سمير سيف صانع أفلام الحركة وصاحب العلامة التجارية

كمال القاضي
حجم الخط
0

كانت بدايته في فيلم “دائرة الانتقام” عام 1976 قوية ومشجعة، إلى الحد الذي جعله يتخصص في أفلام الأكشن كواحد من صُناع المعارك والمغامرات التي تُعجب الجمهور، وترفع مؤشر الإيرادات في شباك التذاكر فتخلق حراكاً فنياً واقتصادياً، لهذا ظل اسم المخرج سمير سيف علامة تجارية مسجلة في الأوساط السينمائية، وبقي فيلمه المذكور دليل الإجادة والموهبة، وشهادة معتمده تُعطي له الحق في الاستمرار على نهج الإبهار والدهشة، رغم ضعف الإمكانيات المطلوبة آن ذاك لصناعة سينما قادرة على المنافسة في هذا المضمار الشاق والصعب.

وكان النجم الراحل نور الشريف، درساً سينمائياً في المغامرة، استفاد منه سيف كثيراً فجعل يكرر التجارب المبنية على الإثارة والمباغتة في العديد من الأفلام التي شكلت في ما بعد مسيرته الإبداعية، كمخرج يهوى تحريك الصورة المثيرة في الاتجاه غير المتوقع فيذهب بها إلى هواة الضرب والعنف والمعارك والمفاجآت، صانعاً حالة مختلفة تغاير النمطية والثبات، وتضع أطراً خاصة للقصص الرومانسية والعاطفية، كما في أفلامه “الغول” و”المشبوه” و”النمر والأنثى” و”مسجل خطر” و”شمس الزناتي” و”المولد”، تلك التي قدمها مع عادل إمام مراعياً فيها المكونات المطلوبة للفيلم التجاري الناجح، وهي وصفة سحرية مجربة، امتد ضمانها لأكثر من ربع قرن.

الاقبال الجماهيري

وفي ضوء التجارب الناجحة والاقبال الجماهيري المتزايد عليها توطدت العلاقة بين المخرج والبطل، وصارت تمثل ثنائية مهمة في المعادلة الربحية وتشكيل المزاج السينمائي العام لجمهور الطبقة الشعبية الأكثر استهلاكاً وتعاطياً لسينما الأكشن بخصائصها وخصوصياتها، حيث تقتضي صناعتها حرفية معينة وطابعاً إخراجيا جريئاً على مستويات كثيرة، إذ تحتاج هذه النوعية لبعض المُقبلات، والتوابل الحريفة الفاتحة للشهية، كما تحتاج على مستوى الأداء التمثيلي لخفة في الحركة ولياقة بدنية وسرعة بديهة، وهي شروط رأى سمير سيف أنها تتوافر في عادل إمام، لاسيما في مرحلة شبابه التي شهدت كل النجاح والرواج لأفلامه، التي طغت وسيطرت في فترات الثمانينيات والتسعينيات، قبل أن تتغير نوعية أدائه في ما بعد، بحكم السن والوقت والظروف، وربما أنبأت التجارب الأخيرة لتعاونهما معاً عن تغير نسبي في مفهوم وشكل الأكشن، خاصة في ثلاثة أفلام بعينها هي النمر والأنثى ومسجل خطر والمولد، حيث تجنب المخرج الكبير إعمال الأكشن كلغة أساسية في التعبير عن الصراع الدرامي، ودور البطولة الفردية فيه، وركز بدوره على البطولة الجماعية ليصبح البطل الرئيسي جزءًا من كل، لتتطور الأحداث بموجب التفاعل الجمعي لكل العناصر المشاركة، وهو نوع من التحايل الذكي على ما يمكن أن يكون عائقاً أمام البطل الفرد، وفي الوقت نفسه يسهل عملية استغلال النجم كاسم وموهبة بدون أن يتحمل فوق طاقته.

وقد راوح المخرج الراحل بين أنماط كثيرة من الأفلام، من غير أن يفقد طابعة المميز كصانع لأفلام الأكشن، فقدم مع الكاتب وحيد حامد أفلاماً نوعية كان من بينها، “معالي الوزير” لأحمد زكي و”سوق المتعة” لمحمود عبد العزيز و”ديل السمكة” لعمرو واكد، وهي ثلاثية أخرى ناقشت قضايا سياسية بالغة الأهمية، في سياقات مناوره وغير مباشرة ذات صلة بقضايا القمع والاستبداد والقهر، كما في “سوق المتعة”، وأيضاً جاءت مجسدة لحالات الفساد والتواطؤ والكذب، وهو المعنى المتضمن في فيلم “معالي الوزير”، وكذلك لم تختلف الفكرة كثيراً في فيلم “ديل السمكة”، فقد تناولت ملامح الهم العام وأزمة التأقلم والمعايشة في ظل غياب المعايير والعدالة الاجتماعية وفداحة الروتين والفساد الوظيفي، حيث شكلت كل هذه النماذج معطيات الخلل في المنظومة الحياتية بأكملها، وقد اكتفى كل من الكاتب والمخرج في “ديل السمكة” بإرسال الإشارات الضوئية لاستبيان الحقيقة التي يتعامى عنها الكثيرون.

الإبداعات المتوالية

وفي سياقات أخرى ليست بعيدة عن ما تم ذكره، جاءت الإبداعات المتوالية لسمير سيف، متمثلة في أفلام كان لها اعتبار مهم في قائمة أعماله مثل “قطة على نار” و”شوارع من نار” و”آخر الرجال المحترمين” و”غريب في بيتي” وهي حزمة فنية شكلت عودة حميدة لتجديد التعاون مع نور الشريف، الذي بدأ معه الرحلة، ولكن بأسلوب مختلف ابتعد عن الشكل التجاري المعروف، واعتمد على التميز الموضوعي القائم على النظر إلى المستجد من الأطروحات والأزمات والقضايا الإنسانية، بأبعادها وتفاصيلها المتباينة والعميقة، بيد أن تجربة وحيدة وفريدة جاءت متأخرة إلى حد كبير فأعادت إلى الأذهان الصورة التقليدية لأفلام الحركة والإثارة، فقد تم التعاون بينهما في فيلم تجاري بحت حمل عنوان “لهيب الانتقام” قدمه نور الشريف في منتصف التسعينيات ليؤكد صلاحيته كنجم لهذه النوعية من الأدوار في رهان مع نفسه وجمهوره.

 ولكن خانه التقدير في الإحاطة بكل الملابسات والحسابات، وخاب أمله بعد النجاح المحدود للتجربة الأخيرة مع صديق عمره، التي لم تكن هناك ضرورة حتمية لإضافتها لسجلهما الفني الحافل بالنجاحات والامتيازات والجوائز.

قدم سمير سيف في فترات الركود السينمائي والتحول إلى التلفزيون أعمالاً درامية، جد قوية هي “البشاير” لمحمود عبد العزيز ومديحة كامل، وهي مبادرة مبكرة لمخاطبة جمهور الشاشة الصغيرة، وأيضاً كان له السبق في تجسيد قصة حياة سعاد حسني في مسلسل “السندريلا” كما أسهم بأعمال أخرى هي، “قلوب عطشى” و”نسيم الروح” و”بالشمع الأحمر”. وانتهت مسيرته الفنية والإبداعية وهو لا يزال رئيساً للمهرجان القومي للسينما المصرية كآخر محطة لإبداعه وإسهامه ودورة المهم والبناء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية