هناك لبس كبير بين المعاصرة والراهنية. وأتصور أن الشعر الراهن هو الأقرب إلينا زمنيا، الشيء الذي جعلني أميز في هذه الورقة بين الشعر المغربي المعاصر والشعر المغربي الراهن، تفاديا لما قد يلحقها من سوء الظن.
حريّ بنا أن نشير في مستهل المقالة إلى أن الشعر المعاصر قد تناوله، انطلاقا من المعيار التجييلي، مجموعةٌ من النقاد بدءا بكتاب «ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب» للناقد محمد بنيس انطلاقا من المنهج البنيوي التكويني، إذ خصصه لدراسة منجز جيل الرواد في ستينيات القرن المنصرم، مرورا بكتاب عبد الله راجع الموسوم بـ»القصيدة المغربية: بنية الشهادة والاستشهاد»، حيث درس فيه المتن الشعري السبعيني، ووصولا إلى كتاب «المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي» للشاعر والناقد صلاح بوسريف، الذي درس فيه المنجز الشعري المغربي الثمانيني.
واضح إذن أن عنوان المقالة يخص بالسؤال المنجز الشعري المغربي، الذي كتب منذ تسعينيات القرن الماضي إلى يومنا هذا؛ وهو على كل حال منجز لا يخضع لمنطق الجيل الذي استحكم في الأجيال الثلاثة السابقة، التي تحقق لها من الانسجام التجييلي ما جعلها تتمايز تباعا، على عكس المنجز الشعري المغربي الراهن، الذي يفتقد لأي انسجام فني أو فكري، وغير متواشج في أي وشيجة من شأنها أن تضعه في هذه التراتبية التجييلية. لذا آثرنا نعت هذا المنجز بالحساسية الجديدة، لما فيه من دقة هي أقرب إلى الموضوعية. إن المتأمل لهذا المنجز بإمكانه أن يلاحظ، أن ما يميز هذه الحساسية هو الرواج الشعري الحاصل على مستوى الإصدارات الشعرية من جهة، وعلى مستوى التداول الإلكتروني من جهة أخرى. هذا الأمر جعل الكثير من المتتبعين للمشهد الشعري المغربي ينظرون إليه بعين الشك والريبة، بل يذهبون إلى أن الشعر المغربي الراهن يعيش أزمة خطيرة، بالنظر إلى الكم الهائل من النصوص المنشورة في وسائل الإعلام هنا أو هناك، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، من دون حسيب أو رقيب، الشيء الذي جعل فعل الكتابة في مهب الاستسهال والتسطيح.
والحق أنه إذا ما نظرنا إلى هذا التراكم الكمي من زاوية أخرى، لا من الزاوية السابقة، وبعين متفائلة، لا بمقارنته مع التجارب الشعرية الماضية، بل بالنظر إليه في ذاته، سيتبين لنا بسرعة أن الظاهرة صحية، وأن الشعر المغربي بخير وفي حالة جيدة، لا كما يتصوره الكثيرون. فإذا ما عدنا إلى تاريخ الشعر العربي، سنلفيه في أزهى عصوره كان يعيش الوضع نفسه؛ خذ مثلا العصر العباسي أو الأندلسي أو الأموي، ستجد أن الشعراء الذين غيروا مجرى النهر الشعري، أو أخذوه عكسيا هم قلة ولا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، أو أكثر بقليل في كل عصر من هذه العصور؛ لأن ما يدوم هو ما يؤسسه الشعراء الحقيقيون، على حد قول الشاعر الألماني هلدرلين، أولئك الشعراء الذين كان لهم مشروع شعري أو كانوا يكتبون بالمعرفة، أو أخذهم الشعر إلى مضائقه، مثلما قال أبو نواس «يعرف الشعر من دفع إلى مضائقه»؛ مع العلم أنه لولا الرواج الحاصل على مستوى الإنتاج، وكذا التدافع الشعري، لما كان لذلك أن يتحقق، لأن ما يدوم «وينفع الناس فيمكث في الأرض، وأما الزبد فيذهب جُفاءً». ومن ثم أبادر وأقول إن الشعر المغربي الراهن لا يعيش أزمة، على الأقل كما يتصورها البعض، وحتى لو سلّمنا بوجود أزمة، فأين تكمن؟
كونية الوعي الإبداعي: تأثر الشعراء بالتجارب الشعرية العالمية بتبني بعض الأنماط الكتابية العالمية كتجربة الهايكو كشاهد.
بعد المعاينة النقدية لأهم تجارب هذه الحساسية، تبين لنا بالملموس أن المشكلة ليست في الاختيارات الجمالية، التي يمكن اعتبار بعضها إضافة نوعية للشعر المغربي، وإنما المشكلة تكمن في صعوبة الوصول إلى القارئ، لاعتبارات عديدة سنعود إليها بعد الوقوف عند أهم مظاهر هذه الاختيارات. إن المتأمل لهذا المنجز سيلاحظ أن فعل الكتابة عند شعراء الحساسية الجديدة، صادر عن ذات متشظية ترفض الامتثال لشكل واحد، أو عمارة محددة سلفا. هذا التذويت كان الإطار المرجعي لفعل الكتابة الشعرية الراهنة، لعل من أهم تمظهراتها ما يلي:
– اللغة المنشرحة: لغة تتراوح بين المواربة والترميز.
– التشذير: وهي كتابة تغلب عليها الميول الفلسفية المغلفة بأسلوب رؤيوي معقد.
– كونية الوعي الإبداعي: تأثر الشعراء بالتجارب الشعرية العالمية بتبني بعض الأنماط الكتابية العالمية كتجربة الهايكو كشاهد.
– هجرة النص الشعري: لقد أصبحت الترجمة سبيل الشعراء إلى الكونية المنشودة، وإن كانت هذه الهجرة مشوبة بالفوضى والعفوية.
لكن ماذا عن الصعوبات التي تعترض عملية تداول هذا المنتوج بين جمهور الشعر؟ لا شك في أن العلاقة بين الشاعر والجمهور الآن أصبحت محكومة بالتوتر والانقطاع لأسباب متعددة نجملها بعجالة في النقاط الآتية:
*عدم تشجيع المؤسسات الداعمة والراعية للشأن الثقافي المغربي لهذه التجارب الجديدة إنتاجا وتسويقا، واقتصارها فقط على بعض الأسماء المكرسة إلى الحد الذي جعل الشعر يبدو مملّا.
ابتعاد الشاعر عن القضايا الإنسانية، وانتصاره المطلق للجمالي على حساب الإنساني في العملية الإبداعية، الشيء الذي جعل الجمهور لا يجد نفسه في بعض النصوص، فكان أن عمم القارئ سخطه على باقي التجارب الشعرية.
*المنافسة القوية التي فرضتها الرواية باعتبارها ديوان العرب الجديد.
*التطور السريع لآليات التلقي والاستقبال، في غفلة من جل الشعراء الذين لم يستوعبوا هذا التحول.
ومع كل هذه الضبابية التي تلف مشهدنا الشعري الآن، فإننا نقول إن الشعر المغربي يعيش اليوم مخاضا إيجابيا في صالحه، وأنه ينبغي علينا أن نتفادى أحكام القيمة التي تفسد ولا تصلح، فقط لأن الحكم متروك للمستقبل.
٭ شاعر وناقد مغربي