باريس-“القدس العربي”: تعد فرنسا البلد الذي يحتوي على أكبر جالية جزائرية في الخارج، إذ يُقدر عدد الجزائريين المقيمين فيها بنحو خمسة ملايين نسمة، نحو 800 ألف منهم يحملون الجنسية المزدوجة الفرنسية-الجزائرية. كما أن باريس تعد الشريك الاقتصادي الثاني للجزائر. ضف إلى ذلك الإرث الاستعماري الصاخب بين البلدين. هي أمور، إذن، تؤكد أن كل ما يحصل في الجزائر سيكون له وقعه المباشر والقوي على فرنسا. وهذا ما يفسرُ وفق العديد من المراقبين الموقف الحذر جداً الذي اتخذته باريس من الأزمة التي تشهدها الجزائر منذ عشرة أشهر، في ظل الرهانات الهائلة حول الأزمة الجزائرية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.
فمنذ بدء الأزمة السياسية في الجزائر على خلفية الحراك الاجتماعي الرافض لاستمرار الرئيس المُستقيل عبد العزيز بوتفليقة في السلطة؛ تبنت الحكومة الفرنسية مقاربة حذرة للغاية تجاه الملف الجزائري؛ وإن كانت دعمت، في البداية، سراً العهد الخامسة لبوتفليقة رغم علمها بأنه لم يعد الحاكم الفعلي منذ فترة بحكم وضعه الصحي، كما يقول الصحافي علاء بونجار لـ”القدس العربي” إن “باريس ظلت تأتيها التطمينات من محيط بوتفليقة بأن الجزائريين يخشون تداعيات الربيع العربي وجربوا الإسلاميين ولا يرغبون في العودة إلى حقبة التسعينات”. وفي هذا الصدد أيضا، تحدث لـ “القدس العربي” الكاتب الصحافي المحلل السياسي قويدر شيشي، عن أن غليان الشارع الجزائري وانتقاد المتظاهرين لفرنسا، دفعا باريس “إلى تغيير موقفها الخفي المساند للعهدة الخامسة لبوتفليقة، والالتزام بالصمت لمعرفتها أن أي موقف مقبل سيعتبر تدخلاً في الشأن الداخلي”. وهذا ما لخصه المؤرخ بيير فيرمورين بالقول إن فرنسا “لا تستطيع قول أي شيء، لأن كل شيء تقوله سوف يُحسب ضدها”. فالذاكرة الاستعمارية حاضرة ولم يتخلص منها البلدان بعد.
لا تدخل ولا لا مبالاة
وحتى لا تزعج السلطة الجزائرية أو المتظاهرين، إذن، اعتمدت الحكومة الفرنسية برئاسة إدوار فيليب صيغة “لا تدخل ولا لا مبالاة” للتعاطي مع الأزمة الجزائرية. واعتبرت مجلة “جون أفريك” الفرنسية في تقرير لها أن الحرج والحذر اللذين ظهرا في الموقف الفرنسي حيال الأزمة في الجزائر، يجدان مصدرهما في الثقل التاريخي للحقبة الاستعمارية الفرنسية العنيفة، وفي العلاقات “شبه العائلية” بين البلدين: فلكل جزائري أحد من أفراد أسرته يعيش في فرنسا. فيما، نقلت وكالة “فرانس برس” عن أحد الفرنسيين العارفين بشأن المنطقة طلب عدم الكشف عن هويته، نقلت عنه قوله إن “المعادلة معقدة، فمن جهة هناك نظام جزائري معروف بغموضه، يلعب فيه الجيش الدور الرئيسي، ومن جهة أخرى هناك حركة احتجاجية سلمية ومُتحكّم فيها، وتجد صعوبة في تحقيق أهدافها كما أن قياداتها مجهولة” وعليه، يضيف المصدر “إذا أدلى المسؤولون الفرنسيون بتصريحات تسير في اتجاه السلطة، فإن باريس ستصبح محل رفض تام من قبل الشارع، وإذا قاموا بالعكس، فإن السلطة ستتهم بالتدخل وتتهم الحركة الاحتجاجية بالتبعية للخارج”.
وذاك هو السيناريو الذي رأيناه مؤخراً في أعقاب تصريحات وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان بأن الحل للخروج من الأزمة السياسية التي تشهدها الجزائر يكمن في “حوار ديمقراطي” يسمح للجميع بالتعبير عن آرائهم من دون خوف وأن يتم احترام الحريات، بما فيها حرية التعبير والمعتقد والصحافة والتظاهر، مع أن الأخير عاد مجددا للتأكيد على الموقف الحيادي لباريس، بالقول إن فرنسا تأمل في أن يجد الجزائريون معا درب الانتقال الديمقراطي، وأنه يعود للجزائريين وحدهم كيفية تحديد الانتقال الديمقراطي بعد أن أثبتوا نضجهم المثالي.
فزاعة التدخل الخارجي
وأيضا، لاقت إدانة النواب الأوروبيين في ستراسبورغ، يوم الــ28 من تشرين الثاني/نوفمبر المنصرم، لـ”الاعتقالات التعسفية وغير القانونية والاحتجاز والتخويف والاعتداءات على الصحافيين والنقابيين والناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان والمتظاهرين الجزائريين” انتقادات لاذعة من السلطات الجزائرية، التي اعتبرت الخطوة “تدخلا سافراً” في الشؤون الداخلية للجزائر، ونزل مؤيدوها في مسيرات رافضة لما اعتبروه تدخلا أجنبياً، ردا على إدانة البرلمان الأوروبي لوضع حقوق الإنسان في الجزائز، ولكن أيضا لتأييد إجراء الانتخابات الرئاسية في 12 كانون الأول/ديسمبر الجاري والتي يرفضها المتظاهرون باعتبار أنها ستعيد فقط تدوير النظام القائم.
أولوية قصوى
ويؤكد بعض المراقبين الفرنسيين أن أجهزة الاستخبارات والدبلوماسيين الفرنسيين يعملون على جميع السيناريوهات فيما يخص الأزمة الجزائرية، التي تقلق الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته ويعتبرها قصر الإليزيه ذات أولوية قصوى، إذ أن هناك خشية كبيرة من زعزعة استقرار الجزائر لصالح انتقال قد يذهب على نحو خاطئ، كما تقول الصحافية المخضرمة في “لوفيغارو” الفرنسية إيزابيل لاسيير. وعلى المنوال نفسه تحدث الإعلامي والمحلل السياسي مصطفى الطوسة لـ”القدس العربي” موضحاً أن “باريس تخشى من أن تنزلق الأوضاع الى مستويات أمنية خطيرة خصوصا وأن التجربة الجزائرية أظهرت إمكانية لجوء بعض الفرقاء السياسيين إلى العنف السياسي كما حصل خلال مرحلة ما عرف بالعشرية السوداء”.
ويضيف الطوسة أن السلطات الفرنسية ومع مرور الوقت أضحت غير مقتنعة تماما بفعالية وجدية الحلول السياسية التي تقترحها المؤسسة العسكرية الجزائرية للخروج من أزمة ما بعد إلغاء العهدة الخامسة لعبد العزيز بوتفليقة؛ لكنها حافظت على موقف الحياد لإدراكها لمدى حساسية الوضع. غير أن الباحث الفرنسي في الشؤون السياسية توماس سير، اعتبر في مقال سابق في صحيفة “لوموند” الفرنسية تحت عنوان “فرنسا وأوروبا بين التعاطف والتواطؤ” حيال الأزمة الجزائرية؛ اعتبر أن الآلة الأمنية التي فرضت الانتخابات الرئاسية الجزائرية، تحظى بدعم فرنسي؛ مضيفاً أن المرشحيْن اللذين يتوقع أن يفوز أحدهما بالرئاسة: علي بن فليس رئيس الوزراء السابق والأمين العام السابق لحزب جبهة التحرير وعبد المجيد تبون رئيس الوزراء السابق في عهد بوتفليقة، يمثلان النظام القديم ويحظيان برضى القوى الغربية، على رأسها فرنسا، خاصة ابن فليس الذي يعد بتحرير الاقتصاد الجزائري بشكل كامل. لكن تبون استنكر قبل نحو شهر ما اعتبره “تدخلا فرنسيا” في الشؤون الداخلية للجزائر.
ويعتبر قويدر شيشي أن فرنسا، ومن أجل الإبقاء على مصالحها الاقتصادية في الجزائر، فإنها تأمل، في الواقع، أن تبقى المؤسسة العسكرية هي المسيطرة على الحكم في الجزائر عبر رئيس خاضع لها، لأن تولي رئيس يحظى بدعم شعبي كبير للسلطة سيغير في المعادلة. وبين هذا وذاك، يرى العديد من المراقبين، بمن في ذلك الإعلامي عادل قسطل أن السيناريو الأمثل للجميع هو العودة إلى المسار الانتخابي مهما كانت عيوبه، وأياً يكن من سيأتي به الصندوق يوم الخميس المقبل.
اقتباس
الآلة الأمنية التي فرضت الانتخابات الرئاسية الجزائرية، تحظى بدعم فرنسي