في حديث مع إذاعة لندن، سُئل إبراهيم أصلان: ما هو مشروعك الإبداعي؟ قال ببساطة: أكتب لأكتشف ذاتي وأكتشف من حولي.
جاء هذا الرد وسط إجابات متباينة ذكرها مبدعو جيل الستينيات في هذه الحلقة نفسها. وربما تكون هذه الإجابة قصيرة بسيطة، ولكنها معبرة عن جوهر عالم الإبداع لدى إبراهيم أصلان، بعيدا عن التنظيرات الفلسفية والفكرية، التي نراها في جيل أصلان، الذي عاش صراعات فكرية وقومية وسياسية، جعلت إبداعات هذا الجيل مزيجا من القسوة والألم الاغتراب، مع حالة عامة من التمرد؛ انعكس في ثورة على الأشكال الإبداعية وتحطيم التقاليد الفنية، وهو ما نلحظه لدى مبدعي هذا الجيل: جمال الغيطاني، محمد البساطي، إبراهيم عبد المجيد، عبد الحكيم قاسم، يحيي الطاهر عبد الله، ضياء الشرقاوي، يوسف القعيد، صنع الله إبراهيم… وهم مبدعون قرأوا الواقع بزوايا مختلفة، وغيروا كثيرا في تقنيات الكتابة الروائية والقصصية، كاشفين زيف الشعارات، معبرين عن صدمتهم من واقع يعيشون وسط ركامه.
يبدو إبداع إبراهيم أصلان وسط هذا الزخم علامة مختلفة، واختلافه نابع من بساطة عالمه، وحميميته للمكان والناس ومواقف الحياة المألوفة، يكتب بلغة سهلة، أساسها القاموس اليومي، معبرا عما في نفسه، غير عابئ بهمّ التقنية والتجديد والأدلجة، وهو ما صرح به لجريدة «السفير» اللبنانية قائلا: أعتبر نفسي هاويا ولم أحترف الكتابة، وأستمتع بالأفكار الكبيرة ووفائي للدنيا التي أعيش فيها. وبهذا فهو شفاف مع نفسه ومع تجربته، يلتقط من الحياة مواقف يبدو بعضها قصة قصيرة فيها مفارقة وإدهاش، وبعضها أشبه بلحظة عادية، تشد الاهتمام بما تقدمه من موقف إنساني أو حدث طريف.
ومن هنا، فإن المدخل النفسي، الذي يبحث ـ في بعض جوانبه – في علاقة شخصية الأديب ومحيطه المكاني والاجتماعي، بما يقدمه من أدب؛ يكون مهما لفهم تجربة إبراهيم أصلان وقراءتها؛ فهي تكاد تتوحد مع ذاته، وبعبارة أخرى: إنه ينثر ذاته. وكي نعي هذا يجدر بنا العروج على تكوين إبراهيم أصلان، فقد خرج من البسطاء ولا يزال يعيش بينهم، وكما يقول لمحاوره: «إن تجربتي ليست شيئا، وحياتي ليست شيئا مختلفا»، وهو بذلك يتعارض مع الأدباء خاصة، والمثقفين عامة، الذين يستشعرون أنهم مختلفون ونرجسيون، وأقطاب للعالم والناس من حولهم. فإبراهيم أصلان لم يستكمل تعليمه، ولم يحصل على أي مؤهلات عليا، كما يصرح قائلا: «إنني لم أحصل إلا على الابتدائية القديمة ثم كنت أروح وأرجع أمام الأهل والأصدقاء محملا بمزيد من الكتب، ما جعلني معرضا بين حين وآخر إلى سماع هذه العبارة المؤذية: حضرته فاكر نفسه العقاد»، أي أنه علّم نفسه بنفسه، راضيا بحظه القليل من التعليم الرسمي، منطلقا بقراءته إلى آفاق التعلم الذاتي.
ولد إبراهيم أصلان لعائلة ريفية تسكن مدينة طنطا، ثم رحل مع أسرته وهو ابن الرابعة أو الخامسة إلى القاهرة، حيث حصل الوالد الذي كان يعمل في البريد على علاوة إضافية تبلغ خمسين قرشا، وكان حظ إبراهيم أن يكون أكبر إخوته وأخواته البالغ عددهم اثني عشر فردا، ويصدق عليه مبدأ التوريث في العمل، حيث التحق بالبريد أيضا كوالده وجده، فتعين موظفا في هيئة التلغراف والبرق، وسكن حي إمبابة الذي كان شتاتا من أهل الريف النازحين إلى القاهرة، وفقراء العاصمة المصرية الذين وجدوا ملاذا في هذه القرية الصغيرة التي دخلت إلى حيز العاصمة، وباتت جزءا لا يتجزأ منها، وهذا ما نجده لاحقا في أبرز أعماله.
ولأنه كاتب بالسليقة، فقد توحد مع ذاته وتكوينه، فعبر عما عاش بكل عفوية وتلقائية، وإن نجد الإحساس بالاغتراب مسيطرا على الكاتب في جلّ كتاباته، وهذا ما تبدى في مجموعته الأولى «بحيرة المساء»، حيث يعلق الناقد عبد الرحمن أبو عوف عليها بقوله: « ثمة شبه تضخم ذاتي في الإحساس بالغربة والعقم، وأيضا معاناة الوحدة والتآكل النفسي، وهي إحساسات لا ننكر بالطبع وجودها في حياتنا اليومية، خاصة في مرحلة القلقلة التي تعيشها الشخصية المصرية في هذه السنوات الصعبة»، وهذا القلق سمة لازمة لدى المبدعين الذين عاشوا مأساة هزيمة 1967، وما تلاحق على الوطن من أزمات وتبدلات، ولكن الحالة لدى إبراهيم أصلان تبدو مختلفة بعض الشيء، لأنه ينظر برومانسية ما إلى المواقف والشخصيات، بدون إدانة أو رفض، يكتفي بعرض الحدث، ووصف المشهد، ويترك الإحساس بالحالة يتولد تلقائيا في نفس المتلقي. فهو يحاول تبديل النظرة التقليدية للعلاقات المألوفة بين البشر، ليحل محلها وعيا شاملا بالمكان والإنسان كليهما معتمدا على صراحة البوح في السرد.
وإذا نظرنا إلى طريقته في السرد، سنجد أن هناك ثوابت ومتغيرات في بناء الأسلوب لدى أصلان؛ وتبدو الثوابت في اعتماده التكثيف اللغوي أساسا في صياغته السردية، وهذا التكثيف يصدق في الحوار والوصف، فهو غير مولع بذكر التفاصيل، بقدر ما يسعى إلى أن يكتشف المرء هذه التفاصيل بنفسه عبر الحوار، وحركة الشخصية في الفضاء السردي، كما يصفه فاروق عبد القادر، بأنه يكتب القصة بروح القصيدة، بما فيها من اختزال وتكثيف، في كل جملة وكلمة، هدفه نقل الإحساس بالموقف لا تقديم المعلومة بشكل مباشر، أي أنه يبتعد عن فكرة السارد العليم إلى إشراك المتلقي في الشخصية والموقف من خلال عرضه بشكل مباشر عليه. وهناك نصوص مصاغة ومكتوبة في فضاء الصفحة بشكل القصيدة، على هيئة جمل متتالية الأسطر.
أما المتغيرات فتتمثل في انتقاله من الحوار الفصيح إلى العامي، وفي أحايين كثيرة تكون الألفاظ دارجة بشكل كبير في السرد والوصف، ممعنة في العامية نطقا وكتابة، وهو يبرر ذلك بقوله: «إنني أتمنى وأنت تقرأ لي ألا تشعر أن اللغة موجودة، أي أن المشهد القصصي الذي أقدمه لا تشعر وأنت تتعامل معه أن هناك وسيطا حتى لو كان لغويا، فأحيانا أشعر بأن تفاصحنا هو السبب في تدهور الحضارة العربية بكاملها، وينتابني إحساس بأننا نوغل في التفاصح، لدرجة أننا نشعر بأن هناك انفصال بين ما تقوله ونكتبه وما نعيشه».
هذه قناعة تعبر عن موقف من اللغة الفصيحة، قد يكون مبالغا فيه بشكل ما، لأن العربية الفصيحة مستويات؛ هناك مستوى متقعر في الكتب القديمة ولدى بعض اللغويين والكتّاب الذين يتعمدون استخدام مفردات وتراكيب، لا يعيها القارئ البسيط، ويتباهون بذلك، إلا أن هناك مستوى سهلا تُستخدَم فيه العربية الفصيحة على نطاق واسع ومفهوم، مشكّلة جسرا للتواصل بين أقطار العروبة وناطقيها، مثلما هو الحال في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب.