تتجه الأزمة الجزائرية نحو السنة، حيث نزل إلى الشوارع الوطنية، في بعض الجُمُعات وبشكل غير مسبوق، نصف الساكنة. وتثير هذه الحالة المزيد من الأسئلة المعقدة والمرتبكة التي لا تكفي فيها الارتجالية الترقيعية التي تعود عليها النظام. ويبدو في الظاهر أن رحيل قائد الأركان، الفريق أحمد قايد صالح (على روحه الرحمة والسلام) الذي أطلق عليه نعت: الجنرال الذي لم يطلق رصاصة واحدة على شعبه، سيفتح أبواباً جديدة للنقاش، لكن حتى الآن لم يظهر ما يقود إلى هذه الفرضية، ومنها مبادرة إطلاق معتقلي الرأي، حتى ولو كانت حماسة الخطاب الرسمي كبيرة ووثوقية وتلحّ على أن الأزمة البنيوية والتاريخية للنظام قد انتهت، وحلت محلها وحدة شعبية كبيرة، في الوقت الذي واصل فيه نفس الخطاب نكران الحراك وكأنه غير موجود.
الواقع الموضوعي يظهر أن الحراك لم يتوقف، وإن المشكلات الكبرى ما تزال قائمة. في المقابل، قدمت الطبيعة والانتخابات وبقايا الدستور ما رفض النظام تقديمه طوال مدة الحراك. مثلاً، فقد انتهت مغامرة بن صالح الذي وجد نفسه، دستورياً، رئيساً للدولة على الرغم من مرضه، فحل محله رئيس منتخب (كيفما كانت الآراء حول هذه الانتخابات) وكان هذا واحداً من مطالب الحراك جزئياً (ذهاب الباءات)، أي ذهاب بن صالح وبدوي. وفي صيرورة تقليد دستوري، حلت حكومة بدوي التي رفض قائد الأركان حلها خوفاً من الفراغ الدستوري كما صرح بذلك في العديد من المرات، على الرغم من إصرار الحراك على أنها آخر حكومة وضعتها العصابة ويجب أن تذهب، واستبدالها بشخصيات وطنية أكثر تفاعلاً مع الحراك، لكن هذا المطلب لم يتلق أية استجابة من طرف المؤسسة العسكرية. قبلهما، أقيل وزير الداخلية صلاح الدين دحمون، الذي ارتبط اسمه بممارسات فاشية غير مسبوقة ضد الحراك باتهامه بالخيانة والسير في ركب الاستعمار والمثلية، كما كان وراء اعتقال كثير من الإعلاميين والفنانين، وحتى بعض النشطاء السياسيين. كما عرف بقمع حراك وهران بعنف حاقد تم تصويره، وكان ذلك أولى الرسائل المبعوثة من طرف الرئاسة الجديدة للحراك، مع أن الأجدر كان يجب إخضاعه للمساءلة والمحاكمة.
على الرغم من هذا كله، لا أحد ينكر الدور الكبير الذي لعبته المؤسسة العسكرية في مرافقة الحراك، إذ كانت وراء حبس مجموعة كبيرة من رؤوس العصابة التي لم يكن أحد يتخيل أن ذلك سيحصل يوماً في ظل هيمنة العصابة على كل مناحي الحياة الاقتصادية والإعلامية وقنوات الدولة الاجتماعية والسياسية وحتى المخابرات، في ظل عجز كلي للرئيس صحياً، فأصبحت البلاد تسير بالتليفونات وكأنها مزرعة خاصة. لكن هذه المرافقة توقفت للأسف عند عتبة حكومة بدوي، بحجة أن الحراك حقق مطالبه الأساسية برفض العهدة الخامسة وعزل الرئيس، ووضع حد للعصابة، ربما لحسابات معقدة في بنية النظام نفسه، والضغوطات الدولية. لا أحد ينكر أيضاً على المؤسسة العسكرية رفضها تدخل الجيش لإدارة الوضع الأمني مع مراقبته ولم تسل قطرة دم واحدة طوال عشرة أشهر من الحراك الذي اختار السلمية بدل الاصطدام. وتفادت بذلك المؤسسة العسكرية أخطاء العشرية السوداء.
على الرغم من ذلك كله، فالمشكلات الكبرى التي أثارها الحراك ما تزال قائمة، والكرة أصبحت كلياً في ملعب النظام الذي وعد بمد يده للحراك. شيئان ما يزالان معلقين وهما من مطالب الحراك الكبرى: إطلاق سراح المعتقلين، وفتح وسائل الإعلام التي تعيش بضرائب المواطن، ولا تظل بوقاً يروج فقط لما لخطاب السلطة. ندرك جيداً أنه حتى في حالة إطلاق سراح المعتقلين قد لا يتوقف الحراك، وقد يظل في وضعيته الثابتة ولو جزئياً، ولكن من المؤكد أنه قاد ديناميكية جديدة في العلاقة بين السلطة والحراك، نقطة شديدة الأهمية ليخرج الحراك من دائرة الجمعات المتشابهة التي تحتاج إلى دم جديد بعد المستجدات الأخيرة المتسارعة في البلاد التي أصبحت على شفا حفرة من الانهيار والانفجار الذي قد يصل بسرعة إلى نقطة اللارجوع.
جمعة الأسبوع الماضي أظهرت أمراً خطيراً وجديداً، كاد يحدث انفجار يسقط السلمية نهائياً ويتحول الأمر إلى حرب شوارع، بسبب البلطجية الذين تدخلوا في الحراك بعنف في مدن عديدة: وهران، العاصمة، برج بوعريريج، سطيف، قسنطينة وغيرها، وبلغة مشابهة، عارية ومهينة للنساء تحديداً، ما يدل على أن الأمر لم يكن وليد الصدفة. هذه الاعتداءات تمت على مرأى من رجال الأمن المضادين للشغب الذين لم يحركوا ساكناً. نفس اللغة، نفس الشتائم، نفس طرائق الاعتداء وكأنها محضّرة في مخبر واحد. إذا كان ذلك استراتيجية جديدة لكسر الحراك، فهو مخاطرة غير مأمونة العواقب، وقد تنتهي إلى الدم، ونعرف جيداً أن الكثير من الحروب الأهلية بدأت بشرارة صغيرة. حكمة الحراك السلمي هي التي فوتت على البلطجية فرصة تحويل الشوارع المكتظة إلى ساحات معارك دموية. قرابة السنة من الحراك علمت الناس أن يظلوا سلميين، فماذا يريد النظام من وراء هذا الفصل الجديد؟
لهذا، على السلطة وبدون تأخر، مد يد حقيقية للحراك ربحاً للوقت حتى لا تستفحل الأوضاع ويصبح من الصعب تسييرها، وإطلاق مفاوضات حقيقية. إطلاق سراح المعتقلين يشكل عتبة أولية لحسن النية. ويحتاج الحراك أيضاً إلى إعادة هيكلة نفسه من خلال قوة تمثيلية تخرج من صلبه، ليحافظ على استمراره وترسخه كقوة شعبية لها كلمتها في مواجهة كل انحرافات النظام، ودفعه إلى الاستجابة لمطالبه المشروعة، أكبرها استعادة اللحمة بين منطقة القبائل وبقية الوطن.
الخطابات العنصرية التي لم يعاقب عليها القانون عمقت في الهوة الفاصلة بين مختلف المكونات الهوياتية الوطنية. منطقة تتعرض لضغوطات الخطابات التخوينية ولضغط المجموعات الانفصالية (MAK، الحركة من أجل استقلال منطقة القبائل) التي تدفع بالفتنة أكثر فأكثر إلى الأمام. أمام الرئاسة والمؤسسة العسكرية، قطبا الحكم التقليدي في الجزائر، مسؤوليات كبيرة في حل هذه المعضلة، الذي لن يتحقق دون الإصغاء إلى مطالب الحراك. دون حل المشكلات السياسية لا يمكن مطلقاً حل المعضلة الاقتصادية التي بدأت تتحول إلى حقيقة مخيفة في ظل وضع اقتصادي لا أفق فيه إلا بمزيد من التكاتف لمواجهة شبه انهيار كلي لأسعار النفط، إذ فقدت الجزائر أكثر من 60% من العائدات النفطية. وهو ما ستترتب عنه، في الوقت القريب، هزات عنيفة شديدة الخطورة على استقرار البلاد. على كل الأطراف، وعلى رأسها السلطة، أن تعي أن سفينة الجزائر معرضة للغرق إذا لم يُسمع لنداءات الاستغاثة الآن.