كلام يبحث عن نَسَب

حجم الخط
2

هناك عبارتان شهيرتان عن ثنائية السيف والكلمة، احداهما لشاعر عربي هو ابوتمام وقالها في مديح المعتصم بمعركة عمورية، والاخرى لامبراطور هو بونابرت، شاعرنا العربي حسم الامر لصالح السيف فهو الاصدق إنباء من الكتب، اما الامبراطور فقد قال لا يحل السيف مكان الكلمة ولا الكلمة ايضا مكان السيف، ويروى انه قال ذلك في حضرة مثقف فرنسي دافع عن حق الكلمة في التاريخ، ليس فقط لأنها كانت في البدء وفقا لمفهوم ميثولوجي، بل لأنها تصبح في مقام ما، فِعْلا وتُكَلّف قائلها حياته، ويكفي ان قال عالِمْ مثل جوتارنو برنو ان الأرض تدور كي تلقيه محاكم التفتيش في النار.
ورغم فائض المقولات والامثال والمواعظ في ثقافتنا العربية عن فاعلية الكلام، خصوصا اذا كان في حضرة حاكم جائر، الا ان مجمل السياقات التي ترد فيها مفردة الكلام تنبىء عن كونه نقيضا للفعل لكن عصرنا الحديث شهد المزيد من محاولات تهميش الكلام وتجريده من نفوذه، فهو كما يردد الناس في كل المناسبات مجرد حكي، او ان ما يقال منه ليلا يمحوه النهار، او هو فقاعات مجانية، وهو من فضّة مقابل كون الصمت من ذهب، ولتحليل هذه الظاهرة لا بد من العودة الى جذورها الانثربولوجية، وهنا نستذكر على الفور المقاربة التي بدأها الانثربولوجيست بيير كلاستر في كتابه عن مجتمعات ما قبل الدولة، فقد افرد فصلا بالغ الاهمية لما يسميه نفوذ الكلام، بدءا من المجتمعات البدائية التي كانت حقل دراسته الميداني حتى اعلام الدولة او الحزب او الايديولوجيا … يقول ان اهمية الكلام في المجتمعات البدائية تُنسب الى مصدره وليس الى منطقه الداخلي، لهذا لا يخضع كلام شيخ القبيلة الى تقييم او فحص بل يؤخذ كما هو، هكذا تتعذّر المفاضلة بينه وبين اي كلام آخر صدر عن شخص دونه. ولو اعدنا قراءة ما قاله ابو تمام عن افضلية السيف على الكلمة، في ضوء هذا المفهوم نجد ان المعركة التي استدعت هذا القول وهي عمورية تحقق فيها انتصار الخليفة المعتصم ولم يخطر ببال ابي تمام ان هناك من يقول من احفاد احفاده ان سيف المعتصم فتح الباب على مصراعيه لموجات رعوية انتهت الى تفكيك الدولة، وبمعزل عن كون هذا الكلام دقيقا او به اسقاطات ايديولوجية معاصرة فإن ما يعطي الارجحية للسيف هو الانتصار، واقرب دليل تاريخي الينا هو ما كُتِب في اعقاب حرب حزيران/ يونيو عام 1967 فمعظمه سواء كان شعرا او نثرا اوغل كثيرا في هجاء الكلام، ومن أمثلة ذلك قصيدة البياتي التي قال في مطلعها:
طحنتنا في مقاهي الشرق حرب الكلمات
واضاف اليها اغنيات ام كلثوم وكذلك هوامش نزار قباني على دفتر النكسة، فهو ينتهي ايضا ان حرب حزيران/ يونيو انتهت وكأنها لم تكن لأن البطولة فيها كانت للكلام .

٭ ٭ ٭ ٭ ٭ ٭٭

لو كان الانثربولوجيست كلاستر على دراية بحكاية شهرزاد وما تناسل منها من حكايات عبر التأويل لتوقف طويلا عند دور الكلام في تأجيل الموت لأنه يفتدي من يلوذ به كي ينجو ليلة بعد ليلة، وهنا نحن ازاء بُعدين او وجهين لهذه المسألة فثمة من يتكلم وبالتالي يروي كي يؤجل موته، مقابل من يستمع ويستمتع بالكلام كي يرضى بهذا التأجيل، وهو شهريار الذي يرمز بشكل مزدوج الى السيف والذكورة .
في مقاربة كلاستر يكون رمز السيف هو القوس بالنسبة للصياد، اما المرأة فترمز الى السلّة التي تجني فيها الثمار، وفي هذه الحالة يكون شهريار من طراز آخر، لا يعنيه الكلام بقدر ما يعنيه جني الثمار، سواء كان من الشجر والمحاصيل او من الانوثة ذاتها، لكن الشهريارية تتجسد في مجال آخر، هي ما يسميه كلاستر تحريم الطريدة على من اصطادها، فمن اصطاد غزالا يحرم من تذوقه ويكون نصيبه من ارنب او طائر اصطاده رجل آخر. وتوصل بعد ذلك الى ان حرمان الفرد من الاستمتاع بنجاحه وتحريم طريدته عليه أدى الى اغتراب عميق دفع الصيادين الى ابتداع لغة خاصة بهم وأغان تعلن القطيعة عن لغة وأغاني القبيلة.
هنا يتحول الكلام الى فعل مضاد ويمارس من خلال الانتقام لكن هذا التحليل يبقى في نطاق جماعات بدائية في مرحلة الصّيد، فما ان تطورت هذه الجماعات واصبحت زراعية ومستقرة نسبيا وعلى تخوم تصنيع بدائي في ادواته حتى أخذ الكلام منحى آخر، واصبح مقترنا من حيث قيمته ونفوذه بمن يملك وبالتالي من يحكم ويعطي ويحمي، فالبلاغة تسقط وكذلك كل القيم الجمالية اذا كان الاحتكام لمن يملك السطوة في الكلام، وهو ولي الأمر او ما يسمى صاحب القول الواحد!

٭ ٭ ٭ ٭ ٭ ٭٭

هناك تجربة طريفة قام بها الناقد الانكليزي ريتشاردز حين قدّم لتلاميذه اقوالا تتفاوت من حيث العمق والاهمية، لكنها موقعة باسماء مشاهير فكانت اجابات التلاميذ صادمة حيث كانت احكامهم ليست على الاقوال ومضامينها ودلالاتها بل على الاسماء التي نسبت اليها، ورغم ان هذه التجربة ليست من عالم كلاستر البدائي بل من مناخ اكاديمي عريق، الا ان الانحياز فيها كان لمصدر الكلام وليس للكلام ذاته، وما توصل اليه ريتشاردز هو ان مصدر الكلام يصادر على المستمع ويحذف منه حريته في الحكم والمقارنة. لهذا فالكلام منذ نشأته حتى آخر تجلياته بقي رهينة لمن يصدر عنه بحيث يكون تهجير نفوذه من داخله الى خارجه ومن منطقه الى شهرة قائليه.
وفي النُظُم الشمولية عاد الكلام الاعزل الى طوره البدائي رغم كل الحذلقة والتجميل، فما ينسب الى الحاكم يتنافس المريدون في تحليله وتأويله حتى لو كان مجرد هذيان، لهذا شاع عنوان تقليدي في تلك النظم هو قراءات في ضوء ما قاله القائد… وكأن القسمة النهائية هي بين كلام له نسب وآخر لقيط!

كاتب اردني

خيري منصور

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية