فيلم «ولولة الروح»… وجع العزلة ونشيد الحرية المفقودة

يبدأ لغز الفيلم المغربي المهم من عنوانه «ولولة الروح»، حيث البحث عن ما ينبئ بالمعنى في تفاصيل الأحداث المثيرة والغامضة، وحكاية الضابط الذي يهبط على القرية الآمنة ليفتش عن الخلايا السرية للتنظيم اليساري المناهض للدولة في سبعينيات القرن الماضي.
يتبع مخرج الفيلم عبد الإله الجوهري أسلوباً جاذباً في التمهيد للفكرة السياسية – الاجتماعية – الإنسانية، التي ينطلق منها في بنائه الدرامي، ليذهب إلى ما هو أبعد من مجرد الظن بأننا بصدد التعامل مع أزمة عادية من أزمات المجتمع الثالث، فهو يرتكن إلى جريمة قتل تقع في محيط القرية الفقيرة، تروح ضحيتها فتاة لم يشر إلى هويتها، وإنما يشار إلى سلوكها المنحرف، بيد أن التحقيقات وأقوال الشهود تكذب هذا الزعم وتؤكد أن الفتاة المقتولة لم تكن سوى واحدة من الأبرياء، الذين تذهب أرواحهم سُدا كونهم أبرياء فقط !
من هنا يُعمل المخرج أدواته للإسقاط، فيربط بين الجريمة الفردية والجرائم العامة، إذ تتعدد حوادث القتل وتُقيد كلها ضد مجهول بعد الإجراءات الصورية التي تتخذها السُلطة حيال ما يقع من الحوادث المتتالية، لاسيما أن المتهم الوحيد الذي يتم القبض عليه فاقد للأهلية وهو أيضاً واحد من دلالات الجرائم المنظمة وضحاياها والمنسوب إليه زوراً القيام بالقتل العمد مع سبق الإصرار، وهو وعي آخر لدى القاتل الحقيقي بكيفية التعتيم على المخطط الدموي لتغييب الحقيقة لحماية مجهولين، لم يتم الإفصاح عنهم إلا بإشارات سريعة غير دالة على هواياتهم ومراكزهم.
وتتحدد الأطر الرئيسة للفيلم في بعض المحاور، أولها الضابط الشاب المكلف بمطاردة المتمردين السياسيين، وعلاقته المضطربة برؤسائه من الضباط الكبار، ثانياً الصحافي الذي يتعقب جرائم القتل ويحاول الوصول إلى خلفياتها ومرتكبيها، ثالثاً الشيخ الزاهد الذي يعيش مع شقيقته معزولاً عن العالم إلا اهتمامه بعلم الفلك وترقبه لحركة النجوم والكواكب ومحاولات استنتاجه الدائم لما يمكن أن تُسفر عنه الظواهر الكونية، وما يمكن أن تُحدثه من تأثيرات إيجابية في حياة البشر على مستوى الواقع المعاش.

يستغرق المخرج كثيراً في توظيف الصحراء عبر كادرات واسعة ليعطي المُشاهد إحساساً خاصاً باتساع الكون ورحابته، ويثبت لديه المفهوم الأعم والأشمل، بأن الملك كله لخالقة وليس لسُلطة حاكمة أو نفر من العسس

وبحسب الأهمية والترتيب، فإن الضابط يُعلن عصيانه ويقدم استقالته من عمله ليتسق مع طبيعته التواقة إلى الصوفية وعالم الروحانيات والسلام النفسي الداخلي، وهي إضاءة يقدمها المخرج في سياق خاص كأنها التطهر من رجس السُلطة وممارسات التلصص على الآخرين، لاستهداف حريتهم ومستقبلهم وأرواحهم، غير أن الشر يلحق بالصحافي الباحث عن الحقيقة فيتم نفيه وإقصاؤه لتظل الحقيقة غائبة وفي حُكم الميتة ويظل المقاتل المثالي كبش الفداء.
أما الشيخ فلا يمنعه من المعاقبة إلا صمته وابتعاده عن لغو السياسة وانتظار الحل الجذري من السماء، كي يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود عند بزوغ الفجر، وهو تلميح إلى القدرية في عملية التغيير، حيث لا مشيئة إلا مشيئة الله، وكذلك شأن أخته التي تؤمن به وتتبعه، وهو تسليم مُطلق بقدرة الخالق عز وجل ويقين لا يملكه إلا من صلح عمله، وخلصت نواياه وترك الدنيا وما فيها خلف ظهره، هكذا دلت المشاهد المتكررة لحالة الوجد الصوفي المسيطرة على الشيخ وأتباعه من العابدين الزهاد، ورمزية الصحراء الشاسعة بصفرتها ورهبتها، والأصوات الصادحة فيها بالإنشاد والمديح، ودقات الدفوف التي تشبه الإنذار للإيقاظ من الغفلة. ويستغرق المخرج كثيراً في توظيف الصحراء عبر كادرات واسعة ليعطي المُشاهد إحساساً خاصاً باتساع الكون ورحابته، ويثبت لديه المفهوم الأعم والأشمل، بأن الملك كله لخالقة وليس لسُلطة حاكمة أو نفر من العسس، فالحرية التي ننشدها مكفولة لمن ينظر أبعد من محيطة الضيق ولا يسجن نفسه داخل الذات الخائفة المرتجفة من ذوات أخريات أشد خوفاً وارتجافاً، وهم كما أشار الفيلم في سياق دلالي بليغ، عُصبة يرأس بعضها بعضاً، ولا يوجد بينهم وفي ولا شجاع، اللهم غير ما يتركه الخوف من أثر في نفوس المحكومين فتتهيأ لهم إمارات ومزاعم البطولة.
تلخيص يفي بالمعنى والمغزى ويُغني عن التفسير الحرفي لما تضطلع به المعالجة الدرامية التي قدمت مستويات عديدة للغة سينمائية فريدة برع في تقديمها أبطال كبار هم، يوسف عربي وسعيدة بادي وجيهان كمال وآخرون ممن جسدوا أدواراً ثانوية لا تقل ضرورة عن الأدوار الرئيسية، ولم تقتصر العملية الإبداعية على الجانب التمثيلي فقط، ولكنها شملت التصوير والموسيقى والمونتاج لتكتمل الرؤية بكل أبعادها فتتعرى مجتمعات القسوة وسياسات الاستبداد في العوالم المجازية أو الحقيقية بحسب ما يرى كل متلق.

٭ كاتب من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية