صحافيات العراق يستبعدن إلى الخط الثالث في العمل

سامي البدري
حجم الخط
0

عقب الاحتلال الأمريكي للعراق وحلول الفوضى في جميع مرافق الحياة والعمل فيه، ظهر إلى الساحة العراقية كم هائل من وسائل الإعلام، المرئية والمسموعة والمكتوبة، فقد صار لكل حزب قناة فضائية ومحطة راديو وصحيفة يومية ومجلة. بل كثير من الشخصيات التي لم يسمع لها بدور إعلامي سابق في العراق، أنشأت قنوات فضائية خارج البلد وبدأت بالبث للشارع العراقي، أو أصدرت صحفاً وبدأت تسويقها إلى داخل العراق.

وبغض النظر عن توجهات وأهداف هذا الكم الهائل من وسائل الإعلام، إلا أننا نلاحظ أن كوادر العمل الرئيسية فيه هي من نصيب الرجال، لهيئات التحرير وإداراته، ثم تأتي المرأة في الخط الثالث للأعمال البعيدة عن صنع القرار أو رسم سياسة المؤسسة الإعلامية، مثل دور المراسل وتحرير الصفحات الفنية والصفحات التي تعنى بشؤون المرأة والصحة والطفل، بالرغم من وجود كم هائل من الصحافيات المتمرسات في العمل الصحافي في العراق.

أما العمل في القنوات الفضائية على وجه الخصوص، ولتماسه المباشر مع البيت العراقي، عبر شاشة التلفزيون، فنلاحظ أن هذه القنوات لم تهتم بالمرأة الإعلامية إلا من حيث كونها نموذجا جماليا وتجميليا، وبعيداً عن الجانب المهني وعنصر الكفاءة فيه.

مشكلة عامة

وبمتابعة لمشكلة المرأة الصحافية في عموم بلدان العالم، وخاصة في أوروبا، نلاحظ، وحسب التقارير والاستطلاعات التي أجرتها منظمة “وان ايفرا” حول دور المرأة الصحافية والإعلامية، ومدى قدرتها على التفاعل والوصول إلى مواقع الحدث والتغطية المهنية، نلاحظ أن تلك التقارير قد أكدت على قدرة المرأة الصحافية على تغطية الأحداث بمهنية عالية جداً، بل وقدرتها على الوصول والتغطية في أوساط المرأة بكفاءة أعلى من كفاءة الرجل. ولكنها، وحسب تلك التقارير، ما زالت تعاني من التمييز الجندري، من قبل إدارات المؤسسات الإعلامية، في العالم ككل، وكذلك التشكيك بقدراتها على العمل في المناطق الساخنة، إضافة إلى التشكيك في قدراتها على العمل في مراكز صناعة القرار في المؤسسات الإعلامية وإداراتها، والتي ما زالت مقصية عنها، باستثناء حالات نادرة، من مثل صحيفة “الفايننشال تايمز” التي رأست تحريرها صحافية من أصل عربي مؤخراً، وكاثرين فاينر التي ترأس تحرير “الغارديان” منذ سنوات.

أما في العراق، وكما تذكر الصحافية (نضال. م) فإن كم وسائل الإعلام العراقية، التي انفجر بها الشارع العراقي، عقب عام 2003 فلم يشهد تولي إدارة إحداها أو رئاسة تحريرها امرأة سوى مرة واحدة، وهي جريدة “النهضة” ولبضعة شهور فقط، قبل إغلاق هذه الجريدة في عام 2005.

وتضيف: “ما زال الرجل في حقل الإعلام ينظر بشك لكفاءة المرأة الإعلامية، ولهذا فإن أعمالنا تقتصر على قسم الأخبار وتغطية النشاطات الفنية ونشطات المرأة، وتصور أن من بين مجموع مئتي صحيفة صدرت في العراق، لا تجد من يكتبن العمود في حقل السياسة إلا بالنادر، بل حتى إن تغطية المؤتمرات السياسية والإعلامية لرئاسة الوزراء مثلاً، تقصر على المراسلين الرجال”.

وتضيف زميلتها، ورود هادي: “رغم أن مشكلات المرأة الصحافية هي عامة في كل المساحات الجغرافية ولا تقتصر على العراقية وحدها، إلا أننا هنا نعاني من تمييز مركب فعلاً. فإضافة إلى التشكيك في كفاءتنا، وعدم منحنا الأدوار التي تمنح للرجل، فإننا ما زلنا نخضع لأمزجة مالكي وسائل الإعلام ورغباتهم البعيدة عن قواعد العمل وشروط الكفاءة الإعلامية. فمقدمة برامج التلفزيون أو نشرة الأخبار يجب أن تكون جميلة، وعلى جانب من الإثارة، حتى لو كانت تخطئ في قراءة جملتين من بين ثلاث جمل، وكذلك هذا ما تنص عليه الشروط غير المعلنة لمن تريد ان تكون مسؤولة قسم في صحيفة أو سكرتيرة تحرير أو غيره، وكل هذا على حساب معايير الكفاءة والمهنية، العنصر الأساسي في مهنة الصحافة الرصينة، وطبعا فإن هذا يعني أن أصحاب المؤسسات الإعلامية وبكافة أشكالها، ما زالوا ينظرون إلى المرأة عبر جسدها لا أكثر”.

التمييز الجندري

على صعيد التغطية للحدث، ما زالت المؤسسات الإعلامية تنظر إلى أن الصحافي هو أكثر قدرة على تغطية الأحداث السياسية الكبيرة والأحداث الميدانية، في مناطق النزاعات المسلحة ومناطق التظاهر، وفي أغلب دول العالم، وفي أوروبا وأمريكا ذاتهما. وطبعاً في العراق فإن الأمر أكثر وضوحاً، لأن الجميع، وليس فقط المؤسسات الإعلامية، ما زالوا ينظرون للمرأة ضمن حدود نعومة أنوثتها وغير قادرة على أكثر من أعمال البيت ورعاية الأطفال، وفي كونها فريسة سهلة وعرضة للتحرش والإغواء.

وطبعاً الاعتقاد السائد لدى إدارات المؤسسات الإعلامية، شرقية وغربية، على حد سواء، أن الأحداث الكبيرة الساخنة والمهمة، يكون الرجال الإعلاميون هم الأصلح والأقدر على تغطيتها، أما الإعلاميات فمكانهن تقديم البرامج الاجتماعية وما يتعلق منها بشؤون المرأة وحياتها البيتية كزوجة وأم.

وحسب الدراسة الميدانية التي أجراها قسم المتابعة في محطة “بي بي سي” البريطانية، والتي غطت النشاط الإعلامي في دول عدة، شرقية وغربية، بما فيها روسيا وبريطانيا، فإن وسائل الإعلام ذاتها هي من تقدم مكانة الرجل على المرأة في مناح كثيرة، وليست في العمل الإعلامي وحسب، الأمر الذي يكرس هيمنة الرجل على المرأة اجتماعياً ونفسياً، وليس على صعيد العمل الإعلامي فقط.

وحسب تلك الدراسة، فإن التغطيات الإعلامية تهتم بنشاطات الرجال وتقدمها بصورة متميزة على حساب نشاطات النساء ككل، وإن تلك التغطيات في مجموعها لا تغطي من نشاطات المرأة ما نسبته 24 في المئة فقط، وكذلك فإن التغطيات دائماً ما تظهر صور الرجال بالنسبة نفسها على حساب النساء.

مخاطر المهنة

مما لا شك فيه أن لمهنة الصحافة مخاطرها وتبعاتها، وخاصة للمرأة الصحافية في العمل الميداني. فهي عرضة للتحرش بكافة أشكاله، كما إنها عرضة للاستغلال الجنسي، من قبل أصحاب القرار ومن قبل مصادر المعلومات.

وتروي لنا ثلاث صحافيات، عما تعرضن له في هذا الجانب في العراق، وخاصة من قبل مسؤولين كبار، أثناء طلبهن لمقابلات التغطيات أو طلب الأخبار من مصادر ومكاتب المسؤولين صناع القرار.

تقول (ت. س) هكذا طلبت الرمز لاسمها: “في يوم ذهبت إلى مقر وزارة الخارجية من أجل طلب إجراء حوار مع الوزير، فطلب مني الرجل الذي استقبلني، وعرف نفسه على إنه أحد المدراء في الوزارة، ترك رقم هاتفي من أجل تحديد موعد للمقابلة. بعد نهاية عمل ذلك اليوم وبعد خروجي من مبنى الجريدة التي أعمل فيها، اتصل بي المدير المهم الذي طلب رقم هاتفي ليسألني أين أنت الآن، فأجبته أنني في الطريق إلى البيت، فطلب مني أن أحدد له موقعي بالضبط ليرسل لي سيارة لتقلني إلى الوزارة. حددت له موقعي وبعد نصف ساعة توقفت بجانبي سيارة رسمية مظللة، ولشدة دهشتي كان هو من يقودها لا سائق، وقال لي بعد ان أنزل زجاجتها القريبة مني، اركبي لنذهب نتغدى لحين أن يفرغ الوزير من اجتماعه مع أحد المسؤولين الأجانب. طبعاً لم يكن الأمر يحتاج لعبقرية خاصة لأعرف حقيقة نواياه، فقلت بهدوء، شكراً لك لأني لا أملك الوقت لهذا ومضيت مسرعة إلى أحد الشوارع الفرعية المغلقة بحاجز كونكريتي كي لا يتمكن من اللحاق بي. وتضيف: طبعاً كان من المستحيل أن أشكوه، لأنني كنت سأعرض حياتي للخطر الأكيد. والمشكلة لمن كنت سأشكوه، وأنا أعرف أن وزيره نفسه لن يكتفي بالدفاع عنه، بل ربما سيلبسني تهمة التجاوز على موظف كبير أثناء تأدية عمله الرسمي!

أما الصحافية (نور. ع) فقالت: أغلبنا نتعرض للتحرش فعلاً، تحت ستار توجيه الدعوات أو تحديد مواعيد خاصة وفي أماكن خاصة، من أجل تزويدنا بالمعلومات أو من أجل السماح لنا بمقابلة المسؤولين، وهو صار عرفاً في أغلب دوائر الدولة العراقية بعد 2003 وقد تعرضت لعشرات من أمثال هذه المضايقات خلال عملي، وإلى أن مللت وتركت الصحافة وعملت في عمل آخر، رغم حبي للصحافة.

وتقول الإعلامية سحر، كما أحبت ان تعرف بنفسها: بعد دخول كم الفضائيات الهائل إلى العراق، حلمت بتحقيق رغبتي في أن أكون معدة ومقدمة لنشرة الأخبار. وحدث أن وجدت إعلاناً في إحدى الفضائيات وتقدمت بطلب لها وأنا أحلم بإطلالة رشيقة من شاشة التلفزيون، تشبه إطلالة ريما مكتبي ونجوى قاسم، وفي يوم المقابلة انصدمت بمن قابلني وبطريقة طرحه لأسئلة لا علاقة لها لا بالإعلام ولا بأي عمل آخر. كان كل كلام صاحب القناة، الذي قابلني، منصباً على أناقتي وجمالي وعن سفرات سأرافقه فيها إلى جزر الأحلام فيما لو قلت نعم… وطبعاً لم أقلها ولم أعمل.

طبعاً هناك حالات مماثلة كثيرة لهذه، بل وأصعب، وخاصة تلك التي تعرضت صاحباتها للاعتداءات من مختلف الأنواع، كما روت لي بعض الصحافيات والناشطات في مجال حقوق المرأة، والتي دللت أن المؤسسات الإعلامية تمارس التمييز الجندري في توزيع العمل، بين الرجال والنساء، وإنها فعلاً ما زالت تنظر بعين القصور إلى مقدرة المرأة الصحافية.

المخاطر ليست بعيدة

لا يمكن إنكار مخاطر العمل الصحافي في المناطق الساخنة وساحات التظاهر فعلاً، وخاصة على الصحافية، لأنها تكون مشحونة بالعنف وردود الأفعال غير المحسوبة. وهناك أمثلة كثيرة على تعرض الصحافيات للاعتداء والتحرش اللفظي والتحرش المباشر والعنيف أيضاً، الأمر الذي أجبر الكثير منهن على قصر عملهن على الخط الثالث فعلاً والانزواء في مكاتب الصحف المجلات، تلافياً لتلك الاعتداءات والتحرشات المسيئة للسمعة.

وتلك الاعتداءات، وما رافقها من تهديدات للحياة، أجبرت الكثير من الصحافيات على ترك البلاد واللجوء إلى بلدان أخرى من أجل المحافظة على حياتهن، وأيضاً من أجل البحث عن فرص أفضل لممارسة العمل.

ولعل مضايقة التحرش التي تعرضت لها الصحافية، دارين الحلوي، مراسلة “سكاي نيوز” عربية، أثناء تغطيها لتظاهرات الانتفاضة اللبنانية، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، خير مثال على ما تتعرض له الصحافيات من أشكال التحرش التي يتعرضن لها في مناطق وساحات الحدث، حيث قام أحد المتظاهرين بتقبيل دارين، أثناء تأديتها لعملها وعلى الهواء مباشرة، والتي أوقعتها في الإحراج فعلاً، أمام عائلتها على وجه الخصوص.

وفي كتابها عن تجارب الصحافيات العربيات، عرضت الصحافية، زهرة هانكير، بريطانية من أصل لبناني، لأمثلة كثيرة من أشكال التحرش والمضايقات، إضافة لأعمال ومنجزات باهرة للصحافيات العربيات والشرق أوسطيات، وبأقلام الصحافيات ذاتهن، حيث سردت كل صحافية نماذج من حياتها المهنية، بمضايقاتها ومنجزها الباهر. وقد وثقت القصص التي تضمنها كتاب هانكير، لتجارب ومنجزات باهرة للمرأة في الميدان الصحافي، وخاصة في التغطيات المباشرة لمواقع الأحداث الساخنة. كما عرض لنجاحات مهنية حققتها أولئك الصحافيات، ومن بينهن المراسلة الصحافية العراقية، هانا علام، والتي حققت نجاحاً كبيراً بقصص تغطياتها ومقالاتها، التي لها جمهور واسع جداً في الصحافة الغربية. في حين أن الصحافيات العراقيات في الداخل، ورغم تفانيهن وإنجازاتهن الكبيرة في العمل، إلا أنهن ما زلن يعانين صنوفاً من المتاعب والمضايقات وأشكال المحاربة المهنية والنفسية أيضاً.

وفي موقع الحدث، في التظاهرات السلمية التي يشهدها العراق منذ أكثر من شهرين، نرى أن نشاط المراسلات الصحافيات يكاد يكون معدوماً، ولكن هذه المرة بسبب محاربة الحكومة لوسائل الإعلام ومنعها من تغطية نشاط هذه التظاهرات، بصيغة الاعتداءات المباشرة للقوات الأمنية على بعثات القنوات التلفزيونية، إضافة إلى اعتداءات وتهديدات القوات الأمنية لمقرات عمل ومكاتب القنوات الفضائية بصورة مباشرة، لمنعها من نقل نشاطات تلك التظاهرات، رغم سلميتها.

وكما قالت الصحافية، نور علي، فإن حمل المايكرفون ورؤية الكاميرا التلفزيونية في ساحة التحرير، صار يفزع الحكومة العراقية أكثر من الأسلحة فعلاً، لأنها صارت تفضح حقائق الإعتداءات التي يتعرض لها المتظاهرون، أمام الرأي العام العالمي والمنظمات الإنسانية العالمية، ولهذا صار من المستحيل علينا كصحافيات، الظهور بصفتنا المهنية في ساحة التحرير، وخاصة بعد عمليات الاختطاف التي تعرضت لها الناشطات المدنيات ومسعفات الجرحى من المتظاهرين، رغم عملهن في القطاع الصحي والبعيد عن الإعلام.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية