تميزت الكتابات الرحلية، من هيرودوت مرورا بابن فضلان وابن بطوطة وماركو بولو وابن عثمان المكناسي، وصولا إلى شاتوبريان وشارل ديديي وفلوبير وميشو وغيرهم، في تعاطيها مع الآخر، بالنظر إليه انطلاقا من صور نمطية جاهزة عابرة للزمان، شكّلها لاوعي الرحالة المتحكم في نظرته للآخر، وغيّبت بشكل لاواع صورة الآخر الفعلية، وقدّمت لنا، في الغالب صورا وتمثيلات مغلوطة وثابتة متعالية على الزمان والمكان وفعل السفر، في الغالب ما يسربها لاوعي الرحالة أثناء تحويل فعل السفر إلى كتابة.
اللافت في النص الرحلي للكاتب المصري مختار سعد شحاتة في «بلاد السامبا يوميات عربي في البرازيل» (2019)، هو إعلان الكاتب بأنه يسعى جاهدا، بوعي وعن سبق إصرار، إلى تقديم صورة حية ومعاشة، عن الآخر البرازيلي، بعيدا عن الصور النمطية الجاهزة التي كرّسها الإعلام والسينما والمسلسلات. ويدعو، في أكثر من مناسبة، إلى ضرورة تجاوزها؛ لأنها في نظره لا تقدم لنا صورة الآخر، كما هو في الزمان والمكان، ولا تراعي ما يطوله من تحول وتغير؛ تبعا لكون المجتمعات تعرف دينامية خفية تتجاوز ثبات وجمود الصور النمطية الاختزالية. ناهيك عن كون السفر يكسّر أفق انتظارات الرحالة؛ فيجد نفسه أمام صور ومشاهد أخـــرى غـــير تلك التي تشكلت في ما يحمله معه من صور ذهنية وتمثيلات بعيدة جدا عن الواقع، ما يوسع الهوة بين السماع والعيان.
كما يعبر الكاتب عن تخييب الواقع لما كان يحمله معه من توقعات تشكلت من خلال ما سمعه، مما يروج من أخبار جاهزة ومكرورة عن البرازيل؛ مثل انعدام الأمن. ليؤكد مقولة الرحالة الشهيرة «ليس من سمع كمن رأى وخبر»، ويبرز أن معرفة الآخر تتطلب طول العشرة والخبرة. وهو أمر لن يتأتى إلا بطول المقام بينه والاحتكاك الفعلي معه، وهو أمر أتيح للكاتب بحكم أنه ذهب إلى البرازيل في إطار منحة لاستكمال الدراسات العليا ورحلة إقامة أدبية.
في مقابل هذا يحاول مختار سعد شحاتة الوقوف على عكس بعض السلوكات السلبية؛ كالرشوة والمحسوبية، وعدم احترام السائقين للراجلين، وعدم احترام المدخنين لغير المدخنين، وضوضاء السير وأبواق السيارات والفساد والمحسوبية الثقافية، والتهميش وما يترتب عنه من إحباط للمواهب وغيرها من السلوكات والأمراض الاجتماعية، التي تنخر بلده مصر، ويثمن مقابلها الإيجابي لدى الآخر البرازيلي، مبرزا التفاوت الحاصل بين ما يوجد لدى الأنا وما يوجد لدى الغير. ويعبّر الكاتب عن هذا التقابل بحس انفعالي صارخ من خلال:
– طرح العديد من التساؤلات الاستنكارية،
– لا يخفي حسرته على بلاده مقابل انبهاره بنظام السير، وشبكة الطرق، ونظام البناء والحفاظ على البنايات التاريخية المعبرة عن الهوية، ويتحسر بمرارة على ما يوجد لدى الآخر من قيم كانت لدى الأنا واختفت كالمهرجانات والاحتفالات الدينية،
– الافتتان بجمال الطبيعة البرازيلية، تعبيرا منه عن أن السفر كان بالنسبة له فرصة للاستشفاء من ضوضاء المدن وازدحامها.
بل أكثر من ذلك، مع مرور الوقت، سرعان ما يتلاشى ما بناه من تمثلات عن البرازيل، انطلاقا من المعاينة والمشاهدة ويتلاشى معها الانبهار والإعجاب. ويكشف عن كثير من الأفعال التي تخدش ما كوّنه من صور، ويعترف بزيف صوره النمطية التي تبدو له عائقا يمنعنا من معرفة الآخر. كما يحاول نقد تمثيلات الكثير الآخر عن الأنا.
هكذا يحاول مختار سعد شحاتة، ما أمكنه، أن يقدم لنا صورة موضوعية عن البرازيل ناتجة عن معرفة مباشرة، يتيحها فعل السفر، بإبراز المشرق فيها ولا يتغاضى عن المظلم فيها، مبرزا الظاهر والخفي، كنظام المواصلات والتعليم والموسيقى وحق التظاهر وكيف ينظم، وعادات الطعام والعلاقات العاطفية والاجتماعية بإيجابياتها وسلبياتها.
٭ كاتب مغربي