لندن-“القدس العربي”: بالرغم من انتهاء مباراة كلاسيكو الأرض بالتعادل السلبي بدون أهداف، إلا أنها تركت انطباعا للحالة والمستوى الذي وصل إليه كل فريق في منتصف الموسم، ووضح ذلك من خلال ردود أفعال مشجعي ريال مدريد وبرشلونة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بسعادة وتفاؤل في المعسكر الملكي للصورة المبشرة التي بدا عليها الفريق في أغلب أوقات المباراة، والعكس 180 درجة في المعسكر الكاتالوني، نظرًا للمستوى الصادم للبرسا والطريقة التي أدار بها المدرب إرنيستو فالفيردي اللقاء.
انتكاسة كبيرة للمدرب الباسكي
لا تفهم عزيزي القارئ ما إذا كان المدرب الباسكي قد جانبه التوفيق في قراره الذي اتخذه قبل ضربة بداية الكلاسيكو بدقائق بالإبقاء على مهندس الوسط سيرجيو بوسكيتس على مقاعد البدلاء، والدفع بالكرواتي إيفان راكيتيتش في مركز الوسط الارتكاز، أم أن أعراض الحمى كانت أقوى من اللاعب، ولو أن المدرب قال في تصريحاته بعد المباراة مع شبكة “بي إن” إنه كان من الممكن أن يستدعي بوسكيتس إذا لزم الأمر، وهذه كانت أول بصمة غير موفقة من قبل فالفيردي، لأنه بمصطلح كرة القدم الدارج “سَلّم مفاتيح” وسط الملعب للوحش البرازيلي كاسيميرو ومساعديه فيدريكو فالفيردي وتوني كروس، وتجلى ذلك في معاناة إيفان وفرينكي دي يونغ وسيرجي روبرتو في الخروج بالكرة بسلسلة من منتصف الملعب، أضف إلى ذلك الحالة المأساوية التي كان عليها الظهير الأيمن البرتغالي سيميدو، إذ بدا وكأنه لا حول له ولا قوة أمام عنفوان الفرنسي فيرلاند ميندي، الذي قدم أوراق اعتماده كظهير قادر على تحمل المسئولية في غياب البرازيلي المخضرم مارسيلو، بطاقته المتفجرة دفاعيا وهجوميا، التي ساعدته لغلق كل الطرق المؤدية للحارس تيبو كورتوا من الجهة اليسرى، بجانب انطلاقاته ودعمه لإيسكو وردريغو في الثلث الأخير من الملعب، وشاهدنا العرضية النموذجية التي أسفرت عن الهدف غاريث بيل الملغي بداعي التسلل، أما ما قصم ظهر مدرب بلباو السابق، هو غياب الحل السحري من البرغوث، فعلى غير العادة لم يصنع ليونيل ميسي الفارق بحلوله التي يعجز البشر عن تفسيرها، فقط كان كباقي اللاعبين، حتى كانت هناك فرصة في الشوط الثاني على خط منطقة الست ياردات، أهدرها بغرابة، بأخذ الكرة إلى خارج الملعب وليس للداخل ليصبح وجها لوجه مع كورتوا، كانت لقطة غريبة وغير معتادة من أعظم لاعب في تاريخ الليغا، ولخصت معاناته في المباراة، وكما نعرف جميعا، عندما لا يكون هذا الميسي في حالته العادية، غالبا لا تسير أمور فالفيردي وبرشلونة على ما يرام، وحتى عندما تدخل المدرب في الشوط الثاني للحد من استحواذ وهيمنة الميرينغي على وسط الملعب، بإشراك المحارب آرتورو فيدال وموهبة العقد القادم أنسو فاتي، لم تتحسن الأمور كما أراد، فقط اكتفى البرسا باستحواذ سلبي ومحاولات أقل ما يمكن وصفها بالخجولة وغير المزعجة لسيرخيو راموس ورفاييل فاران، وربما لو استمر اللقاء لساعة أخرى، لما اهتزت الشباك البيضاء، بينما كان سيحدث العكس بقليل من التركيز في اللمسة الأخيرة أمام الحارس تير شتيغن.
ملك “كامب نو”
كما توقعنا الأسبوع الماضي. أثبت الفرنسي زين الدين زيدان أنه ملك “كامب نو”، لإجادته عملية تحضير اللاعبين نفسيا وذهنيا قبل السفر إلى الإقليم المتمرد على العاصمة مدريد، وأيضا “كاريزما” زيزو التي تفرض نفسها في المواعيد الكبرى، ويُحسب له أنه لم يتفلسف في تشكيلته الأساسية مثل فالفيردي، فقط اتبع نهجه المعتاد أمام الفرق التي تبادره الهجوم، أو بالأحرى الفرق التي تحب الاستحواذ على الكرة، بضغط عالي من منتصف الملعب، يبدأ من كريم بنزيما وإيسكو وردريغو على حامل الكرة من رباعي الدفاعي، وعلى مسافة قريبة جدا ثلاثي الوسط المدريدي، لتعقيد الأمور على راكيتيتش وفرينكي دي يونغ، ولعلنا لاحظنا كيف كان لاعبي برشلونة يمررون بطريقة واضحة جدا، خالية من أي خداع أو تحرك بين الخطوط لمن يطلب الكرة، فقط كان همهم تسليم الكرة لميسي في آخر 30 متر في الملعب، وهذا كان يحدث مرة كل 10 دقائق أو ربع ساعة، بعد كفاح ومعاناة لاختراق الكماشة المفروضة في عمق الملعب المدريدي، وحتى عندما كان يتسلم ليو الكرة، كان يجد نفسه محاصرًا بين ثلاثة لاعبين على شكل مثلث وعلى مسافة لا تزيد عن متر أو اثنين، لمنعه من التفكير بأريحية واستخدام الثواني الثلاث التي يسبق بهم كل البشر، بدون مبالغة، هذا سر تفوق زيدان في كل زياراته لملعب “كامب نو”، لأنه يجرد برشلونة من سلاحه الفتاك القادر على ترجيح كفته في أي وقت.
ونتذكر كيف كان يستخدم الكرواتي ماتيو كوفاشيتش لكبح جماح ميسي في ولايته الأولى، حيث كان يوظف لاعب تشيلسي الحالي في مركز “ظل ميسي”، بدعم من رجل هذه المباريات كاسيميرو مع أقرب ظهير أو لاعب وسط يكون على بعد أمتار من الداهية الأرجنتينية، وتكرار هذا التفوق في خمس مباريات على نفس الملعب بتحقيق الفوز في اثنين والتعادل في ثلاثة، خير دليل على أنها ليست صدفة، بل دهاء وخبث تدريبي من المدرب، لأنه ليس من السهل أبدًا أن تفرض أسلوبك وتتحكم في إيقاع مباراة في “كامب نو”، وفي حضرة واحد من أعظم لاعبي كرة القدم في التاريخ إن لم يكن أعظمهم على الإطلاق، صحيح النتيجة لم تكن مثالية، لكنه خرج بمكاسب بالجملة، أهمها كسب ثقة الجماهير مرة أخرى، بعد الموسم الماضي الكارثي والبداية غير الموفقة لهذا الموسم، وأيضا ترك رسائل مخيفة لكل خصومه سواء على المستوى المحلي أو القاري، مفادها أن شخصية وهيبة سلطان القارة العجوز في طريقهما للعودة كما كانت الأمور في سنوات احتلال أوروبا في ولايته الأولى، بظهور ملامح نفس نسخة ريال مدريد، ذاك الفريق الذي يصعب التفوق أو السيطرة عليه داخل المستطيل الأخضر، بالمساحات الضيقة جدا أمام المنافسين، وسرعة التحول من الحالة الدفاعية إلى الهجومية في ثوان، بانتشار عرضي نموذجي بفتح الملعب مع تقدم الظهيرين في توقيت معين، وخلف هذه المنظومة شبه الإلكترونية في الوسط والأطراف، يوجد خط دفاعي أشبه بالخرسانة، بعد التحسن الكبير في مستوى رافاييل فاران بجانب القائد سيرخيو راموس، ولأن الحظ لا يبتسم إلى للمجتهدين كما قال الأسطورة سير أليكس فيرغسون من قبل، اكتملت المنظومة بمستوى خرافي للحارس كورتوا، الذي كان حتى شهرين أو ثلاثة على أقصى تقدير، الحلقة الأضعف في الفريق، أضف إلى كل ما سبق، الروح القتالية التي تحلى بها الفريق بأكمله طوال المباراة، وهذا ما بعث الأمل والتفاؤل لدى مشجعي النادي، من باب أن النجاح في اختبار من الوزن الثقيل كهذا، يعطي مؤشرات بأن القادم سيكون أفضل مع بدء العد التنازلي لاستقبال الأشهر الحاسمة في الموسم.
صداع وحيد
نعرف جميعا أن قرعة دور الـ16 لدوري أبطال أوروبا أوقعت اللوس بلانكوس في طريق الإعصار السماوي الإنكليزي مانشستر سيتي، وهي بطبيعة الحال مواجهة خارج الحسابات، ولو أن على الورق يُمكن القول بأن الأفضلية ستبقى للريال نظرًا لتاريخه وتمرسه على هذه البطولة، لكن إلى أن يحين موعد صدام فبراير/شباط، فمباراة الكلاسيكو والمباريات التي سبقتها، أظهرت حاجة الفريق لجلاد حقيقي على طريقة كريستيانو رونالدو. لا شك أبدًا أن كريم بنزيما يقدم أفضل نسخة له في تاريخه كلاعب، لكن هناك حلقة مفقودة في الثلث الأخير من الملعب، تظهر بوضوح في الكم الهائل من الفرص التي تُهدر داخل مربع العمليات، لنا أن نتخيل فقط لو كان صاروخ ماديرا كان حاضرا في سهرة الأربعاء! بنسبة 100 في المئة ما كانت ستنتهي 0-0، الشاهد، أن التقارير التي تتحدث عن عدم ثقة زيدان في الصربي لوكا يوفيتش تبدو صحيحة وأقرب للمنطق، واستمرار الوضع كما هو عليه لبعد يناير / كانون الثاني، ستكون عواقبه وخيمة، لأنه محتمل أن يتعرض بنزيما لإصابة، وإن كان محظوظا وتفادى التعرض لأي إصابة، فحتما سيكون هناك موعد آخر لعمل “مداورة” عندما يزدحم الجدول مرة أخرى في بداية من فبراير/شباط حتى شهر الحسم الحقيقي أبريل/نيسان، وبطبيعة الحال سيكون بحاجة لرأس حربة جلاد بإمكانه تقديم نفس منتج بنزيما عندما يضطر لإراحته على مقاعد البدلاء في مباريات الليغا المضمونة، كما كان يستخدم من قبل ألفارو موراتا مع كريم.
أما غير ذلك، فكل المؤشرات تظهر أن ريال مدريد بدأ يتعافى من صدمة رحيل رونالدو، التي أحدثت هزة عنيفة على مدار الموسم الماضي، ومع تعافي إدين هازارد من إصابته ونفس الأمر بالنسبة لمارسيلو، بجانب استمرار إيسكو بنفس المستوى الذي يقدمه الآن، سيضمن المزيد من التنوع والحلول، وبالتبعية سيتضاعف كم الفرص والأهداف، وهذا ما يتمنى زيدان حدوثه في المستقبل القريب إذ سارت الأمور كما يُخطط لها. وبوجه عام، يُمكن القول إن المدرب الفرنسي بدأ يفي بوعوده السابقة في بداية الموسم، بظهور ملامح مشروعه في غضون أشهر قليلة، وقد كان بتغيير ما يقرب من 30 لـ40 في المئة من القوام الرئيسي، متمثل في فيرلاند ميندي، فيدريكو فالفيردي ورودريغو وقبلهم الغائب إدين هازارد، الآن لم يعد أحد يشعر بغياب مارسيلو بسبب تألق العشريني الفرنسي، والمفاجأة السارة، في منح ثقته في شاب عمره لا يتجاوز الـ21 عاما –فالفيردي-، على حساب لوكا مودريتش، كان قرارا موفقا منه باعتماد الشاب الأوروغوياني كلاعب أساسي في الوسط بجانب كاسيميرو مع تناوب مودرتش وكروس بحسب ما يريده الفريق، وهذا ساهم في القضاء على نقطة الضعف في منطقة العمق بين الدفاع والوسط، والتي أجبرت زيدان أكثر من مرة على اللعب بثلاثة مدافعين في بداية الموسم، أما الآن، يبدو وكأنه أبرم صفقة “سوبر” لحل معضلة الوسط، بعدما كان يخطط لإنفاق أكثر من 100 مليون يورو لضم مواطنه بول بوغبا من مانشستر يونايتد، والسؤال الآن .. هل سيحافظ زيزو ورجاله على هذا النسق التصاعدي في المرحلة القادمة؟ أم ستكون مجرد صحوة ساعدته على النجاة من مقصلة الطرد؟ هذا ما سنتأكد منه عندما يحين وقت الجد وخروج المغلوب في دوري أبطال أوروبا.
انتبه المشروع يعود للخلف
صحيح النتيجة لم تؤثر على موقف الفريقين في جدول الترتيب العام لأندية الليغا، باحتفاظ البلو غرانا بالصدارة بفارق الأهداف فقط عن غريمه العاصمي، لكن أداء الفريق وضع علامات استفهام بالجملة حول مشروع فالفيردي مع برشلونة، من خلال هذه المباريات وجُل المباريات باستثناء العرض المذهل أمام إنتر بدون ميسي، يبدو وكأن البرسا يعود إلى الخلف من وقت لآخر مع مدربه الباسكي، بفقر فني غير مبرر يعوضه فقط إبداع ميسي ولحظاته الخارقة في المباريات الفاصلة، وبدرجة لا تقل عنه كثيرا تألق الحارس تير شتيغن في الأوقات المناسبة، باستثناء ذلك، الجميع يلعب بشكل روتيني من قدم لقدم، وما يثير قلق مشجعي برشلونة، أن الأداء لا يتطور أبدا مع فالفيردي، بل العكس، من حين لآخر الأمور تتعقد عليه، ومن سوء طالعه أنه لم يعد يجد مساعدة ميسي مرتين كل أسبوع كما كان الوضع في أول موسمين، وهذا في حد ذاته مؤشر خطير ومزعج قبل دخول مراحل الحسم في الموسم، لأنه في أول موسمين، كان النسق يتراجع في الأشهر الأخيرة، لكن المريب هذه المرة أن التراجع بدأ في وقت مبكر جدا، بجانب ذلك لم تظهر بصمته على الصفقات الجديدة والحديث عن أنطوان غريزمان وفرينكي دي يونغ، وبالأخص الأنيق الفرنسي، الذي يبصم على واحد من أسوأ مواسمه على الإطلاق، فمن المسئول عن هذا الخلل؟ هو أم المدرب؟ دعك من غريزمان. فماذا عن فيليب كوتينيو الذي لم ينجح في “كامب نو”، والآن يؤدي مع بايرن ميونيخ بصورة كربونية من نسخته مع ليفربول! فضلا عن اختفاء هوية برشلونة كفريق يُضرب به المثل عالميا بالمتعة والسحر الكروي، بتحويله لفريق نمطي تقليدي ينتظر الحل من لاعب بعينه. عموما الكلاسيكو أظهر التفاوت الكبير بين العمل الذي قام به زيدان مع الريال وعمل فالفيردي المتواضع مع البرسا، واستمرار الوضع كما هو عليه في الأسابيع والأشهر القليلة القادمة، قد يغير مكان الليغا هذا الموسم، رغم أن عامل الخبرة والتمرس على الفوز به، ما زال يصب في مصلحة ميسي ورفاقه، لكن عزيزي مشجع برشلونة. أنت تعرف أكثر من غريمك المدريدي أن الأمور تتدهور من حين لآخر مع المدرب الحالي، وإن لم يستغل فرصته الأخيرة هذا الموسم، بتحسين هذا الانطباع والصورة السلبية عن الفريق، فبنسبة كبيرة سيسلم منصبه لرونالد كومان بعد انتهاء دوره مع الطواحين البرتقالية في يورو 2020 فهل تعتقد أنه سيحفظ ماء وجهه في الأشهر الخمسة المقبلة؟ أم سيواصل التراجع في موسمه الثالث وتكون الضريبة باهظة؟ دعونا ننتظر.