أثر اللغة العربية في الحضارات الإنسانية… المفردات والمصطلحات

تذكر المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه في كتابها «شمس العرب تسطع على الغرب» أمثلةً على تأثير العربية بوصفها لغة حضارية، فتذكر أن الغرب يستخدم حتى الآن الأرقام العربية، التي نقلها العرب عن الهند، وزادوا عليها، حيث استطاع الهنود أن يجعلوا لكل رقم شكلا، بعيدا عن النظام العقيم في تكوين الأعداد والرموز، فأوجدوا لكل رقم شكلا واحدا يدل عليه، ويُكتب به، وهو يكتسب قيمة تبعا لموضعه في خانة الآحاد أو العشرات أو المئات أو الألوف، وكان ذلك في عهد الخليفة عبد الملك بن مروان، عندما أحضروا له كتابا هنديا بعنوان، «سند هند»، نقلوا منه الأرقام الهندية، وتم نشرها عربيا ثم أوروبيا، في شهادة على دور العربية كوسيط حضاري، وفي دلالة على انفتاح العقلية العربية المسلمة على علوم الآخر.
كما كان للعربية تأثيرها في عشرات المفردات التي دخلت اللغات الأوروبية، وأبرزها اللغة الإسبانية، التي تأثرت بالعربية بشكل مباشر وكبير، خاصة في الزراعة وأدوات الري، مثل طاحونة، وعجلة مائية، ولفظة أسقيا (قناة مائية). وقد ثبت للباحثين اللغويين الإسبان، أن تأثر اللغة الاسبانية باللغة العربية عميق جدا، بسبب انتشارها الواسع في الأندلس وبعض المقاطعات الإسبانية على مدى ثمانية قرون تقريبا، إبان الحكم العربي الذي بدأ مع دخولهم إليها سنة 711م، واستمر حتى بعد خروجهم منها سنة 1492م، وقد شهد التاريخ أن العرب أسسوا حضارة في شبة الجزيرة الإيبيرية، تجلت في انتشار العلوم والفنون والعمران، كما في الصناعة والزراعة والهندسة المعمارية، إبان تلك القرون الغابرة ما جعل الأندلس آنذاك مركز إشعاع في أوروبا كلها، ومحجة لطالبي العلم فيها، ومن هذه المفردات: Aceite الزيت، barcar el estanque la charka أحاط بـ، احتوى على، Abatanar بطن، Abencerrajes بني سراج، Acatar قدر، caudillar قاد- قيادة، ، Acechar esconderse ترقب، كمن، تستر. Adoquín الدكان، حجر الرصيف، Aduanaالديوان، جمرك، Ajarafe الشرف.
ويقرّ المستشرق الفرنسي غوستاف لوبون بأن اللغة العربية كانت ذات أثر عميق في اللغات اللاتينية، وقد ألّف كل من، دوزي، وأنْجِلْمن معجما في الكلمات الإسبانية والبرتغالية المشتقة من اللغة العربية. وذكرا أنه من الطبيعي أن تقتبس فرنسا وإيطاليا من العرب، الذين كانوا سادة البحر المتوسط منذ القرن الثامن الميلادي، وأكثر الاصطلاحات البحرية اللاتينية مقتبسة من العربية، كما أن البوصلة اختراع عربي وليس صينيا، واقتبست الجيوش الأوروبية ألقاب الجيوش العربية، وكذلك وغى الحرب، كما أن استعمال بارود المدافع والقنابل والحراقات والقذائف، كان من العسكرية العربية. وأُخِذَت عن حكومة بغداد وقرطبة تعابير إدارية، مثل الديوان والبازار، وقلّد ملوك الأسرة الثالثة الفرنسية العرب في كل شيء، فأخذوا اصطلاحات الصيد، وكذلك اصطلاحات العلوم والاختراعات في الفلك والكيمياء.

وينفي لوبون ما ذكره أحد المؤرخين الفرنسيين، أن إقامة العرب في جنوب فرنسا لم تسفر عن أثر، لا في اللهجات، ولا في اللغة، ويتعجب من ترديد بعض المثقفين لهذا الرأي. وهناك مفردات شائعة في عموم اللغات الأوروبية، وتسربت في الأساس من اللغة اللاتينية التي تُرجِمت بها المراجع العربية في القرون الوسطى، ومنها: الموسلين وهو نسيج قطني رقيق، وسار اسنت، ودمسق والتفتة، وهو نسيج الحرير، وتابي وهو نسيج من الحرير المموج أو المخطط. وفي المسائل البحرية: أرسينال وهي دار الصناعة، وأدميرال وهو أمير البحر، وفي الكيمياء التقنية: الإنبيق وهو أداة كيميائية للتقطير، والكحول والقالي وهو فلز قلوي. في الورق: ريم وتعني ماعون ورق. وفي الطعام: شربت وهو الشربات، وغيرها، ما يدل على توغل مفردات الحياة المدنية بكل مظاهرها من أطعمة وأشربة وملبوسات في تفاصيل الحياة الغربية.
وتؤكد زيغريد هونكه بذلك بقولها: «في لغتنا كلمات عربية عديدة، وإننا لندين – والتاريخ شاهد على ذلك – في كثير من أسباب الحياة الحاضرة للعرب. وكم أخذنا عنهم من حاجات وأشياء، زينت حياتنا بزخرفة محببة إلى النفوس. وألقت أضواء باهرة جميلة على عالمنا الرتيب، الذي كان يوما من الأيام قاتما كالحا باهتا، وزركشته بالتوابل الطيبة النكهة، وطيبته بالعطر العابق، وأحيانا باللون الساحر، وزادته صحة وجمالا وأناقة وروعة». في دلالة على رقي المائدة العربية.

والتأثير يمتد شرقا، في القارة الهندية، حيث تواصل العرب مع شعوب الهند عبر التجارة، منذ القرن السادس الميلادي، ثم وصلت إليها الفتوحات، وانتشرت فيها الثقافة العربية، نتيجة لإقبال الهنود على اللغة الفارسية، التي ظلت متداولة في بلاد الهند والسند طيلة سبعة قرون، وكانت اللغة الفارسية عربية الفحوى وإسلامية المرجعية، نتيجة تأثر الفرس بالإسلام، دينا وثقافة وحضارة، ومن ثم تسربت الألفاظ العربية إلى اللغة الهندية، حاملة الثقافة الإسلامية، ولكن هذا الاتصال مع حضارة الهند لم يكن صراعا، بل كان اتصالا حضاريا، تثاقفيا، فكما أعجب الهنود بالفارسية والعربية؛ زوّدوا الثقافة العربية في المقابل بروافد جديدة، من خلال تيسير علوم الهند وترجمتها إلى العربية، وهو ما أحدث صدمة لغوية لدى العلماء العرب، فكان لزاما عليهم مواجهة المصطلحات والمفردات الوافدة الجديدة بتطوير العربية، وتحديث قواميسهم ومعاجمهم وعلومهم، خاصة أن أقاليم الهند فيها نباتات وحيوانات وأمكنة وأشياء لا قبل لبيئة العرب والمسلمين بها، ولكن المشكلة تم حلّها من خلال العربية نفسها، التي تميزت بالمرونة، والقدرة على استيعاب الجديد من ألفاظ الحضارة، من خلال التوسع في مدلول الكلمات العربية، أو نقل الكلمات الأعجمية نفسها إلى اللغة العربية، وأكثر ما كان ذلك في ألفاظ النباتات والحيوانات والبلدان والآلات والأمراض، والمآكل التي لم يكونوا يعرفونها من قبل، لتخرج العربية في النهاية من هذا المأزق التواصلي الحضاري سليمةً قويةً واسعة، لغة الدين والعلم والفلسفة والأدب.
وكان من التقاليد الشائعة في الهند، وإلى عهد قريب؛ أن بداية تعليم القراءة والكتابة، تتم على يد عالم الدين المسلم، حتى للأطفال غير المسلمين، وكان من الطبيعي أن يتعلم الأطفال اللغتين العربية والفارسية، ما أوجد جيل – مسلمين وغير مسلمين – يتقن العربية والفارسية، ومن خلالهم انتقل مخزون الكلمات من العربية والفارسية إلى اللغات الهندية الثلاث: الهندية والأردية والتاميلية.
لقد كان تمدد العربية عالميا مثيرا ومدهشا، وكما يقول المستشرق رينان: إن انتشار اللغة العربية؛ يعتبر من أغرب ما وقع في تاريخ البشر، كما يعتبر من أصعب الأمور التي استعصى حلها، فقد كانت هذه اللغة غير معروفة بادئ ذي بدء، فبدت فجأة على غاية من الكمال، فليس لها طفولة أو شيخوخة؛ ظهرت أول أمرها تامة مستحكمة، ولا أدري هل وقع ذلك للغة من لغات الأرض، قبل أن تدخل في أدوار مختلفة، فإن العربية بلا جدال قد عمّت أجزاء كبرى من العالم.
كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية