من واجبنا اليوم، والعربية تعيش في عوالم لغوية لا عهد لها بها، مثل انتشار لغات كالإنكليزية والإسبانية والصينية وغيرها، تؤثر فيها تأثيرا بعيد المدى، أن نعيد وصف العربية وصفا علميا، بلا حرج من استخدام المفاهيم الحديثة، في الكلام على النصوص المقدسة، ونعني في السياق الذي نحن فيه النص القرآني؛ وأن نفتح ولو «ثغرة» في جدران هذا العالم اللغوي الديني المنغلق على نفسه أستيطيقيا.
ولا تعنينا في هذا المقترب الناحية الدينية أو السوسيولوجية أو السياسية أو الاقتصادية، حيث عالم النص القرآني مشرع على أنشطة أخرى قد تتعلق بالتربية الاجتماعية أو بإذكاء الصراع الأيديولوجي أو توظيف الخطاب الديني، أو حتى بتحقيق الكسب المادي، كما نلاحظ في قنوات تلفزيونية عربية وإسلامية كثيرة… ولعل من الواضح أن ما ندعو إليه ليس بالعمل التأويلي، وإنما إعادة ترتيب علاقتنا بهذا النص، عسى أن نتمكن من إعادة وصف عربية اليوم، وإعادة بناء نحوها ومعجمها.
نقول هذا استئناسا بالقدماء، فقد تلازم الشعر والقرآن في شتى دراساتهم اللغوية ومعاجمهم ومصنفاتهم في النحو والبيان والفلسفة، وهما اللذان نشآ واستحكما في بيئة واحدة، ثم هاجرا إلى بيئات لغوية أخرى غريبة. وهو ما ييسر لنا أن نفهم هذه القداسة المثيرة، التي يضفيها المسلم على عربية القرآن، على الرغم من أنها ثمرة أوضاع لغوية وتاريخية مخصوصة، تؤكدها الأوضاع التي بنيت عليها مصنفات اللغة والنحو.
على أن هذه اللغة القرآنية تظل قرين لغة مكتوبة، تتميز عن اللغة المنطوقة بعدد من الخصائص، مثل استخدام قواعد النحو ومفردات اللغة استخداما محكما، حتى لا يعتريها اللبس والغموض، شأنها شأن الشعر؛ وهو ما يفسر تلازمهما في شتى علوم اللغة.
إن قضية «شعرية» النص القرآني أو أدبيته أو إنشائيته، جمالية بالأساس أي هي قضية فلسفية كلما تعلق الأمر بالنص القرآني. وقد اختلف علماء العرب بشأنها، أي بمدى حضور الجمالي ووظائفه وأشكاله وهيئاته. وكانوا على حيطة وحذر كبيرين، إزاء هذه المسألة؛ حتى لا يلتبس القرآن بالشعر. وربما غاب عنهم أن «الشعراء يقولونَ ما لا يفعلون»، أو هم «في كل وادٍ يهيمون» ليسوا في المنظور القرآني كل الشعراء؛ وإنما طائفة منهم كانت تعتقد في «شياطين الشعر»، على الرغم من أن الشاعر ليس مطالبا بالمناسبة بين قوله وفعله، وإنما بفعل القول.
وفي القرآن من حيث هو «شعر» لا بمعنى القصيدة؛ وإنما بمعنى «الصنعة اللطيفة في نظم الكلام» كما يقول الباقلاني (950/ 1013)، ما يحيل على أساليب الشعر في إجراء الصورة وتوخي لغة الضرورة، والإيقاع ونحو الشعر. من ذلك قول النبي «زينوا القرآن بأصواتكم» و«ما أذن الله لشيء ما أُذِن لنبي يتغنى بالقرآن»؛ وما يُروى عنه يوم فتح مكة، من أنه كان «على ناقة له يقرأ سورة الفتح، فرجع فيها» والترجيع هو ترديد الصوت في الجهر بالقول مكررا بعد خفائه، أو قول النبي لأبي موسى الأشعري وهو يرتل القرآن:» لقد أُوتيتَ مزمارا من مزامير آل داوود». وهذا وغيره يذكر بقول حسان بن ثابت:
تغن بالشعر إما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ بل إن إنشائية القرآن تتجلى في نوع من الأداء» مثل «المنكوس القرآني» أو استعمال اللفظة التي تٌقرأ طردا وعكسا مثل:»كل في فلْك» (سورة يس) أو»ربكَ فكبر» (سورة المدثر)، بل في شكل»التسميط» كما هو الأمر في كثير من مزامير داوود. وهذا يقتضي إعادة توزيع الآيات القرآنية على البياض. والتسميط على نحو ما جاء في تعريفه، هو أنْ يُدير الشاعرُ بَيتَه على أربعة ِأقسامٍ: ثلاثةٌ منها على سَجعٍ واحدٍ، بخلافِ قافيةِ البيتِ كقول جنوب الهُذَلية:
وحَربٌ وَرَدْتَ وثغرٌ سَدَدْتَ وعِلْجٌ شَدَدتْ عليه الحِبَالا
وقول الشاعر:
في ثَغره لَعَسٌ في خَده قَبَسٌ في قَده مَيَسٌ في جسمِه تَرفُ
هذه اللغة القرآنية تظل قرين لغة مكتوبة، تتميز عن اللغة المنطوقة بعدد من الخصائص، مثل استخدام قواعد النحو ومفردات اللغة استخداما محكما، حتى لا يعتريها اللبس والغموض، شأنها شأن الشعر؛ وهو ما يفسر تلازمهما في شتى علوم اللغة.
فأتتْ بعضُ أجزاءِ هذا البيت مسجَعةً على خلاف قافيتهِ، لتكون القافيةُ بمنزلةِ السمطِ، والأجزاءُ المسجعةُ. ومثال ذلك في القرآن: إقرأْ باسم ربك الذي خلق/ خلق الإنسانَ من علقْ إقرأْ وربك الأكرم/ الذي علم بالقلمْ علم الإنسان ما لم يعلمْ (سورة العلق).
ولنا في هذا السياق أن لا نتحرج من إدراج مفهوم الأداء الشعري، أو الإنشائي بالمعنى الاستطيقي، أو الجمالي للكلمة، أي طريقة وجود الأثر نفسه، ضمن ما يمكن أن نسميه أنطولوجيا القرآن، ودلالته الهيرمينوطيقية. فالنص القرآني مثلُه مثَلُ أي أثر فني لم ينقطع تأثيره على تعاقب الأزمنة والعصور، يصلح أن يكون مدونة للتفسير الأنطولوجي؛ أي أنه من البراديغمات، التي لا يزال كثير من المسلمين يستخدمونها في مقاربة العالَم، أو فهمه أو تفسيره. وهو من هذا الجانب يتمثل رؤية للكون يُفترض أن تكون قائمة على نوع من الانسجام، بما تعنيه هذه الرؤية من تمثل منسجم للعالم، أو معقولية أو نسقية وهي من شرائط البراديغم أو مكوناته.
الوصف الذي ندعو إليه، أساسه مصادرة يطمئن إليها كل من يعرف تاريخ العربية، وهي الآصرة المتينة بين النص القرآني والنص الشعري. فإنشائية السورة هي في جانب كبير منها، من إنشائية القصيدة. وأكثرُ شعر العرب، مديح يُكتب أساسا ليُنشد في محفل، أو هو «قصيدة حفل» بعبارة ابن رشيق. والحفل مثل الإيقاع طقس جماعي حميم. ولعل ما يجمعه إلى الشعر إنما هو الطابع الزمني الخاص الذي يميزهما، حيث ينطوي المكان وينتشر الزمان وكأنه الأبد. وقصيدة الحفل كالسورة، إنما تبني لنفسها حضورا كليا، فيتعارض زمنها الخاص والزمن الموضوعي الذي يمكن ضبطه. وقد دأب العرب على اعتبار الشعر ديوانهم وسجل مآثرهم وبائد عوالمهم، ونصهم الذي له من قوة الأمر المقضي، وقد تنزل منهم في الجاهلية منزلة الدين، حتى أنهم كانوا لا ينشدونه إلا على وضوء؛ كما جاء في «منهاج البلغاء وسراج الأدباء» لحازم القرطاجني، نقلا عن ابن سينا. وهذا ما جعله على تعاقب العصور يتخطى الانقلابات الحاصلة في هيئة الشعر زمانا ومكانا؛ ليبني هذا لحضور الزمني الكلي، فيثبت زائلا، ويحول عابرا أو غابرا إلى حال أو ديمومة، شأنه شأن القرآن. وكلاهما نص موقع يُنشد ويرتل ويغنى، وكلاهما نص مُعرب؛ وقد يكون الإعراب على صلة بالإيقاع أكثر منه بالنحو.
ونقدر أن الدراسات التي تتنكب هذا السبيل، كما هو الشأن عند علماء وباحثين أجلاء من أمثال، محمد أركون ومحمد عابد الجابري وفراس السواح… ولا ترى إلى البيئة التي نشأ فيها القرآن، من حيث هي بيئة شعر بالأساس، يفوتها كثير من أمر هذا النص الذي آن أن نعيد ترتيب علاقتنا به من منظور إنشائي، على نحو ما يفعل الغربيون في مباشرة نصوصهم المقدسة. وهذا مبحث يتحاشاه المسلم عادة أو هو يخشاه، لما يقع في ظنه من أن إعادة ترتيب العلاقة بهذا النص، قد تنال من قدسيته، وقد تحوله إلى نص تاريخي. وليس لهذه الخشية ما يبررها علميا، فالنص يحتفظ لا شك بقدسيته، والمقترب الذي نقترحه هو استئناف لما نجده عند علماء العرب مثل، عبد القاهر الجرجاني خاصة وغيره من علماء الإعجاز والبلاغة. إذن لا مناص من إعادة البحث في هذه البيئة الشعرية، التي درج بها القرآن ونشأ: القرآن المكي والقرآن المدني، عسى أن نعيد وصف عربيتنا من موقع الاستدراك على القدماء، واستئناف جهودهم، وثقتهم بالعقل.
ويقتضي الأمر أول ما يقتضي، وصفا دقيقا للسجلات اللغوية في القرآن، أو أقرب ما يكون إلى الدقة، فمن دون هذا الوصف يصعب أن نبني تحليلا أو نسوغ استنتاجا. والحق أن عمدة هذا الوصف مادة لغوية غزيرة تشكل مبحثا قائما بنفسه، ولا يمكن أن ينهض بها فرد، وإنما مخبر أو مجمع لغوي.
والقرآن ـ على ما نقدر ـ ليس «المصحف» وحسب، وإنما هو أيضا هذه النصوص الحافة التي تدور في فلكه مثل مدونة التفسير أو الحديث النبوي، بل كل ما هو راجع إلى ما يسميه الفاضل بن عاشور «التناسب الوضعي التوالدي» الذي يربط بين الفنون والعلوم المتنوعة في وحدة الثقافة العربية الإسلامية. وهو التناسب الذي بمقتضاه اتخذ كل فن من الفنون الشعرية والأدبية والحكمية، زيادة على كيانه الذاتي قواما تناسبيا في ما يصل عامة الفنون بعضها ببعض.
ومن هذا الجانب فإن الوصف الذي نقترحه، ينهض على أساس «تداولي»، سواء تعلق الأمر بـ«قرآنية القرآن» من حيث البنية والوظيفة، أو تعلق بالاحتكام إلى جملة من القواعد والمواثيق الاجتماعية في الملفوظ أو المقول، وبإدخالها في النحو؛ بما يقدم رؤية في لغة القرآن وفي وصف العربية، مختلفة أو لعلها تكون كذلك.
٭ كاتب من تونس