لندن ـ «القدس العربي»: يكشف فيلم «صانعة الملوك» للمخرجة الأمريكية لورين غرينفيلد، امرأة لا تقهر، امرأة ذات جبروت تغلفه بمسحة من الرثاء للذات، والتظاهر بالسخاء والإغداق على الفقراء. «صانعة الملوك» التي تمنح الفيلم عنوانه هي إميلدا ماركوس، السيدة الأولى السابقة للفلبين، صاحبة الجاه والثراء والسلطان، التي ما زالت تتمتع بقدر كبير من النفوذ، رغم أعوام من المصادرات للأموال والثروات الطائلة، التي استحوذت عليها مع زوجها، فرديناد ماركوس، إبان رئاسته للفلبين.
يروي الوثائقي، الذي يعرض حاليا في دور العرض في لندن، قصة ماركوس بصوتها وصورتها وكلماتها ورؤيتها لذاتها، تلك النظرة للنفس التي تحمل قدرا كبيرا من المظلومية والبكائية، على الرغم من الجبروت الطاغي. تقدم ماركوس مرثية للذات لأعوام أمضتها في المنفى خارج الفلبين بعد استيلائها هي وزوجها على ثروات طائلة من ثروات الفلبين، ومن التمويلات الأمريكية، التي قدمتها إدارات متعاقبة في واشنطن لمانيلا، مقابل تصدي ماركوس للمد الشيوعي، ولإقامة قواعد أمريكية على أراضي الفلبين.
بثياب فاخرة تليق بملكة متوجة، وزينة كاملة لا تشوبها شائبة وشعر أسود فاحم صُبغ وصُفف بعناية، تلتقي إميلدا طاقم الفيلم، تلتقيه بعد أن عادت للفلبين عازمة على أن تعود عائلتها إلى سدة الحكم والسلطة، متمثلة في ابنها فرديناند، الملقب ببونغ بونغ، وابنتها شي، اللذين لا يبدوان لنا إلا كدميتين تحركهما الأم واسعة السلطان، وتعدهما للدور الذي يمهد لها هي العودة إلى النفوذ وإلى المحافل الدولية، كوالدة الرئيس. يقدم الفيلم نظرة فاحصة لعالم من الجبروت والطغيان، تسلطت فيه إميلدا على بني بلادها، تبعدهم عن ديارهم كيفما يعن لها، لإقامة مشاريع لا تجدي نفعا ولا تقيم أوَدا. يعن لها أن تقيم محمية لحيوانات استقدمتها خصيصا من افريقيا، لتعيش في أجواء تختلف عن أجوائها وتربة لا تجد فيها غذاءها، ولتحقيق هذا الغرض تطرد المئات من دورهم وجزيرتهم. قد نضحك أحيانا من خداع الذات الذي تعيشه إميلدا، من نظرتها لذاتها كوالدة الأمة والمحسنة إليها، لكنه ضحك كالبكاء، ضحك من هول المأساة التي يشهدها بلد بأكمله لرغبة إميلدا أن تتحكم في مقادير بلد بأكمله.

ربما لم تنجح إميلدا رغم كل نفوذها ومحاولاتها أن يتولى ابنها صاحب الموهبة المحدودة الرئاسة في الفلبين، ولكنها خلقت أجواء من الفساد، سمحت بتولي مؤيدها وربيبها، رودريغو دوتيرتي، الرئاسة. يماثل تسلط دوتيرتي وطغيانه طغيان آل ماركوس، ويبدو لنا صنيعة يدي إميلدا. يضم الفيلم مقابلات تقطر ألماً مع عدد من الذين اعتقلوا وعذبوا، إبان حكم ماركوس لوقوفهم في وجه الفساد ولاحتجاجهم على سرقة ماركوس وزوجته، الأموال الخاصة بالبنية التحتية للبلاد وتحويلها لأرصدتهما الخاصة.
تصحبنا إميلدا بعينين دامعتين وصوت متهدج في جولة إلى مستشفى لمرضى السرطان، وتحرص على أن تزودها وصيفتها بأوراق نقد من الفئات الصغيرة لتفرقها على المرضى، كما يليق بمحسنة مغدقة. يبدو لنا كما لو أن إميلدا حقا تصدق حقا أنها محسنة محبة للفقراء، أو ربما تقوم بذلك لتخليد أسطورتها الشخصية كوالدة الأمة. بينما تمجد إميلدا ذاتها كصانعة الجمال، كما كان زوجها يصفها، لأنها كانت تستثمر الأموال الطائلة التي جمعها زوجها من قوت شعبه، في شراء لوحات كبار الرسامين في العالم، والتحف والمجوهرات، والاحتفاظ بها كأصول عينية للأسرة، نجدها تبدي التقزز والاشمئزاز من مظاهر الفقر والعوز في طرق مانيلا، ذلك الفقر الذي ساهمت هي بقدر كبير في خلقه. ثروات طائلة وعقارات في أفخر بقاع الأرض، بينما يتضور الشعب جوعا، وبينما يقمع زوجها الحريات ويعتقل الآلاف وينكل بأي مطالب بالحرية.
يرسم لنا الوثائقي إميلدا كعاشقة للأضواء والشهرة، وامرأة واعية تماما بجاذبيتها وغوايتها عندما كانت في ريعان الشباب. هي ملكة جمال سابقة شُغف بها ماركوس عشقا وولها، بينما عشقت هي جمالها ونفوذها والثراء أكثر من أي شيء آخر. نراها ترفل في أثوابها الأنيقة، مصافحة الرؤساء، لا يعنيها ما إذا كانوا طغاة أم دون ذلك. نرى ماو يقبل يدها، بينما تفاخر بأنها التقت القذافي وغيره، وأنها بابتسامتها وحديثها العذب كانت المنفذ الحقيقي للسياسة الخارجية لبلادها.
كانت إميلدا نجمة السياسة الخارجية لبلادها، تنادم الرؤساء والملوك، بينما ينغمس فرديناد في علاقات نسائية في غيابها. رغبة إميلدا في الحصول على إعجاب الجميع وإدارة الرؤوس بملابسها وحديثها، مع إحساسها بتفضل زوجها لنساء أخريات وسعيه ورائهن، كانا من أسباب رغبتها المتزايدة في الحصول على الثراء وتكديس التحف الفنية. تبدو لنا إميلدا واعية تماما بالصورة التي ترسمها لنفسها، حيث يبدو استمتاعها باستعراض ثرواتها من التحف والمجوهرات واللوحات، أمام مخرجة الفيلم وطاقمه، وفي الوقت ذاته تبكي على ما ينتشر في بلادها من فقر وعوز وقبح. يبدو لنا أنها ترى نفسها كصانعة للجمال ومحتفظة به، لا يهم كيف وصل هذا الجمال إلى حوزتها، طالما هي جميلة أنيقة مدللة.