■ شهد عام 2019، ألوانا سينمائية مختلفة، تراوحت كما هو معتاد بين الكوميدي والأكشن، فيما ظهر شكل آخر لسينما لعبت على الحالة الذهنية كمنشط لعملية التفكير، وهي حالة أقرب لما يُسمى بالواقعية السحرية، جاءت متمثلة في الجزء الثاني من فيلم «الفيل الأزرق» الذي رفع أسهم السينما المصرية في شباك الإيرادات، بعد هبوط استمر لعدة شهور، وكاد أن يصيب سوق الإنتاج والتوزيع بسكتة مفاجئة في الدورة الموسمية.
ولم تكن عودة الحياة لدور العرض وشباك التذاكر نتيجة تميز في الشكل الجديد للإثارة، ومُغريات الإقبال، وإنما لغرابة الطرح وسعي الجمهور للمتشابه الفني مع السينما الأمريكية، ورغبته في رؤية صورة مماثلة لنوع سينمائي ممصر، وناطق بالعربية، يوفر له عناصر الجذب ويعوضه عن الترجمة التي تقتطع جزءًا من تركيزه، فضلاً عن الانحياز الطبيعي لدى الغالبية للمُنتج الفني المحلي، بطقوسه وعوالمه القريبة من العقلية والذائقة المصرية، الراغبة في مثل هذه النوعيات.
ويأتي عامل الثقة في النص السينمائي عنصراً مضافاً للغواية، ودافعاً للمشاهدة والرواج، لا سيما في ظل التوظيف الإخراجي الناجح لإظهار عناصر الإبهار والجودة، وهي دواعي وضروريات تحققت بشكل كبير، فجعلت فيلم «الفيل الأزرق» الأكثر حصاداً للإيرادات في السنوات الأخيرة للسينما المصرية قاطبة، بحسب المؤشرات والأرقام، غير أنها خلقت إيهاماً بأنه الفيلم الأهم على مستوى التقييم الجماهيري.
وقد تزامن عرض «فيل» أحمد مراد ومروان حامد وكريم عبد العزيز، مع عرض أفلام أخرى ليست أقل قيمة، ولكنها لعبت فقط في المنطقة المستهلكة من الكوميديا والأكشن، فلم تصل رغم تميزها النسبي إلى حد المنافسة، وبصفة خاصة فيلم أحمد حلمي «خيال مآتة» للمخرج خالد مرعي، وهو أحد النماذج المختلفة التي حاولت تغيير الشكل النمطي للصورة الكوميدية التقليدية، باللجوء إلى حالة ذهنية أخرى تعتمد على اجترار الذكريات في حياة البطل، وتقديم الدهشة من خلال الأقنعة المتعددة للشخصية، وهي الرؤية التي تنطوي على معنى مهم، مفاده كشف المخزون السيكولوجي للإنسان، عبر مشواره الحياتي، وصلته بما يراه ويعيشه في واقعه المعاصر، ويعد ذلك الدور المركب مغامرة خاضها أحمد حلمي من غير أن يحسب حساباً لمقاييس الجمهور المتغيرة، وسوء الحظ الذي صادفه فأوقفه عند مُفترق الطرق.
تزامن عرض «فيل» أحمد مراد ومروان حامد وكريم عبد العزيز، مع عرض أفلام أخرى ليست أقل قيمة، ولكنها لعبت فقط في المنطقة المستهلكة من الكوميديا والأكشن، فلم تصل رغم تميزها النسبي إلى حد المنافسة
وفي الموسم نفسه ولأسباب تتعلق باختياراته الشخصية للأدوار، يخسر محمد سعد آخر ما تبقى لديه من الرصيد الشعبي في فيلم «محمد حسين»، النوع الكوميدي الرديء الذي لم تخرج تفاصيله عن سلسلة أفلام اللمبي، التي بدأ بها وكانت سبباً في تعطيل مسيرتة كنجم كان متوقعاً له الاستمرار على القمة لسنوات مقبلة، لولا إصراره على التقوقع داخل الشخصية الواحدة والعجز عن إبطال سحرها وتأثيرها.
وفي محاولة يائسة وبائسة شارك رامز جلال بفيلم «سبع البرمبه» ليستثمر النجاح المتراكم في البرنامج الرمضاني القائم على الحيل والألاعيب والمقالب، التي يوقع فيها ضيوف حلقاته، لكنه راهن رهاناً خاسراً أو بمعنى أدق تم الرهان عليه، ولم يفلح الرهان ولم يستطع التقدم سوى بضع خطوات واهنة ومترددة، في سباق النجوم الذي تأخر فيه عن الركب، رغم الاعتماد على بيومي فؤاد كورقة رابحة وعنصر داعم بقوة للفيلم.
على صعيد آخر جاءت حزمة أفلام الأكشن متباينة في مستوياتها وجماهيريتها ودرجات نجاحها، حيث كان الفارق فيها لعدد محدود، استطاع أن يسجل بيانات مقبولة، رفعت الحرج عن الأبطال في بورصة الأرقام والحسابات، ولعل من أبرز ما تم حصره فيلم «الكنز 2» للمخرج شريف عرفة، وهو الذي تقاسمت فيه مجموعة من الأسماء البطولة، كمحمد رمضان وهند صبري والراحل هيثم أحمد زكي ومحمد سعد وروبي، وقد نجح المخرج في خلق التوازن بين الشكل والمضمون، فحقق المعادلة الصعبة ليرتقي إلى المستوى الآمن، بل يقفز إلى سقف الربح بشكل لافت.
وبالتوازي حقق فيلم «كذا بلانكا» نجاحاً ملحوظاً زاد من أسهم أمير كرارة كبطل مقنع في مغامرة الأكشن، مع غادة عادل التي تتمتع بقبول لدى قطاع كبير من الجمهور، وأيضاً تتميز باللياقة البدنية والرشاقة، فتُضفي مسحة من بريق الأداء النسائي النوعي لهذه الأدوار الاستثنائية.
وبالمقياس نفسه يتفوق فيلم «أولاد رزق» للمخرج طارق العريان، الذي يضم نخبة من النجوم هم باسم سمرة وأحمد عز وعمرو يوسف ومحمد ممدوح وسوسن بدر، إذ تتجلى حالة استثمار الروح الشبابية، ويتم الرهان أيضاً على الأكشن كلغة وأسلوب ومادة خام سريعة التداول في محيط الجمهور الشعبي، الذي تستهويه لعبة المعارك والمطاردات، ويميل بطبيعته وبحكم ثقافته إلى البطولات الخارقة التي تمثلها كافة العناصر المشاركة. ومن النوعيات الدرامية التي استخدمت غطاء العنف والأكشن لضمان النجاح، ولعبت على وتر الإرهاب كحالة راهنه مثيرة للاهتمام، فيلم «الخلية» الذي بلغت إيراداته كما هو مُعلن نحو 90 مليون جنيه في العرض الأول، واعتبره خبراء السوق من صُناع السينما فتحاً اقتصادياً كبيراً، شجع على المضي قُدما في هذا الاتجاه، ولعله كان الدافع وراء إسناد البطولة لأحمد عز في فيلم «الممر» وهو من نوعية الأفلام الحربية الخاصة جداً، وقد حقق نجاحاً متوازناً إلى حد ما، ولكنه لم يصل من حيث الإيرادات إلى المعدلات المذكورة سلفاً. أما «حملة فرعون» لعمرو سعد ومحمد لطفي فلم يكن له نصيب من النجاح المدوي، كما كان متوقعاً، بينما مرّ عليه الجمهور والنقاد مرور الكرام، ليبقى مجرد تحصيل حاصل في حساب السنة السينمائية!
٭ كاتب من مصر