كاتب الضفة الأخرى

حجم الخط
4

تنبعث رائحة الهراء والقذارة من تعليقات كثيرة شيعت المترجم الفلسطيني صالح علماني إلى مثواه الأخير، وقد جاءت كمية الهراء اللغوي ـ إن صحت تسميته بذلك ـ كالسيل مجتاحا صفحته على فيسبوك، منذ أعلن عن مواقفه وميولاته السياسية تجاه ما حدث في سوريا.
شيء يشبه ما حدث لبيتر هاندكه الحائز جائزة نوبل هذه السنة، بحيث لاحقته لعنة الشتائم الحقيرة إلى عقر تاريخه الأدبي، ونسفت كل ذخائره الثقافية وأهميتها. نماذج كثيرة من أدباء وشعراء أساءت لهم مواقفهم السياسية، حتى إن بعضهم دفع حياته ثمنا لذلك.
أما بشأن علماني فأعتقد أن لا أحد يعرف الرجل جيدا، حتى أولئك الذين تطفلوا على صفحته على فيسبوك، وثاروا ضد مقولاته المستفزة. لقد عاش كجندي مجهول ومات كذلك. ولعلي تأثرت بما كتبه الروائي نبيل الملحم أكثر من غيره حين نعاه قائلا «ولد في أسوأ شتاء شهدته البلاد، ورحل في أسوأ حال وصلتها البلاد»، وفي جملته القصيرة الكثير مما يمكن قراءته، فالرجل حكاية في حد ذاته. عن نفسي، فقد عرفت متأخرة أنه أنشأ بيتا للكتابة، وعد به الكتاب الراغبين في الهدوء لتجميع أفكارهم، وكان البيت حلم حياته، سخر له « تحويشة العمر» ليراه متحققا، لكن الحرب اندلعت في الوقت غير المناسب ونسفته.
جمعتني الصدف بالمترجم الرصين الهادئ أكثر من مرة في عدة معارض، وأعترف بأنني حزينة جدا، لأنه غادر قبل أن يكون ضيفا على برنامجي، فلطالما أحببت ترجماته، وفضلتها عن غيرها، وقد أخبرته بذلك، شاعرة في حينها بأنه شكرني من باب التهذيب لا غير، هذا كل شيء، حتى أؤكد أن دفاعي عنه ليس من باب صداقة جمعتني به.
والصراحة تقال إني استشهد به دائما في مقالاتي وندواتي حين يتعلق الأمر بالترجمة، وكما قال أحدهم في نعيه: «دونك لم نكن نعرف الحب في زمن الكوليرا، ولا عشنا لنروي مئة عام من العزلة… كل الأسماء لا تعترف بموتك المعلن سيدي». أجدني اليوم أعترف له مرة أخرى بكل جمائله عليّ كقارئة نهمة، عرفت نعمة الاستمتاع بأجمل الروايات التي نقلت إلى العربية بروح كُتابِها بفضله.
قام علماني بدور مهم في اختيار قراءاتنا، نقل ما ينقله بلغته وإبداعه الشخصي، ومارس الترجمة كفن وإبداع، مؤكدا أن ترجمة عن ترجمة تختلف. لقد جعلنا سعداء بقراءة كم هائل من الكتب التي ترجمها، صنع سعادتنا حين حلق بنا بعيدا إلى العالم الناطق بالإسبانية، وقد صدق الروائي أمير تاج السر حين قال إنه «لم يكن يترجم الرواية اللاتينية والإسبانية. كان يكتب النسخة العربية لها» لِنَقُل إنه علمنا كيف تُرْوى الرواية كما قال رفيقه نبيل ملحم، وهذه هي الحقيقة التي يجب أن نعترف بها، فماذا نعرف عن الرواية لولا المترجمون الذين جندوا أنفسهم لتقديمها لنا في أجمل نماذجها قبل أن ندخل معترك كتابتها؟ وعلماني عرابهم، أو عميدهم، أو حامل راية الأدب اللاتيني الأجمل والأكثر دسامة في العالم، فلماذا كل هذه النقمة عليه، من فئة أعتقد أنها هي التي ربطت السياسة بالأدب، وأثارت بتعليقاتها التي لا تليق بقامة بحجم علماني موضوعا حساسا وجارحا أصبح للأسف قاعدة من قواعد تقييمنا لأي مثقف أو مبدع، ألم يقل أحدهم أن علماني مات في 2011 ودفن في 2019، أليس تعليقا كهذا نابع تماما من موقف سياسي معاكس لمواقف الرجل؟

قام علماني بدور مهم في اختيار قراءاتنا، نقل ما ينقله بلغته وإبداعه الشخصي، ومارس الترجمة كفن وإبداع، مؤكدا أن ترجمة عن ترجمة تختلف.

بالتأكيد لا يمكننا أن نقف صفا واحدا في مواقفنا تجاه ما هو سياسي، لكن المسلم به هو أن السياسة العدو رقم واحد للخيال، كما قال الكاتب والسيناريست البريطاني إيان راسل ماكيوان، وهذا لا ينطبق على علماني الذي لم نعرفه من منبر سياسي، بل من منبره الأدبي المتفرد. يقينا كان معلما لنا، بدون أن نشعر حتى بذلك، لم يملِ مواقفه السياسية علينا في كل ما ترجمه، كما ظل منذ أول نص نقله إلى اللغة العربية إلى آخر نص مخلصا لمهنته، فلماذا تعامل معه البعض بالنكران، رغم أنهم قرأوه كما قرأه أي قارئ آخر خارج حدود جغرافية الحرب الضيقة؟ «بالتأكيد الأدب والسياسة ليس لهما شيء معا، واتحادهما يعد خطرا على الإبداع الأدبي» لكن هل نحن أمام مؤلف يروج بنصوصه لنظام سياسي معين؟
نعرف جيدا أن بعض «نجوم الأدب» صناعة أنظمتهم، ومع هذا لا نصادف أي قسوة في الكلام الموجه إليهم، بل إن بعض الأسماء التي تحسب على الشعر والرواية، والتي أساءت للراحل علماني في موته، لا تتجرأ حتى على كتابة «نقد لطيف» لنصوصهم التي تشهد بالتجنيد الخفي لأقلامهم.
محزن مشهدنا الأدبي، محزن حين يصر على البقاء في عمر المراهقة، تفصل بينه وبين عمر النضج عقود من الزمن المقبل، ومحزن أكثر حين يُخرج البعض خناجره في مناسبة أليمة كهذه، فيسلخ الشاة بعد ذبحها ناسيا أنه إن وقف على هذه الضفة، فهناك حتما من قطع نحو الضفة الأخرى، ولم تعد له الرؤية نفسها لمجرى النهر أمامه، ولا للأشجار المقابلة، ولا للسماء الغائمة، ولا للطيور التي تطير من هنا وتحط هناك، وإن كانت هناك قصة ستُكتب لوصف المشهد نفسه فإنها لن تكون القصة نفسها، بالتأكيد لكل ضفة قصتها، ولكل ضفة كاتبها، بدون أي خدوش شخصية، أو تقليل لاحترام أحدهما.
هذا ليس خطابا أخلاقيا، إنه محاولة لفهم إشكالية العلاقات بين أهل الأدب والثقافة، الذين يربطهم الأدب وتفرقهم السياسة، بدون إدراك صحيح للخطوط التي تفصل كُتاب السياسة عن كتاب الأدب، وكتاب الأدب الناشطين سياسيا، والأدباء الذين ينشطون ثقافيا خارج الدائرة السياسية، والكتاب المكونين سياسيا لتمثيل أجنحة بعينها وهم مجرد موظفين لديهم مهمات محددة في الوسط الثقافي. قد تكون هناك فئات أخرى تندرج تحت تقاطع السياسة والأدب، إلا أن هذه الفئات كافية لنعرف من أي نوع صالح علماني، الذي فشل ليكون شيئا آخر غير «مترجم» ويعلم الله ما أخفى صمته الوقور من معاناة تقاسمها مع كم الأدب الذي قرأه، وما أودعه أدراج مكتبه من روائع أدبية، فقد قرأت أنه تبادل الرسائل مع غابرييل غارسيا ماركيز وفارغاس يوسا وإيزابيل الليندي، غير ما تحويه علبتا بريده الإلكتروني وفيسبوك.
نحن أمام رجل استثنائي، تربع على عرش الترجمة ونقل روائع الأدب اللاتيني إلى مكتبتنا بلغته التي وُصِفت مرارا بالفخمة والفاخرة، وسواء دفن البارحة أو اليوم، فهو حتما تعافى من الموت إلى الأبد، منذ ترجم أول عمل من اختياره الصائب لكاتب عظيم تخطى الموت بعظمة قلمه قبله.
هل يكفي ما سبق ذكره لأن نعيد حساباتنا بشأن بعض المفاهيم؟ يبدو لي أن صالح علماني يشكل منعرجا خطيرا في خريطتنا الإبداعية اليوم، التي يجب أن تُرسم فيها الحدود بشكل واضح، حتى لا تُنتَهك المساحات الأكثر إشراقا من مكتسباتنا. كما يبدو لي أن أي طعنة تُوجه لاسمه جريمة بشعة، يرتكبها دعاة حرية الرأي المزيفون، أولــــئك الذين لا يرون أحدا على صواب إلا إذا كان نسخـــة طبق الأصل عنهم، وهم بذلك لا يختلفون عن الأنظمة أحادية التفكير التي ينتقدونها.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية