ندوة حول المجموعة القصصية «مستعمرة الجذام» : السخرية والتأسي كملاذ أخير من حياة عبثية مرعبة

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: «لعنة الله على الذين ملأوا عقولنا بالآلهة الأبطال، وصراع الطبقات والأخلاق المستقيمة، وتلك الأساطير المسماة بالوطن والشعب والطبقات الكادحة. الآن يتخبط الجميع هرباً من ذاك الانحدار الدامي وطلباً للصعود. الآن لا ألتقي سوى بالنوع الجديد من الرجال الصاعدين. ونحن لا نزال نتمسك بما يثقلنا عن الصعود لضوء شمس جديدة. إذ قيل لنا إن الشمس التي أمدتنا بالضوء لم تكن سوى شمس كاذبة». (الرجال الطبيعيون).

ينتمي الكاتب والروائي فتحي إمبابي لما أطلق عليه جيل السبعينيات، وهو جيل استفاق على أكذوبة كبرى، وعاش نضاله في زمن التحولات القاسية التي طالت مصر في سبعينيات القرن الفائت، ولم تزل آثارها باقية حتى الآن. كان المبحث الأساسي لنتاج إمبابي الروائي هو مسألة الهوية، بدايات صياغتها والتشوهات التي طالتها قبل أن تكتمل وتستقيم وتترسخ، مُشكّلة وعياً بحرية مسؤولة، بعيداً عن سياسات القطيع. أنتج إمبابي أعمالاً يحفل بها السرد المصري والعربي، بداية بروايته «العُرس» الصادرة عام 1980، مروراً بعدة أعمال نذكر منها مثالاً .. «نهر السماء»، «مراعي القتل»، «شرف الله»، «أقنعة الصحراء»، «عتبات الجنة». ومجموعة قصصية بعنوان «السبعينيون». وبمناسبة إصداره مجموعته القصصية الثانية، والمعنونة بـ»مستعمرة الجذام» الصادرة عن دار ابن رشد، أقام منتدى المستقبل في حزب التجمع في القاهرة، ندوة لمناقشة المجموعة، أدارها الكاتب أحمد الفيتوري، وبمشاركة كل من الشاعر جمال القصاص، والناقد يسري عبد الله، وحضور المؤلف.
أشار الكاتب أحمد الفيتوري بداية، إلى أن مجموعة «مستعمرة الجذام» تعد حكاية واحدة من حيث البنية والدلالة، بخلاف الأسلوب السردي والأحداث التي تتناولها كل قصة على حدة. فنصوص المجموعة الخمسة وهي، (الرجال الطبيعيون، عزيزي تيمور، امرأة من مخمل، الأميرة الدينارية، ومستعمرة الجذام) ما هي إلا رثاء وذم للواقع، الذي يراه الكاتب يشبه إلى حدٍ كبير العنوان الذي اختاره الكاتب لمجموعته.. «مستعمرة الجذام». الأمر نفسه أكده الناقد يسري عبد الله، الذي لم يكتف بالاستشهاد بنصوص المجموعة، بل رأى أن روايات الكاتب بالكامل تربط بينها قواسم مشتركة على مستوى الصيغ الأسلوبية والعوالم المحكي عنها.
ويضيف عبد الله، أن الكاتب يعتمد أسلوب الجُملة الطويلة، التي تتأسس من خلالها جُملته السردية، كذلك فالقصة المركزية «مستعمرة الجذام» تعد إطاراً حاكماً للقصص الأخرى. تشكل حوالي 40 صفحة من صفحات المجموعة المئة. إضافة إلى أن قصة المستعمرة تتسع فيها مساحات السرد التحليلي، حيث نرى ما يُسمى بالوظيفة التحليلية للسرد، فالسارد يتوقف عن أن يقدم لنا نسقاً إخباريا، ويبدأ في تحليل أحداث القصة نفسها والتعقيب على النسق القصصي أحياناً.
ويرى عبد الله أن مستعمرة الجذام تصلح لتكون نواة رواية طويلة، كأعمال الكاتب المعهودة، كما أنها تتماس وعدة أعمال سابقة للكاتب، فهناك علاقة بين مجموعة «السبعينيون» و»مستعمرة الجذام»، بداية من الشخصية اليسارية المناضلة (تيمور الملواني) وهو شخصية شهيرة بين مناضلي السبعينيات. وفي المجموعة تتم الإحالة إلى رواية إمبابي «شرف الله»، حيث تتم المقابلة بين المثقف التقني الانتهازي والتنويري الزائف الذي يعمل لمصالحه وذاته، مقابل المثقف العضوي، الذي يعمل لصالح الواقع والإنسانية. حتى (الدكتور النابغة) ــ مثقف نابغة يدّعي ويصورونه بأنه وريث طه حسين ــ الذي يسخر منه إمبابي طوال الوقت، لا يقتصر أمره ووصفه على فرد بعينه، بل يمتد ليشمل نمطاً معهوداً لعدد كبير من المثقفين، كلاب السلطة وحراسها الأوفياء.. «ولم تمض أيام قليلة حتى دُعي للقاء رجال السيد الكبير، كي يعرض ما في جعبته من بضائع الحداثة المصورة. ويعلم الجميع وللغرابة أنه منذ صعوده الذي أُرّخ بزمن صعود (التنويريين الجدد) لم ينزل». (مستعمرة الجذام).

المنحى الأكثر حضوراً في نص إمبابي، يتمثل في وعيه الحاد، بجدل السياسي والجمالي، فضلاً عن قدرته على تضفير نصه بجملة من المقولات الكبرى، التي بات واحداً من حراسها في الكتابة الروائية الراهنة

ويشير عبد الله إلى أن المنحى الأكثر حضوراً في نص إمبابي، يتمثل في وعيه الحاد، بجدل السياسي والجمالي، فضلاً عن قدرته على تضفير نصه بجملة من المقولات الكبرى، التي بات واحداً من حراسها في الكتابة الروائية الراهنة، حيث يمرر إمبابي تلك المقولات عبر حكايات إنسانية ثرية، وإطار خارجي يغلف حركة الأحداث والشخوص، واختيار دال للحظة التي يبدأ منها. فالمقولات الكبرى، حسب الرجل، لم تمت، ولكن أعُيد إنتاجها عبر عناصر ذاتية وتفاصيل صغيرة، تبتعد تماماً عن المباشرة، بل دوماً يتم العمل على أنسنتها. ففي قصة «عزيزي تيمور» كمثال، يحيلنا العنوان بداية إلى السبعينيات، حيث المناضل «تيمور الملوانى». كما تحيلنا إلى جملة مركزية تتواتر طول هذه القصة هي عزيزي تيمور. كذلك تلعب الهوامش دوراً في تكملة القصة التي تبدأ من الراهن ــ محاولة لجعل الهامش متناً ــ فتيمور الملواني لم يتم التعامل معه باعتباره زعيماً سياسياً، بل نموذجا إنسانيا ثريا بعيدا عن التأليه، فقط أولاً وأخيراً إنسان. فمن خلال ثنائيات الشرف والخسة، العدل والجور، الضمير والتداعي تتسرب كل تلك السرديات الكبرى إلى متن المجموعة القصصية متوسلة بالتفاصيل الصغيرة والمحاكاة التهكمية، وأحيانا البناء الرمزي، كما في قصتي، «مستعمرة الجذام» و»الرجال الطبيعيون».
ويرى الشاعر جمال القصاص، أنه ثمّة إحساس دائم بالخوف والهلع، يطارد الجميع بينما تبرز الغرابة المقلقة وكأنها قانون اللعبة التي يتسابق أبطالها في صناعتها، لتصبح في خدمة مصالحه ونزواته. يطالعنا هذا في «الرجال الطبيعيون»، حيث يحدد صراع السطح والأعماق طبيعة الشخوص، من حيث نظرتهم إلى المستقبل وواقع الحياة من حولهم. من ناحية أخرى تبدو رمزية (الجذام) هذا المرض الذي أصبح لا يقتصر على سكان البرك والمستنقعات، الذين تحولوا تحت وطأة المرض إلى زواحف وقوارض، بل تمتد هذه الرمزية إلى سكان الأطراف المحيطين بحاشية الحكم والسلطة.
ويضيف القصاص بأن بعض أجزاء النصوص الخمسة، تتسم بسمة واقعية تكاد تتطابق والتوثيق، ذلك لاعتماد بعض أحداثها على التجارب الخاصة بالمؤلف، بينما الأحداث الأخرى تغرق في الفانتازيا والجو الأسطوري. فالنص لا ينفصل عن بعضه ومحور تناصه مع ألف ليلة وليلة، وفكرة التحرر بالكتابة تنتمي لعالم ألف ليلة وليلة، لكن هنا التي تحكي هي دنيا زاد. والأمر في الأخير لا يتعلق بالمُتخيَّل، بل بواقع المُتخيِّل نفسه، فكلاهما يفيض على الآخر، ولا يقل رعباً عنه. علاقة اتفقت على التواطؤ تحت مظلة من الاغتراب، فالذات عاجزة عن الانسحاب من الحياة، بل يصل العجز حتى إلى التساؤل والمراجعة. «لم أعد أتذمّر .. لماذا كان عليّ أن أخرج؟ لم أعد أتذكر.. سأعود لفراشي وأنام بانتظار حلم يأتي لنا به نبي ما.. حتى لو كان مزيفا، حتى ولو كان النبي الكذاب.. حتى لو كان المسيح الدجال، ولحين ما أتذكر ما يتعين على فعله سأعود لفراشي وأنام ثانية لأنتظر الأحلام» (مستعمرة الجذام).

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية