تقرير “مدار” حول نتائج امتحان “بيزا”: وضع التعليم في إسرائيل مأساوي

حجم الخط
0

الناصرة – “القدس العربي”:

كشفت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الدولية عن تدريج إسرائيل المتدني في امتحانات التقييم في الرياضيات والقراءة والعلوم. ولكنها كشفت بصورة أكثر وضوحاً عن الفجوات بين التعليم العربي والتعليم اليهودي فيها نتيجة عدة عوامل جوهرها التمييز العنصري في الموارد المكرسة للتلاميذ العرب.

وحسب معطيات المنظمة الدولية فإن الفجوة بين قدرات الطلاب اليهود والطلاب العرب في المدارس الإسرائيلية هي الأكبر بين المجموعات الاجتماعية في 79 دولة شاركت في الامتحان. وفي الإجمال العام، أظهرت النتائج فجوة قدرها 144 نقطة في مهارات القراءة، و111 نقطة في مهارات الرياضيات، و116 نقطة في مهارات العلوم، بين الطلاب الناطقين بالعبرية والطلاب الناطقين بالعربية.

وامتحان “بيزا” هو امتحان تقوم به منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لفحص مستوى الطلاب أبناء الشريحة العمرية 15-16 عاماً الذين يتعلمون في المدارس والأطر التعليمية الأخرى. ويفحص الامتحان بالأساس ثلاثة مواضيع: القراءة، الرياضيات، العلوم، لا سيما الفيزياء، واشتركت إسرائيل لأول مرة في الامتحان عام 2002، وبعدها اشتركت في مجموعة من الامتحانات في السنوات 2006، 2009، 2012، 2015، وفي المرة الأخيرة سنة 2018 التي سيتناولها التقرير الحالي. وفي كل الامتحانات التي شاركت فيها إسرائيل لم يتم تدريجها من بين العشر دول المتقدمة في المجالات الثلاثة.

نتائج الامتحان الأخير

وينوه “مدار” إلى أن هذه الامتحانات لا تشمل الطلاب المتدينين (الحريديم) في المدارس الخاصة بهم، مما قد يقدم مؤشراً على تدهور التعليم في إسرائيل بشكل عام أكثر مما تعكسه النتائج. وبينت صحيفة “ذي ماركر” الإسرائيلية أن نتائج امتحان البيزا تشير إلى أن 34% من الطلاب في إسرائيل سوف يستصعبون الاندماج في سوق العمل، كما أشارت النتائج إلى أن التراجع الذي حققته إسرائيل في امتحان البيزا كان تحديدا في فترة وزير التربية والتعليم السابق نفتالي بينيت.

الفجوة بين قدرات الطلاب اليهود والطلاب العرب في المدارس الإسرائيلية هي الأكبر بين المجموعات الاجتماعية في 79 دولة شاركت في الامتحان

وفي قراءة متأنية لنتائج الطلاب العامة تحديدا، يجد “مدار” أن تراجع الطلاب العرب في نتائج امتحانات البيزا كان في فترة بينيت، برغم أن الأخير أطلق مشروعه الخاص فيما يتعلق بتطوير موضوع الرياضيات في المدارس لدفع الطلاب نحو تقديم خمس وحدات تعليمية في الموضوع.

ويشير المحلل الاقتصادي آفي بار- إيلي إلى أن نتائج الامتحان تدل على الوضع المأساوي للتعليم في إسرائيل، لا سيما وأن ميزانية التعليم ارتفعت منذ عام 2012 بنسبة 48%، ومع ذلك وبحسب نتائج الامتحان الدولي فإن نسبة الذين رسبوا في الامتحانات الثلاثة (الرياضيات، العلوم واللغة- القراءة) سجلت رقما قياسيا حيث وصلت إلى 22% (لا تشمل الطلاب “الحريديم” الذين لا يشاركون في الامتحانات)، ونسبة الراسبين في الرياضيات ارتفعت إلى 34%، ووصل تدريج إسرائيل في العلوم إلى الحضيض، فضلا عن أن الفجوات بين الطلاب ازدادت. ويشير بار- إيلي إلى أن بينيت هو صاحب الفشل الأكبر في جهاز التعليم في إسرائيل، فقد كان مشغولا بترهات شعبوية بدل أن يصب الميزانية في الأماكن الصحيحة.

كارثة اقتصادية- اجتماعية

وينوه “مدار” لما قالته صحيفة “هآرتس”، في افتتاحيتها يوم 4/12/2019، إن فشل طلاب إسرائيل في امتحان بيزا هو إشارة تحذير لوزارة التربية والتعليم لا سابقة لها في خطورتها، وتفرض تغييراً فورياً للسياسة. وأكدت أنه من دون تغيير كهذا فإن وزراء التربية التعليم يقودون إسرائيل إلى كارثة اجتماعية – اقتصادية، في الوقت الذي لم يظهر رئيس الحكومة خلال العقد الأخير أي اهتمام في هذا المجال. وقالت “هآرتس” إن من المهم أيضاً التذكير بأن نتائج الاختبار تُظهر صورة جزئية، فبطلب من الحاخامات رفض الطلاب الحريديم المشاركة في الامتحان، وبناء على ذلك فإن الوضع فعلياً أخطر بكثير.

أسباب تدني النتائج في التعليم العربي

وأرجع خبراء عرب تدني التحصيل في التعليم العربي إلى أسباب عديدة، منها ما يتعلق بتأهيل المعلم العربي، ومنها ما يرتبط بالتمييز في الميزانيات، ومنها ما يتصل بالإدارة التربوية في التعليم العربي والسياسات الحكومية عامة. ويؤكد رئيس المعهد العربي للتربية في كلية بيت بيرل، البروفسور قصي حاج يحيى، على مكانة المعلم المتدنية وتأثيرها على جهاز التعليم العربي. وتابع: “يجب الإشارة إلى مكانة المعلم المتدنية في المجتمع العربي في البلاد، وعزوف الطلاب من ذوي التحصيلات العالية عامة عن الالتحاق بكليات التربية وإعداد المعلمين، برغم وجود عدد كاف من هذه الكليات لتأهيل المعلمين العرب، والتي ترتكز في الأساس على السياق الثقافي والاجتماعي، ولغة التدريس فيها عامة هي اللغة العربية”.

وينوه أن استثمار وزارة التربية والتعليم في تحسين مهنة المعلم وطرائق تأهيله المهنية والعصرية لم يكن كافياً على صعيد كليات التربية. كذلك المنح الدراسية المخصصة لم تكن كافيةً لجذب طلاب ذوي تحصيلات علمية وقدرات ذهنية عالية إلى مهنة التدريس. وبرأي حاج يحيى فالأمر ذاته ينسحِب على الأكاديميين العرب مع مواضيع تخصص علمية وتكنولوجية، إذ إن هؤلاء يلتحقون بمهنة التعليم بأعداد قليلة، رغم النقص في معلمين ذوي جودة عالية في مجالات العلوم والتكنولوجيا.

في المقابل وعلى مستوى الحل يشير لـ”الحاجة للاستثمار كثيراً في برامج إضافية لجذب طلاب متميزين إلى مهنة التدريس، وتحسين جودة تأهيل المعلمين بواسطة إدخال وتبني طرائق وأساليب تعليم عصرية وحديثة، وإدخال المشاريع والبرامج التعليمية والبيداغوجية الحديثة التي تساهم في تطوير مهنة التدريس، وتطوّر الهويّة المهنية لدى المعلم العربي مع الحفاظ على سياقه الثقافي ومنظومته القيمية”.

وشدّد “معهد طاوب لدراسة السياسات الاجتماعية في إسرائيل” على التمييز ضد جهاز التعليم العربي، حيث أظهرت دراسة جديدة أعدها المعهد أن 10% فقط من ميزانية وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية يتم توجيهها من أجل دفع تقدم شرائح سكانية ضعيفة، في إشارة إلى المواطنين العرب أساساً رغم أن نسبة التلاميذ العرب تتجاوز الـ 25%.

فشل طلاب إسرائيل في امتحان بيزا هو إشارة تحذير لوزارة التربية والتعليم لا سابقة لها في خطورتها، وتفرض تغييراً فورياً للسياسة

ووفقاً لدراسة “مركز طاوب” فإنه على الرغم من تقليص الفجوة بين المدارس الابتدائية العربية واليهودية في السنوات الأخيرة، إلا أنه توجد فجوات كبيرة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، حيث تدنى مستوى التعليم العربي. وأكد معدو الدراسة، على ضوء نشر نتائج امتحان بيزا لسنة 2018، على وجود فروق كبيرة في رصد ميزانيات وموارد بين الشرائح الاجتماعية – الاقتصادية، وعلى أن ما وصفته وزارة التربية والتعليم الإسرائيلية بـ”التفضيل التصحيحي” لم يؤد إلى تغيير ملموس.

واقترح الباحثون في “مركز طاوب” تغيير طريقة رصد الميزانيات، من خلال سلة خدمات مختلفة للتلاميذ من سن روضة الأطفال وحتى المرحلة الثانوية. وأضافوا أن من شأن خطة كهذه أن تركز كافة الخدمات بأيدي وزارة التربية والتعليم، بدلا من الوضع الحالي، حيث السلطات المحلية التي بحوزتها موارد غير متساوية، تشارك في تمويل نفقات التعليم بصورة متساوية.

وعود بالهواء

ويوضح “مدار” أن وزراء التربية والتعليم الإسرائيليين يزعمون دائما، بعد ظهور نتائج التقييم، أنهم سيعملون على تحسين تحصيل الطلاب العرب. ونقل بيان للوزارة عن وزير التربية والتعليم الإسرائيلي الحالي، رافي بيرتس، وهو من كتلة اتحاد أحزاب اليمين المتطرف، قوله إن “واقع أنّ الفجوات بين طلاب من خلفيّة اجتماعيّة اقتصاديّة عالية ومنخفضة قد اتّسعت هو أمر غير مقبول بالمرّة”.

وزعم هو الآخر أن وزارته “تعمل لتصحّح هذا الوضع”، وسعى إلى تجاهل التمييز العنصري ضد الطلاب العرب، قائلا إنه “بالنّسبة للوضع في المجتمع العربي فإنّ الأمر يلزمنا بإجراء فحص عميق وجذري، ووزارة التّربية استثمرت الكثير من الموارد والميزانيّات في المجتمع العربي، وهذه المعطيات لا تتلاءم مع حجم الاستثمار”.

واعتبر المدير العام لوزارة التربية والتعليم، شموئيل أبوآف، أن معطيات امتحان البيزا تدلّ على أنّ هناك فجوة بشكل ثابت بين طلاب المجتمع اليهودي والمجتمع العربي “ولكن في الامتحان الأخير اتسعت الفجوة، ونحن لا نستطيع أن نسلّم مع هذا الواقع، وعليه فإننا سنجري فحصا عميقا، شاملا وجذريا، من خلال إقامة لجنة فحص خاصة بهذا الموضوع”، لافتا إلى أن اللجنة ستفحص المنهاج التّعليمي، وأساليب التّدريس، وطريقة استعمال الميزانيّات والموارد التي خصّصت لدعم جهاز التعليم العربي ورفع نتائج التحصيل في المجتمع العربي، وكذلك ستفحص اللجنة طريقة استعمال آلاف ساعات الدعم والتطوير التي أعطيت لدعم جهاز التعليم.

خدعة متكررة

وقد تطرقت صحيفة “هآرتس” في مقالها الافتتاحي المذكور أعلاه إلى التراجع في إنجازات الطلاب العرب الذي أظهرته نتائج الامتحان، فقالت إنه بعد سنوات عديدة جرى خلالها البحث بالتفصيل في الفجوات المعروفة والمنهجية بين الطلاب من المجتمعين -في ساعات التعليم، والبنى التحتية التعليمية، وإعداد الأساتذة، وفي مساعدة الطلاب الذين يعانون ضعفاً وغيرها- فإن إقامة لجنة إضافية هو خداع وطريقة للتنصل من المسؤولية.

وأكدت أن السبيل الوحيد إلى تقليص الفجوات في الإنجازات، هو تقليص الفجوات الكبيرة في مخصصات وزارة التعليم للطلاب العرب واليهود، وختمت بأن النتائج المتدنية ليست قدراً من السماء، بل هي نتيجة مباشرة لإهمال استمر سنوات عديدة، مؤكدة أن سياسة كهذه تعرّض مستقبل إسرائيل للخطر، ويجب ألّا تستمر يوماً واحداً إضافياً.

ثلاث مشاكل

من جهته أوضح دكتور شرف حسان، رئيس لجنة متابعة التعليم العربي في أراضي 48، أن هناك ثلاث مشاكل رئيسة يواجهها التعليم العربي تتفرع منها موضوعات فردية. ووفقاً لحسان، هذه المشاكل الرئيسة هي: أولاً ما يتعلق بالتمييز العنصري بالاستثمار، وثانياً النقص الحاد في عدد الغرف الدراسية في جهاز التعليم العربي يصل لـ 1200 غرفة تدريس في النقب لوحده، وثالثاً نقص في ساعات التدريس، حيث هناك نقص 140 ألف ساعة تدريس في التعليم العربي عن مثيله في التعليم العبري.

ويضاف إلى ذلك الفجوة بين الموارد البشرية للطاقم، فالاستثمار في تأهيل المعلمين والإرشاد في التعليم اليهودي أعلى بكثير مما هو عليه في جهاز التعليم العربي. وشدّد حسان على أن ما لا يقل أهمية عن كل ما سبق أن مناهج التعليم العربي لا تلبي احتياجات الطالب العربي بشكل خاص في كل ما يتعلق بالتربية على الهوية والانتماء. وخلص للقول: “هناك تجاهل تام لانتمائنا وهويتنا، وهذا كله كنا قد أشرنا إليه، وهو ما يؤدي إلى حالة اغتراب لدى الطالب العربي”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية