تزامن تكريم المخرج السينمائي شريف عرفة والممثلة منه شلبي في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، مع نهاية عام 2019 فبات الامتياز المستحق كأنه مكافأة مُنحت لهما في نهاية العام ليدخُلا السنة الجديدة متفائلين بمستقبل أفضل لمسيرتهما السينمائية في المقبل من الأيام.
ولو بدأنا باستعراض المشوار الفني لشريف عرفة سنجد أنه جدير بالتكريم الذي تأخر بعض الوقت، باعتباره المخرج الذي كونت أفلامه جزءا من التاريخ الحديث للسينما المصرية، من منظور واقعي رصد أهم القضايا التي شغلت المواطن البسيط على مدار سنوات. فقد لمس المخرج الكبير الهم العام وأخذ على عاتقة مسؤولية عرضه على الشاشة الكبيرة مُجسداً كي تتضح تفاصيله وأبعاده ويصير مرئياً ومسموعاً للعيان، فتلتقطه الأقلام المتخصصة بالنقد والتحليل ويُطرح للنقاش في ضوء ما تم عرضه وما كشفت عنه الأحداث وما أكدته وجهة النظر الإبداعية.
وقد مثلت أفلام شريف عرفة تصويراً بانورامياً مهماً لنبض المجتمع المصري، حيث رصدت الكثير من مواطن الألم والوجع، فما طرحة فيلم “المنسي” على سبيل المثال لم يخرج عن إطار الشكوى في تسعينيات القرن الماضي من انقسام المجتمع لطبقتين، طبقة مُعدمه يمثلها منسي، ذلك العامل بمرفق السكة الحديد والمسؤول عن تحويل مسار القطارات لمنع التصادم، وهو الدور الذي قدمه عادل إمام في مرحلة مهمة من حياته الفنية وأشار من خلاله للانقسام الطبقي وأزمة الفقراء المنسيين في غمرة الاستحواذ الكامل من جانب الكبار على الكعكة وانحيازهم المُطلق لطبقة الأثرياء التي ينتمون إليها.
ورأينا كيف أدان الفيلم الذي كتبه السيناريست وحيد حامد الحكومة السُلطوية وانتصر للشعب المغلوب على أمرة بجرأة لم تكن معهودة كثيراً في تلك الفترة.
وكذلك كانت النوعيات الأخرى من أفلام شريف عرفة، كـ”الإرهاب والكباب” و”كراكون في الشارع” و”حُب في الزنزانة” و”طيور الظلام” تشريحاً للأزمات الحقيقية التي تحيط بالإنسان فتُعجزه وتحيله إلى عنصر خارج على القانون بموجب مجموعة لوائح ومحاذير لا تراعي الحق الأصيل للمواطن في الحياة فيُصبح وهو المجني عليه والضحية، جانيا ومجرما في غيبة العدالة الاجتماعية.
لقد تجلت حساسية شريف عرفة في العديد من النماذج السينمائية التي جاء أغلبها متجاوباً مع الإحساس الفطري للجمهور البسيط الذي رأى نفسه في اختيارات المخرج وأفكاره وأعماله، والتي كان آخرها فيلم “الكنز” الذي توزعت بطولته على أكثر من نجم ونجمة في جزئين مهمين بنفس العنوان فأتيحت الفرصة كاملة لمحمد رمضان ومحمد سعد وخالد الصاوي وهند صبري وسوسن بدر، ليتباروا ويُبدعوا في جو نظيف من المنافسة الشريفة، فذهبت جائزة أحسن ممثل في مهرجان “جمعية الفيلم” في دورته قبل الماضية لمحمد سعد الذي قدم دوراً فارقاً في مشواره الفني كله وخرج لأول مره من قمقم “اللمبي” الذي حبس نفسه فيه لسنوات طويلة.
تلك هي ملامح سينما شريف عرفة التي تميز بها واستحق عنها التكريم في لمحة ذكية من الذين رشحوه للتكريم واختاروه ليكون هو شخصية العام من المخرجين المصريين.
ويأتي تكريم منه شلبي مبكراً إذا قارناها بمن سبقوها من النجوم والنجمات الكبار الذين كرمهم مهرجان القاهرة بعد انتهاء رحلتهم ومضي عصرهم وزوال بريقهم وهم كُثر ولا مجال الآن لذكر أسمائهم، المهم أن منه وهي واحدة من الممثلات المتميزات، كانت محظوظة بتكريم جاءها قبل انتهاء موسم 2019 مباشرة ليؤكد ثباتها على ساحة النجومية برغم تزاحمها بالعديد من الطاقات الإبداعية الشابة والوجوه الجديدة التي دخلت بالقطع حلبة المنافسة وتقاسمت الأدوار مع النجوم والأبطال التقليديين.
وبالتأكيد كان لرصيد منه شلبي الوفير من الأفلام المعتبرة التي قدمتها عبر رحلتها، دور رئيسي وأساسي في اختيارها لتكون المُكرمة الاستثنائية والوحيدة تقريباً هذا العام، فهي بطلة “الساحر” و”بحب السيما” و”بنات وسط البلد” و”نواره” و”هي فوضى” وصاحبة الاختصاص في تجسيد الشخصيات الصعبة بحساسية مُفرطة ووعي يسبق عمرها الفني والزمني، فلم تقتصر أدوارها على الأداء الرومانسي الناعم فقط وإنما تجاوزت مرحلة المراهقة التأثيرية لتصل إلى مستوى النضج فتصبح جديرة بالتكريم ومعدودة ضمن الكبار المهمين والمشكلين للخريطة السينمائية بماضيها القريب وحاضرها الراهن ومستقبلها الموعود.