في 27 تشرين الثاني، وقعت تركيا على اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين “حكومة الوفاق الوطني” في ليبيا التي تتخذ من طرابلس مقراً لها وتحظى باعتراف دولي. أما الحكومة الخصم، التي تتخذ من مدينة طبرق في شرقي الدولة مقراً لها ويقودها القائد العسكري خليفة حفتر، فقد شككت بشرعية الاتفاق، وكذا اليونان ومصر أيضاً. فقد شجبت أثينا الصفقة بسبب تجاهلها وجود جزيرة كريت اليونانية التي تقع بين شواطئ تركيا وليبيا، وقررت القاهرة بأن الاتفاق ليس قانونياً. منذ التوقيع طردت اليونان السفير الليبي وشجب الاتحاد الأوروبي الاتفاق.
يمكن لثلاثة عوامل مركزية أن تشرح دافع الاتفاق وتوقيته: الأول، هو معارضة تركية طويلة السنين لميثاق الأمم المتحدة للقانون البحري (UNCLOS) من العام 1982، الذي رفضت التوقيع عليه (إلى جانب إسرائيل والولايات المتحدة). في ضوء القرب الجغرافي بين تركيا والجزر اليونانية وقبرص، فإن تطبيق مبادئ ميثاق القانون البحري كان من المتوقع أن يقيد حجم المياه الاقتصادية الحصرية والرف البري لتركيا. فتركيا متعلقة جداً باستيراد الطاقة، ولهذا فإن معارضتها لبعض من مبادئ ميثاق القانون البحري تعززت في ضوء مكتشفات الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط في السنوات الأخيرة.
العامل الثاني، هو إحباط أنقرة من عدة اتفاقات وقعت بين جيرانها في السنوات الأخيرة، التي تعدّ مناقضة للمصالح التركية في المنطقة. ضمن هذه، تندرج اتفاقات ترسيم حدود المياه الاقتصادية الحصرية التي وقعت عليها قبرص مع مصر في العام 2003، ومع لبنان في العام 2007 ومع إسرائيل في العام 2010. وبشكل عمومي أكثر، ترى أنقرة في التعاون المتطور بين إسرائيل، ومصر، واليونان وقبرص (والذي وجد تعبيره مثلاً في إقامة منتدى الغاز لشرقي البحر المتوسط – EMGF في 2019) كجهد لعزل تركيا. وتأييد واشنطن لهذه الاتفاقات أضاف إلى مخاوف أنقرة. من زاوية النظر هذه، يجب النظر إلى الاتفاق بين تركيا وليبيا بأنه رد مضاد في ضوء ما تعتبره تركيا محاصرة لها. إذا صمد الاتفاق فسيعتبر نجاحاً هاماً؛ لأن تركيا توصلت إلى اتفاق على حدود رفها البحري فقط مع الجمهورية التركية لشمال قبرص (2011)، الكيان الذي تعترف به تركيا فقط كدولة ذات سيادة.
العامل الثالث، هو نزعة تأكيد الذات التي تبديها تركيا مؤخراً تجاه محيطها، والميل الذي يمكن أن نراه في ثلاث حملات عسكرية أدارتها أنقرة في شمال سوريا منذ 2016 (الأخيرة منها في تشرين الأول)، وفي قرار تركيا هذه السنة إطلاق سفن التنقيب نحو المياه الاقتصادية الحصرية لقبرص بمرافقة سفن مدفعية، ثم تشكك تركيا بشرعية ترسيم الحدود البحرية لقبرص عقب النزاع الطويل في الجزيرة بين الأتراك القبارصة واليونانيين القبارصة.
إذا ما وضعنا جانباً مسألة قانونية الاتفاق بين تركيا وليبيا، وحقيقة أنها أغلب الظن موضع خلاف كون حكومة ليبيا التي وقعت على الاتفاق لا تحكم إلا قسماً صغيراً من أراضي ليبيا، حينئذ قد يكون للاتفاق ثلاثة آثار أساسية: تأثير سلبي على العلاقات الثنائية بين تركيا ودول شرق البحر المتوسط المختلفة، واحتمالات أقل لإقامة أنبوب الغاز في شرق البحر المتوسط (مشروع East Med)، وإطالة الحرب الأهلية في ليبيا.
أولاً وقبل كل شيء، يضع الاتفاق التركي الليبي تحدياً أمام العلاقات التركية اليونانية المتوترة على أي حال. بخلاف العلاقات بين أنقرة والقاهرة أو بين أنقرة وتل أبيب، لا يزال بين أنقرة وأثينا قنوات اتصال مفتوحة، مثلما يمكن أن نرى في اللقاء بين رئيسي الدولتين على هامش قمة الناتو في لندن، في بداية كانون الأول. ومع ذلك، ثمة إحساس خوف متزايد من إمكانية نشوب مواجهة عسكرية بين الدولتين، والاتفاق يضيف مواضيع جديدة إلى عدم التوافق والنزاع المحتمل لمنظومة العلاقات المتوترة.
قبرص، مقارنة بباقي اللاعبين، عانت من نزعة تأكيد الذات المتعاظمة لدى تركيا في شرقي البحر المتوسط، والأعمال التركية ستقلل شهية شركات أجنبية تعميق دورها في التطويرات المتعلقة بمكتشفات الغاز الطبيعي في محيط قبرص. بالمقابل، يحتمل أن تبعث الأعمال التركية إحساساً بالإلحاح للعودة إلى المفاوضات للتوصل إلى حل سياسي في قبرص، حتى تكررت المصاعب التي ميزت جولات المفاوضات السابقة.
كما أن ردود فعل مصر على الاتفاق التركي الليبي كانت سلبية. ففي ضوء التوتر القائم بين مصر وتركيا، أطلقت تحذيرات في وسائل الإعلام المصرية المتماثلة مع الحكومة بأن مصر لن تقعد مكتوفة الأيدي في ضوء النفوذ التركي المتعاظم في ليبيا، نفوذ ترى فيه القاهرة أحد أسباب عدم الاستقرار في ليبيا ومصدراً محتملاً لتسلل تهديدات الإرهاب إلى نطاقها. بالنسبة إلى مصر والسعودية والإمارات، فإن الاتفاق يعدّ خرقاً لميثاق قانون البحر وتفاهمات سابقة بين الأطراف المتنازعة في ليبيا، بل وانعكاساً للصراع الإقليمي الأوسع الجاري بين مؤيدي ومعارضي الإسلام السياسي. لقد عرض الاتفاق التركي – الليبي في وسائل الإعلام المصرية كتدخل خارجي مرفوض في الشؤون الليبية والعربية الداخلية، كمس بالأمة العربية، وكعمل يتطلب رد فعل من الجامعة العربية. فضلاً عن ذلك، فقد عرض كتهديد على دول شرق البحر المتوسط، ولا سيما مصر واليونان وقبرص. في تشرين الثاني 2019 أجرت هذه الدول الثلاث المناورة العسكرية المشتركة “ميدوزا 9” في شرقي البحر المتوسط التي استهدفت تعظيم التعاون بينها حول تحديات الأمن والدفاع المشتركة، والتي ينبع مصدرها أساساً من تركيا.
رغم أن جدوى بناء أنبوب غاز في شرق البحر المتوسط كانت موضع شك قبل الاتفاق التركي – الليبي الأخير، فإن الاتفاق يضع مصاعب أخرى أمام المشروع. فحسب الخطة الأصلية، فإن مسار الأنبوب (1.300 كيلومتر في البحر و600 كيلومتر في البر) يفترض أن يمتد من حقول الغاز الطبيعي أمام شواطئ إسرائيل إلى قبرص، ومن قبرص إلى كريت، ومن كريت إلى شبه جزيرة بلوبونس، ومن هناك إلى غربي اليونان، حيث يرتبط بأنبوب آخر، البوسيدون، وفي نهاية الأمر يصل إلى إيطاليا. ولكن الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، أعلن بأن معنى اتفاقه مع السراج هو أن “قبرص اليونانية ومصر واليونان وإسرائيل لن تتمكن من إقامة خط تسيير الغاز دون تلقي الإذن المسبق من تركيا”.
بالمقابل، فإن الاحتمال الصغير لبناء أنبوب غاز في شرقي البحر المتوسط كفيل بأن يساهم في الجهود المصرية لتضع نفسها كمفترق طرق للطاقة الإقليمية، كونها تحوز منشآت لتسييل الغاز الطبيعي، وهكذا يمكنها أن تصدر الغاز إلى أوروبا وإلى أسواق أخرى من خلال سفن توفر الحاجة إلى بناء أنبوب طويل.
وأخيراً، فإن الاتفاق الذي ترافق وتفاهمات على تعزيز التعاون الأمني مع القوات المتماثلة مع السراج، كفيل بأن يفاقم الآثار السلبية للتدخل الأجنبي في الحرب الأهلية المتواصلة في ليبيا. وحتى قبل الاتفاقات الحالية، زودت تركيا “حكومة الوفاق الوطني” في طرابلس بالسلاح، بما في ذلك الطائرات المسيرة والمركبات المجنزرة، وساعدتها في تأهيل الميليشيات المرتبطة بها. والآن أعلن أردوغان بأنه يحتمل نشر قوات تركية في ليبيا، إذا ما طلبت الحكومة في طرابلس ذلك. وفي هذه الأثناء تتلقى قوات حفتر دعماً اقتصادياً وبالسلاح من مصر والسعودية والإمارات، وعززت روسيا مؤخراً وجودها في شكل 1.400 من المرتزقة ليقاتلوا إلى جانب حفتر.
وبالتوازي، رغم تصريحات الدعم من جانب الرئيس دونالد ترامب لحفتر في بداية السنة، ثمة تغيير للولايات المتحدة على الساحة. ولما كانت تركيا وروسيا تدعمان فصائل متخاصمة في ليبيا، فإن اتفاق أردوغان – السراج الحالي كفيل بأن يصبح مصدر احتكاك بين أنقرة وموسكو. وبالفعل، رغم التقارير، أمر حفتر قواته البحرية بإغراق كل سفينة تركية تقترب من الدولة. إن مساعدة أنقرة للحكومة في طرابلس ستزداد، وهكذا يتعاظم الاحتكاك بين اللاعبين الخارجيين، وستتواصل الحرب الأهلية التي منذ نيسان جبت أكثر من ألف ضحية وجعلت عشرات الآلاف ينزحون في الدولة.
لإسرائيل مصلحة واضحة في أن ترى شرق البحر المتوسط خالياً من المواجهات. إن تعزز علاقات إسرائيل – اليونان – قبرص في السنوات الأخيرة دفع وزارة الخارجية لأن تنشر تصريح تضامن مع قبرص رداً على إطلاق سفينة التنقيب التركية إلى المياه الاقتصادية الحصرية لقبرص، ومع اليونان رداً على الاتفاق التركي – الليبي. هذه التصريحات غير المسبوقة تطلق الإشارة بأن إسرائيل ستجد صعوبة في أن تقف جانباً في حالة اندلاع مواجهة بين جيرانها في شرقي البحر المتوسط. وبالفعل، وفقاً للتقارير، قبل نحو أسبوعين أجبرت سفن تركيا سفينة بحث إسرائيلية عملت بموافقة من حكومة قبرص في أراضي المياه الاقتصادية الحصرية لقبرص على الخروج من المنطقة. وبالأخذ بالحسبان أن إسرائيل لن ترغب في أن تعلق في النزاع الإقليمي المتماثل، فإن على مقرري السياسة في تل أبيب أن يشرعوا بصياغة ردود فعل محتملة مسبقاً.
بقلم: غاليا ليندنشتراوس، سارة فوير واوفير فينتر
نظرة عليا 22/12/2019