في أجواء مفعمة بالتهديدات.. أردوغان يحول مساحات واسعة من البحر المتوسط إلى “مياه اقتصادية” لتركيا

حجم الخط
2

في عام 1571، قرب مضيق كورينتوس في اليونان، في المكان الذي يسمى لابينتو، ألحق أسطول أوروبي مشترك هزيمة ساحقة بالإمبراطورية العثمانية. ومنعت هذه المعركة سيطرة عثمانية محتملة في البحر المتوسط. لقد كان للإمبراطورية العثمانية جيش بري قوي، ولكن أسطولها كان ضعيفا تشكل في معظمه من رجال بحر يونانيين. اليوم، بعد نحو 450 سنة، يفهم أردوغان، الذي يرى نفسه كالسلطان التركي، أهمية الأسطول البحري.

لتركيا الأسطول الأقوى في البحر المتوسط. ومفخرة الأسطول التركي هي 14 غواصة ألمانية متطورة (وعلى ما يبدو أربع غواصات أخرى مخطط لشرائها من ألمانيا، وأغلب الظن دون أن تطلب ميركل إذن البيع من إسرائيل)، و20 سفينة صواريخ أخرى مزودة بأفضل السلاح الأمريكي وحاملة طائرات خفيفة ستدخل قريباً في الخدمة العملياتية. ومقابله، هناك الأسطول المصري المتعاظم، وكذا الأسطول اليوناني، وهما أضعف منه. كل هذه المعطيات تلقى المعنى أمام ثلاثة سياقات تجري منذ زمن ما في الحوض الشرقي من البحر المتوسط.

الأول، مكتشفات من مخزونات كبرى من الغاز في الحوض الشرقي من البحر المتوسط واحتمال الثراء الهائل القائم فيها. ومجرد السياق يبعث على السؤال لمن تعود المياه التي يوجد فيها الغاز والنفط. في هذا الإطار يصعد إلى المنصة اصطلاح “المياه الاقتصادية”. هذه المياه تعرف كالأراضي البحرية التي للدولة فيها الحق في استغلال المقدرات الطبيعية على مسافة تبعد حتى نحو 300 كيلومتر عن شواطئها، بقدر ما لا تدخل إلى “المياه الاقتصادية” لدولة مجاورة.

السياق الثاني هو “السيطرة” بالقرصنة من جانب الأتراك. فقد بدأ هذا في أنهم أخذوا ينفذون تنقيباً عن النفط في المياه السيادية لقبرص، مستخفين بالاتحاد الأوروبي. وواصل هذا قبل نحو أسبوعين، حين أعلن الأتراك رسمياً أنهم توصلوا إلى اتفاق مع حكومة ليبيا على “مياه اقتصادية” مشتركة تمتد من تركيا وحتى ليبيا، رواق بحري بطول نحو 700 كيلومتر وبعرض نحو 200 كيلومتر يقطع البحر المتوسط بين قبرص وكريت التي في اليونان. وبعبارة بسيطة: سطا الأتراك على مساحة من “المياه الاقتصادية” من اليونان وقبرص والقليل من مصر.

السياق الثالث هو “حرب الدولتين” المتعاظمة في ليبيا، التي تتقاتل فيها حكومتان، الأولى في طرابلس غربي الدولة، وتعترف بها الأمم المتحدة ويدعمها الاتحاد الأوروبي وتتلقى مساعدة عسكرية تركية آخذة في التعاظم. وقّعت هذه الحكومة على الاتفاق مع تركيا. أما الثانية، فتسيطر على معظم أراضي الدولة، وتتلقى مساعدة عسكرية روسية، وتحظى بدعم من مصر والسعودية. وهي بالطبع لا تعترف بالاتفاق مع الأتراك.

وهكذا، بينما ينشغلون عندنا باهتمام شديد في صراع ساعر ضد نتنياهو، تمكن سلاح البحرية التركي من طرد سفينة بحرية إسرائيلية من شواطئ قبرص، أما الحوض الشرقي للبحر المتوسط فيسخن قبيل الشتاء. الأجواء مفعمة بالتهديدات: الأتراك يهددون، والمصريون يهددون، واليونانيون يشتكون ويحتجون.

ومن يصمت؟ الاتحاد الأوروبي الذي داست تركيا بقدم فظة على سيادة اثنتين من أعضائه. السبب: أردوغان يهدد بإغراق أوروبا ببضعة ملايين من اللاجئين، والاتحاد الأوروبي يرتعد. تصوروا كيف كان سينهض كالأسد لو كانت إسرائيل “تجرأت” على إخلاء البدو من الخان الأحمر. وأين قيادة ترامب؟ يخيل إليّ أنه وحده من يمكنه أن يضع حداً لعربدة أردوغان. ولكن دعكم من أوروبا: هذه أيضاً مشكلة أمنية لنا، ستتفاقم في المستقبل إذا ما واصل السلطان قرصنته.

بقلم: عاموس غلبوع

معاريف 19/12/2019

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية