فرنسا: الاضراب ضد إصلاح نظام التقاعد وحريق نوتردام ورحيل شيراك وتزايد الإسلاموفوبيا

آدم جابر
حجم الخط
1

باريس-“القدس العربي”:بعد أن فرض حراك “السترات الصفراء” وفصول تعبئته كل يوم نفسيهما كأبرز وأقوى حدث سياسي عرفته فرنسا خلال عام 2018 استهل الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2019 محاولاً إيجاد مخرج لهذه للأزمة الخانقة الناجمة عن هذا الحراك الذي هدد فترته الرئاسية وانعكس سلباً على اقتصاد البلاد وصورتها الخارجية، حيث أطلق في الــ 15 كانون الثاني/يناير 2019 “حواراً وطنياً كبيراً” في جميع أنحاء البلاد قدّم خلاله رؤساء البلديات مقترحات عديدة لرئيس الجمهورية، تتراوح بين الاهتمام بالأرياف وإقامة حكومة وحدة وطنية وإعادة العمل بالضريبة على أصحاب الثروات. وبعد ذلك بثلاثة أشهر كشف ماكرون عن حزمة من التدابير التي اتخذها بعد دراسة نتائج “الحوار الوطني الكبير” حيث وعد بتخفيض كبير لضريبة الدخل سيتم تمويله من خلال سد الثغرات وتقليص الإنفاق الحكومي، غير أنه تمسك بموقفه فيما يتعلق بأغلب الإصلاحات التي نفذتها حكومته خلال العامين الماضيين. ورغم رفض الحراك وأحزاب المعارضة لهذه التدابير، إلا أنها ساهمت إلى حد كبير في تراجع زخم الحراك تدريجياً.

وكما فرض حراك “السترات الصفراء” نفسه بامتياز على المشهدين السياسي والاجتماعي الفرنسيين خلال العام 2018 فإن الإضرابات الواسعة المستمرة منذ نحو شهر ضد مشروع الرئيس ماكرون لإصلاح نظام التقاعد، أتت هي الأخرى لتتصدر المشهد السياسي والاجتماعي في فرنسا لعام 2019 وتلقي بظلالها على عطلة عيد الميلاد ونهاية السنة. فقد تسببت هذه الإضرابات في شلل كبير في وسائل النقل بأنحاء البلاد وعطلت الاستعدادات لعيد الميلاد.

النقابات العمالية الرافضة لهذه الإصلاحات، تعوّل على تراجع شعبية الرئيس ماكرون حتى تخرج منتصرة من النزاع، كما يعوّل معارضو الإصلاح على السياق المتوتر منذ انطلاق حراك “السترات الصفراء” قبل أكثر من عام، وأيضا على الاستياء المتنامي في المستشفيات وبين الطلاب وعناصر الشرطة والمزارعين. وفي خضم هذه التعبئة الاجتماعية، أعلن قصر الإليزيه أن الرئيس ماكرون قرر عدم تقاضي معاشه للتقاعد بعد مغادرته القصر والذي يحق له بمقتضى قانون صادر عام 1955 ويصل إلى نحو ستة آلاف يورو شهريا قبل خصم الضرائب. وهي خطوة لم يسبقه إليها أي من رؤساء الجمهورية الخامسة.

الاعتداءات الإرهابية

عام 2019 لم يخل كذلك من الاعتداءات الإرهابية، وإن بدرجة أقل مما كان عليه الحال في السنوات الأربع الماضية. فقد قتل أربعة شرطيّين طعناً بسكين في بداية تشرين الأول/اكتوبر الماضي ارتكبه داخل دائرة شرطة باريس موظف في إحدى المديريات، قتلته قوى الأمن لاحقاً. وخلال مراسم تأبين هؤلاء الشرطيين دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى “مجتَمع يَقظة في مواجهة الشّر الإسلامي”. ويعد هذا أحد أبرز تصريحات الرئيس الفرنسي الذي توقفت عنده وسائل الإعلام للتحليل خلال العام 2019.

بعد هذا الاعتداء غير المسبوق الذي لا تزال دوافعه مجهولة بنحو ثلاثة أسابيع، أطلق ناشط سياسي يميني متطرف النار على مواطنيْن مسلميْن مسنّيْن وأصابهما بجروح متفاوتة الخطورة، حين تصديا له بينما كان يحاول إضرام النار في مسجد في مدينة بايون، جنوب غرب البلاد. وقبل محاولة حرق المسجد هذه ببضعة أيام، اعتدى أحد المنتخبين المحلّيين عن حزب “التجمع الوطني” اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان، على سيدة ترتدي الحجاب كانت ترافق مجموعة من الأطفال في رحلة مدرسية إلى أحد المجالس البلدية، شرق البلاد للتعرف إلى طريقة عمل إحدى آليات الديمقراطية الفرنسية. حيث طالب رئيسة المجلس إجبار السيدة على نزع حجابها أو الخروج من المجلس “باسم قيم الجمهورية والعلمانية”. وقد انتشر فيديو الواقعة على منصات التواصل الاجتماعي وتفاعل معه كثيرون، بمن في ذلك سياسيون. ليعود الجدل مجدداً حول موضوع “الحجاب والعلمانية” لتصدر المشهد على مدى أسابيع.

وفي أعقاب هذين الحادثين، نزل آلاف الأشخاص، بينهم شخصيات عامة في عدة مجالات، إلى الشارع بباريس في مسيرة احتجاجية ضد تزايد ظاهرة الإسلاموفوبيا، مطالبين بوضع حد لكافة مظاهر الإقصاء والعنصرية ضد الفرنسيين من معتنقي الديانة الإسلامية.

وضمن حربه في مواجهة الإرهاب، تكبدّ الجيش الفرنسي في نهاية العام 2019 أكبر خسارة بشرية له منذ التفجير الذي استهدف مقر قيادة القوات الفرنسية في بيروت في عام 1983 وأوقع 58 قتيلا. إذ تسبب اصطدام مروحيتين خلال عملية عسكرية بمالي في مصرع 13 جندياً فرنسياً مشاركين في عملية “برخان” العسكرية الفرنسية ضد الجهاديين في منطقة الساحل، ليتصدر أولويات الرئيس ماكرون في السياسة الخارجية. إذ هيمن على زيارته الأسبوع الماضي إلى ساحل العاج والنيجر، على أن يترأس هنا في فرنسا في منتصف شهر كانون الثاني/يناير 2020 قمة مع رؤساء دول مجموعة الساحل الخمس، في مسعى منه إلى إعطاء دفعة جديدة لعملية برخان وللحرب ضد الجهاديين في هذه المنطقة، التي اعتبر أنها تأخذ “منعطفاً خطيراً”.

وخلال زيارته لساحل العاج هذه للاحتفال مع الجنود الفرنسيين هناك بعيد الميلاد، أدلى ماكرون بتصريح قوي جدا لاقى ترحيبًا في القارة السمراء، بقول إن:

“الاستعمار كان خطأ جسيماً ارتكبته الجمهورية الفرنسية ويجب فتح صفحة جديدة بين باريس ومستعمراتها السابقة في القارة السمراء”.

 

الحريق

 

علاوة على هذه الأحداث السياسية والدبلوماسية، يعد الحريق الذي اندلع مساء الـ15 نيسان/ابريل 2019 في “نوتردام دو باري” العريقة في قلب باريس واستمر حتى الليل بعد اجتاحت النيران الجزء العلوي من الكاتدرائية بما في ذلك برجي الجرس والمستدقة المركزية التي انهارت، يعدّ أحد أبرز الأحداث التي طبعت العام 2019 في فرنسا بل إن الصدمة التي أحدثها تجاوزت حدود البلاد إلى عواصم العالم. وقد وعد الرئيس إيمانويل ماكرون بإعادة بناء الكاتدرائية “خلال خمس سنوات” ملعناً عن إطلاق حملة لجمع التبرعات الدولية، استجاب لها بسرعة بعض رجال الأعمال الفرنسيين. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه وللمرة الأولى منذ العام 1803 لم يقم قداس احتفالي بمناسبة عيد الميلاد في نوتردام.

وبالنسبة للعام الجديد 2020 فعلاوة على مشروع إصلاح نظام التقاعد الذي يعد مسألة حساسة في البلاد والذي يتوقع أن تستمر التعبئة ضده في ظل تعلق الكتل العاملة بالنظام القائم الذي يعتبر من بين الأكثر حماية في العالم، فإن الانتخابات البلدية التي ستجري في أيار/مايو 2020 تعد التحدي البارز الآخر المطروح أمام الرئيس إيمانويل ماكرون وأغلبيته الحاكمة، إذ تشكل هذه الاستحقاقات أول اختبار محلي تخوضه حركته الفتية الحاكمة “الجمهورية إلى الأمام” بعد اختبار الانتخابات البرلمانية الأوروبية الذي فشلت في تصدر نتائجه وحلت ثانيًا بفارق مقعد واحد عن حزب مارين لوبان. وهي نتيجة ليست بالسيئة، إذ ما أخذنا بعين الاعتبار السياق الذي أجريت فيه هذه الانتخابات في نهاية أيار/مايو 2019.

راحلون

  • الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك توفي نهاية أيلول/سبتمبر عن عمر ناهز 86 عاماً أبرز شخصية فقدتها فرنسا في العام 2019. وقد أقيمت له مراسم تأبين شعبية ورسمية مهيبة شارك فيها رؤساء دول وحكومات أجنبية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية