وهكذا نجا محمود عباس من “سموّ أخلاق القتل الإسرائيلي”!

حجم الخط
0

تحب إسرائيل الانكباب على ذكرياتها الدامية: كيف قتلنا، كيف صفينا، كيف اغتلنا، يا لنا من أبطال! بين الحين والآخر فيلم “هوية” آخر، ليس سوى بث دعائي في صالح القتل، الهذر عن بطولات إسرائيل، ودوماً بالسجود وبالإعجاب بالأبطال المصفين. ودوماً بالغمز المليء بالأسرار وبمعرفة كل شيء، دون طرح أسئلة ودون التشكيك ودون الخوض في نقاش جدي.

لا يوجد الكثير من الدول التي تبعث بوحدات التصفية لقتل أعدائها وهم نيام أمام عيون نسائهم وأطفالهم. بل وأقل من ذلك، دول تتباهى بما تفعل، وترغب في أن تروي للصحاب، بل وتجعل القتل قيمة، في ظل الطبل والزمر الإعلاميين. إسرائيل تقتل، والصحافة تنفعل. إذا كان ممكناً بشكل ما أن نفهم الدافع أو حتى المبرر لأعمال القتل والتصفية، وإن لم تكن فيها حكمة، فإن جعل أعمال القتل قدوة هو أمر لا يعقل. فقد يكون اضطراراً لا بد منه، وهذا أمر مشكوك فيه طبعاً. أما أن يكون مصدراً للفخر؟ ترفيهاً للجماهير؟ قتلاً وتسلية…؟ وبدلاً من أن يخجل المصفون بأعمالهم، وربما حتى الندم ذات يوم، نجدهم أبطال الروح في زماننا.

هكذا بُث الأسبوع الماضي في قناة “كان 11” فيلم عن تصفية بالجملة لكل قيادة حماس، خطط لتنفيذها في غزة، ولشدة الحظ لم تخرج إلى حيز التنفيذ (“قطف شقائق النعمان”، هكذا أسموا الحملة؛ “حلم كل رجل استخبارات”، كما شرحوا بتباه في الفيلم). وفي قناة “الشبكة 13” يبث الآن “قائمة التصفية”، مسلسل قدوة آخر، يستعرض قائمة القتل لدى إسرائيل ويفخر بعملياتها. وهذا الأسبوع بث الفصل عن التصفية المجيدة لخليل الوزير، أبو جهاد، الذي حظي بفيلم أيضاً في “عوفداه”، مع تلك الأعمال البطولية بالضبط. لا يوجد في إسرائيل برنامج وثائقي جدير باسمه دون قصة تصفية واحدة في الموسم.

الصيغة معظمة، أفلام توتر للجماهير، مع موسيقى خلفية وتمثيل معاد مناسب. أما الرسالة فيتجمد لها الدم: يتجول بيننا قتلة، بعضهم في قيادة الدولة، ولا يعتبرون أبطالاً فقط، بل إن بعضاً منهم يعتبرون أخلاقيين وقيميين أكثر من غيرهم بين السياسيين. ها هو مثلاً موشيه يعلون، الذي اسمه الرديف.. الاستقامة. لديه اختبار أعلى واحد.. هكذا رُوي في فيلم القتل عن أبو جهاد. “اختبار النظرة إلى المرآة”، تماماً “سيد أخلاق”.

إذا أمكن ليعلون أن ينظر إلى المرآة بعد القتل، فهذا دليل على أن القتل لم يكن قتلاً. في نظرية الأخلاقيات سجل اعتبار جديد. المهم بالنسبة ليعلون هو الفلسفة: “في فلسفتي، لا توجد مهمة مستحيلة”، أطلق كليشيه فارغاً آخر ذاك الرجل الذي يعتبر واحداً من آمال “أزرق أبيض”. كل شيء ممكن، بما في ذلك العملية التي جرت في تونس، التصفية الغبية لمن كان يمكنه أن يصبح شريكاً.

خطان مشتركان لكل قصص البطولة هذه: على أيدي المصفين يكاد يكون دوماً دم أكثر مما على أيدي من صفوهم، بما في ذلك دم أبرياء، أما هؤلاء الذي صُفوا فقد حل محلهم دوماً من هم أكثر تطرفاً وخطراً منهم. فلم تولد بعد التصفية التي أوقفت الإرهاب، ولم يخلق بعد القتل الذي أدى بالشعب إلى الاستسلام. وهذه أمور بالطبع لن يتحدثوا فيها أبداً في هذه التقارير المجيدة.

“رصاصة واحدة، صفر، 22، والحارس يموت” – تصفيق. “لو كان أطلق النار على الطفلة (ابنة أبو جهاد)، لأخذ هذا بشعور صعب” – يا لنا من أخلاقيين! أما الحقيقة العارية فهي “في النهاية أنت تفرح لأنك قتلت أحداً ما”. في مرحلة ما فكروا بأن يصفوا الجار أيضاً، أبو مازن: “عصفوران بضربة واحدة، ولكن ليس كل أبو هو على السلم نفسه”، قال صوت الحكمة، وهكذا نجا محمود عباس بأعجوبة. لو صفي هو أيضاً، ذاك الزعيم المعتدل حتى الحرج، لاعتبر قتله أيضاً نجاحاً مدوياً لذاك الإسرائيلي، بالضبط مثل قتل جاره على شاطئ تونس.

ارووا لنا المزيد فالمزيد من التصفيات. فهذا يظهر غير القليل عنا.

بقلم: جدعون ليفي
هآرتس 12/12/2019

*

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية