التي تفرض نفسها على الأشياء والأجساد والأفكار، سيطرة تجعل الفرد يلتحم بالعالم حتى كأنه ليس ملك نفسه. وما من سبيل للتحرر من هذه السيطرة إلا بالتعبئة السياسية التي أساسها فعل نقدي ثوري تأملي.

وما الشعار المرفوع في أغلب عواصم الانتفاض والاحتجاج (إسقاط النظام) إلا نوع من التحرر من نظام رمزي لا يؤثر إلا بما صنع لنفسه من قوة، سيتمكن الجمهور من تطوير استراتيجيات المقاومة لديه وهو ينخرط متصارعا مع هذا النظام بالوعي والنظر العقلاني وباستعدادات فكرية وجسدية تنتج مواقف حرة وأصيلة من غير تعسف أو إكراه، وبالشكل الذي يجعل الأغلبية هي المؤثرة وقد رفعت رأسها وأعلت صوتها غير مستسلمة ولا صامتة وعندها لن نعود إلى الوراء وسيصبح الدفاع عن حقوق الشعب هو الدفاع عن كرامة وطن وحريته.

وها هي النوائب تضرب لبنان والعراق، والخطوب تترى على فلسطين وتونس، والأرزاء تعصف بالجزائر والعرب ساكنون سادرون يقيمون ويظعنون.

وبات العربي اليوم ينظر للاحتجاجات الغاضبة والانتفاضات الشعبية الهادرة والمظاهرات السلمية المشروعة على أنها أحداث معتادة مثل أي أحداث تجري في بلدان العالم الأخرى، متحاشيا التدخل فيها وكأن أمرها لا يعنيه من قريب ولا من بعيد، على أساس أنها خارج إطار اهتماماته وليست من ضمن أولويات حساباته فلا ينبغي أن يصرف لها وقته وجهده.

وهذه الجزائر تشهد حراكا شعبيا عارما منذ أكثر من خمسة أشهر وما من بلد مشرقي أو مغربي خرج إلى الشوارع مساندا هذا الحراك شاجبا ومنددا عدم الاستجابة للجماهير الجزائرية، رافعا الأعلام وخاطا الشعارات داعيا إلى التلبية وعدم التجاهل او مقدما بيانات الاحتجاج إلى الحكام عبر السفارات والممثليات.

وفي العراق الذي انتفضت أغلب مدنه الكبرى منذ أكثر من أربعين يوما وهي تحتج على الساسة الذين خربوا البلاد وأضروا بالعباد وما من بلد عربي تحرك شعبه مساندا العراقيين في ثورتهم.

وفي لبنان أيضا خرجت تظاهرات شعبية تندد بالنظام السياسي وترفض الكذب والتزوير وما من تأييد عربي داعم أو مساند لا نقول بالغالي والنفيس بل نقول بالكلمة والصورة وإن كان ذلك أضعف الإيمان لكنه يبقى إيمانا بمشروعية قضية لعلها تكون خطوة معنوية تساهم في تحقيق العدالة وقد سئل أفلاطون ما العدالة، فقال: إن يردَّ للإنسان ما هو له.

وما من شعور واع بوحدة المصير إلا إذا أعلن عن نفسه بمجرد أن تسيل قطرة دماء عربية لا أن تسقط أفواج من أجساد غضة طرية على أرصفة شوارعنا العربية وهي تطالب بحقها المسلوب. مثل هذا الإحساس العالي بالإخوة العربية هو الذي ينبغي أن يظهر في كل البلدان سواء تلك التي غمرتها الاحتجاجات ضد السارقين والظالمين أو تلك التي ليس فيها احتجاج ولا انتفاض.

وليس شرطا أن يكون التعبير عن هذا الشعور الموحد بمسيرات بل يمكن إظهاره بتجمعات ثقافية أو تحركات سياسية أو أنشطة فكرية توصل عبرها رسالتها إلى العالم مسمعة إياه صوت الضمير العربي وما يتبناه من مواقف تضامنية عربية أمام أي ظلم أو اضطهاد.

وليتأكد لنا أننا بإعلان مواقفنا كعرب نساند أخوتنا العرب سنرفع معنوياتهم وسنؤازر انتفاضاتهم وسيشعرون أن هناك دماء عربية تغلي في العروق مع غليانهم وبالشكل الذي يقوي عزيمتهم ويشد إصرارهم على بلوغ مراميهم.

وما كشفته لنا النوائب والدواهي اليوم على سوئها وفداحة نتائجها التي أصابت بعض البلاد العربية هو خواء الضمير العربي للأسف واللامبالاة التي تشربت فينا حتى النخاع فأكل الصدأ مشاعرنا وتغشى الغبار أعيننا فلم نعد نرى أو لا نريد أن نرى السبيل السليم المفضي للنهوض بالمسؤولية. نقرأ في الصحف أخبار المتظاهرين والمنتفضين في بلدان عربية متعددة وهم يُقتلون ويُسحلون ويُعتقلون فلا تتلظى على صفيح ساخن مشاعرنا كما كان يحصل في عقود الصحوة الوطنية والقومية في القرن الماضي، ونشاهد أحداثا يغمرها الدم والصراخ فلا تحرك فينا هاجسا رافضا أو متضامنا يتجسد بفعل ظاهر للعيان.

وحقيق بنا ونحن نشهد مظاهرات وثورات واحتجاجات عواصمنا العربية في بغداد وبيروت وغزة والجزائر وطرابلس والخرطوم أن نقف عندها لا متأملين حسب بل متسائلين لماذا يجري في هذه العواصم ما يجري.

وليست إسالة الدماء العربية على أرصفة شوارعنا بالأمر الهين لأنها عزيزة تهتز لها شرقيتنا وإسلاميتنا وإنسانيتنا فلا نكون متفرجين فاترين غير مبالين لا محتسبين ولا معتبرين مستقلين شاكرين أن ذلك بعيد عن حدود بلدنا مطمئنين أن لا شأن لنا بما يجري خارج حدودنا.

وذلك لعمري البغية التي تشتغل عليها الماكينة الإعلامية الإمبريالية العملاقة التي تصدر إلينا ما يفرّقنا وتزيد شعورنا بقطريتنا ولعلها نجحت في إحكام الطوق علينا فصار كل عربي نائيا في جزيرته لا واصل يربطه بجموع عربية تنتفض ضد حكامها بشعارات تريد بها حقوقها فلا يقابلها بالنصرة لها عقلا وقلبا وخيالا ذوقا وطبعا حسا وشعورا.

ما أشقى الشعب العربي الذي قنع فيه الفرد بقطريته ولم تفزع روحه لنجدة الثائرين وكل ما يعنيه نفسه. وهذه الأيام العصيبة التي نشهدها في الربع الأخير من عام 2019 هي أيام تاريخية وسعيد الحظ من سجل فيها موقفا قوميا تضامنيا سياسيا أو ثقافيا أو اجتماعيا أو دينيا واضعا يده في يد شقيقه المنتفض فلا تمر الأيام الخوالد مرورا عابرا وعندها سيفوته الفوت ولن ينفع عذر ولن يُقبل موقف تراخى صاحبه عن إعلانه ساخنا في حينه.

وما على العربي غير الثقة بشقيقه العربي، فلا يشكك في نوايا صاحب حق خرج مطالبا بحقه باذلا روحه على راحتيه كما لا يهوِّن أمرا هو عند شقيقه مصيري وحتمي. ولا يكون الواحد منا حياديا يقول نفسي ومن بعدها الطوفان، قابلا أن يكون رقما جامدا في حسابات المؤسسات الاعلامية والشركات متعددة الجنسيات وأنظمة القمع والاستبداد. فالذات العربية منذ خلقها الله هي أبية حرة تحتج وتغضب ضد الباطل والتعسف والقمع والتنكيل وتبذل وتضحي وتساند من اجل الخير والصلاح والازدهار. ومن دون ذلك فان العزائم ستفتر وستتغلب الميديا الإعلامية وتستحوذ على مقدراتنا.

ويقع على عاتق المثقفين العرب العبء الأكبر في تحريك المجتمع من غفوته وأن يكون لهم رد فعل واضح يضاهي الفعل الذي يجري اليوم في الشوارع والأزقة والساحات، فهذا هو رهان التحدي التقدمي والوطني والقومي وقبل ذلك كله الثقافي والإنساني فلا نغالط فنتمادى ولا نتعالى فنتجافى.

*كاتبة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية