خيري منصور
تعوّدت لسنوات، مثلما كان محمود درويش يفعل، أن يكون عمود الشاعر والكاتب الفلسطيني خيري منصور رفيق فنجان قهوتي الصباحي، أبدأ نهاري بكلماته التي تحمل مزيجا من الثقافة والسياسة وكثيرا من السخرية المرة. والعجيب أن هذا المقالِيَّ الذي يصنع صباحاتنا كان كائنا ليليا يشبه ليل القاهرة التي عشقها، وهذه الصفة فيه نتج عنها أمران: أولهما أنه لم يتوظف في حياته بطريقة الدوام التقليدي النهاري، رغم أنه كان لفترة رئيس القسم الثقافي في جريدة «الدستور» الأردنية، لأن الوظيفة تستدعي التزاما يوميا بالحضور، وهذا ما لا يريده، بل ولا يستطيعه حتى لو أراده، وثانيهما أنها صفة وطدت صداقته الحميمة بالشاعر محمود درويش، الذي لم يكن متصالحا مع الليل، بما يحمله من معاني الوحدة والعزلة، فلا يجد مخلّصا له من قلقه سوى خيري منصور، ويختصر درويش ذلك قائلا: «أتصل بك لأنك الصديق الحي الوحيد في هذا الليل الموحش». وحدث أن سألت خيري منصور عن هذا الانقلاب في ساعته البيولوجية، فأجابني «النهار للجميع ولكل منا ليله الخاص».
بأمثال هذه الأجوبة الجامعة المانعة جرني خيري منصور لقراءة كتبه ومقالاته وقصائده، فلديه قدرة على التكثيف عالية، ناتجة عن حساسيته للكلمة لكونه في الأساس شاعرا. وكان يرى أن الشاعر الكبير ناثر كبير بالضرورة، بل كان ينزعج من التصنيفات المدرسية التنميطية التي تعمى عن رؤية الشاعرية المتدفقة في نثر صديقه درويش مثلا. وحين سألته كيف يكتب النثر دائما بنفس شعري عال أجابني على طريقته بأن «الشاعر يكتب النثر كمن يرقص، لا كمن يمشي، لأن الشعرية موجودة ضمنا في كتاباته». كنت – كعادتي منذ الصغر في تسجيل ما يروق لي – أحتفظ بجمل خيري منصور المدهشة التي كان يصوغها، وكأنه يكتب «مانشيت» لصحيفة أو يقدم لك حكمة هي خلاصة عمر طويل من التجارب، وقد كتبت مرة عن إحدى جمله بأنها غيرت حياتي، وأصبحت تمثل لي وقفة تأملية كثيرا ما أعود إليها، ففي أحد لقاءاتنا المتكررة، وكنت أتّخذ زاوية معتادة في مقهى أجلس فيه للقراءة والكتابة، ولاحظ انزعاجي من بعض منغصات الحياة قال لي بحنو الأب وبحكمة مع عرك الحياة وعركته: «عيشي حياتك كل لحظة، إن متِّ لأيّ سبب غداً، هذا المقهى سيقدم لزبائنه القهوة، وهذه الشجرة ستبقى، ولن يهتمّ أحد في هذا العالم لغيابكِ بقدر ما تهابين حضوره اليوم».
وأعتقد أن هذه القدرة لديه على قول ما يريد بالصيغة التي يريد، ناجمة عن خبرة كبيرة بالحياة، اكتسبها من منافيه المتعددة التي احتضنته، بعد أن ترك قريته «دير الغصون» التي أصبحت الآن جزءا من طولكرم، وحين أراد الرجوع إليها بعد نكسة حزيران/يونيو 1967 كان نصيبه السجن من المحتل. فكانت العواصم العربية القاهرة وبيروت وبغداد وعمان مدرسة الحياة له، ففي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كانت هذه المدن بحرا متلاطم الأمواج من الأفكار والتيارات الثقافية والسياسية والفكرية، خاصة أن القضية المركزية فلسطين، وهو جزء عضوي منها، كانت محور كل نقاش وموضوع كل إبداع.
ويجب أن نذكر أن قريته لم تتركه، بل كانت تسكنه فكما كانت ماضيه أصبحت مستقبله، وقد لخص هذا التعلّق بها في حوارنا التلفزيوني قائلا، «بعض فترات الماضي تبدو وكأنها قادمة من المستقبل» بل كان يتمثل بعبارة لشاعر داغستان الكبير رسول حمزاتوف «من يولدون في القرى الجبلية، لا ينحنون إلّا مرّتين في حياتهم: مرة لتقبيل طفل، ومرّة ليسقوا الحصان». وروى لي في لقائنا حكاية تؤكّد مقولة حمزاتوف، وتدلّ دلالة بالغة على هذه النفس الأبيّة التي يحملها بين جنبيه والمعتزة بما تملك، فيوم زفاف أخته، وكان حينها شابا مراهقا، لم تمض على وفاة والده سوى سنة واحدة، ارتدت العروس عباءة والدها القديمة وركبت حصانه، وحين همّت بالخروج من البيت شدت لجام الحصان إلى الوراء لتمنعه من الخروج لأن بوابة البيت الخارجية كانت غير مرتفعة، ما سيضطرها للانحناء، وكان الرجوع بالحصان يعدّ فألا سيئا في تقاليد ذلك الزمن، وحين سألوها عن سبب فعلتها قالت: لا أستطيع أن أنحني وأنا أخرج على حصان أبي من البيت، فهدم إخوتها البوّابة بإطلاق الرصاص عليها، وعلق خيري منصور على الحادثة بجملة ساخرة «لقد أطلقوا على البوابة رصاصا كثيفا كان يكفي لتحرير القرية من الاحتلال».
هذه القرية النائمة في حضن جبل كانت مدعاة اعتزاز لا يحدّ، فقد كان يرى نفسه أقرب إلى السماء لأنه ولد جبليا، كما شاءت له الأقدار أن يولد بين الأحصنة والأسلحة، وليس في مخيم كما حصل مع كثير من مجايليه، لأن شعبا من دون وطن، رأى في بلاده وطنا من دون شعب، فأخرج أهل فلسطين من بيوتهم إلى الخيام، بل شردهم في المنافي جاهدا لمحو حتى اسم هذا الوطن، ولكن لخيري منصور تعليق على ما حدث، ففلسطين عنده غابت كي تتفرغ للحضور، ولعل ما يحدث الآن على أرضها من وحشية ودمار هو رماد انبعاثها، إذ أصبحت على كل لسان، بل في كل قلب لا يزال ينبض بالإنسانية. فهل كان هذا الوطن المستلب منه، وهذه القرية المختطفة من حاضره المغيّبة قسرا عنه، سبب ولعه بكل ما هو قديم، بحيث حوّل بيته في القاهرة متحفا لا يحوي قطعة واحدة بعد سنوات الأربعينيات، وكأنه يحاول استرجاع ما فقده، وحمل معه هذا الشغف بالأشياء القديمة، من ساعات ولو كانت معطلة، وأثاث قديم وأقلام وأوانٍ إلى مختلف المدن التي سكنها، وقد أتاحت له تاريخية بعضها مثل القاهرة وبغداد أن يشبع نهمه، فلم يكن يجمع التحف للمتاجرة بها، بل لتحميه عاطفيا ممن تاجروا بوطنه. وبوسعنا أن نضيف إلى عشقه للأنتيكا عشقا آخر لا يحد لإبداع محمود درويش، حتّى كان يبدو كأنه الناطق الرسمي للإبداع الدرويشي، وفي كل لقاء بيننا كان صاحب «في حضرة الغياب» ثالثنا، فرغم غيابه الجسدي كان حاضرا، وخيري منصور هو الذي حبّبني وقرّبني من درويش إنسانيا، بعد أن تصالحت معه شعريا، وأنا التي كنت نزارية الهوى، فهو حين يذكر صديقه يتحدث ويكتب بطريقة تجعلنا نتعجب من هذا الحب الكبير لمحمود درويش، من دون أن تتسلل إلى نفسه «عداوة الكار» ولا غيرة أصحاب الصنعة الواحدة، فلا يغيب عن بالنا أن خيري شاعر أصدر خمسة دواوين، وافتكّ إعجاب الناقد الكبير إحسان عباس، فكتب أن «قصائد خيري منصور تدل على أنها كتبت بطريقة جديدة مكتنزة بالمعاني والتلويحات والإشارات». وحين أنجزتُ حلقة متلفزة عن أربعينية محمود درويش، لم أجد أجدر منه بالحديث عن صديقه المقرب من جوانبه الإبداعية والإنسانية، فلم يكن خيري يرى محمود درويش شاعرا كبيرا فقط، بل كان يرى فيه الجانب الإنساني الكبير الذي صنع إبداعه. وأذكر أني سألته بفضول الأنثى عن علاقة درويش بالمرأة فلاذ بالصمت محافظة على أسرار صديقه وحرصا عليه في غيابه كما كان في حضوره. وأزعم أن إعجابه الكبير بمحمود درويش ظلم شعره، وكأنه اكتفى بالقصيدة الدرويشية معبرةً عنه، وكل من يسمع خيري منصور يقرأ شعره يلاحظ هذا التشابه الكبير في الإلقاء، بل في معمار القصيدة نفسها بينه وبين درويش، كما ظَلمتْ شاعريتَه الكتابةُ اليومية في الصحافة، رغم أنه لم يكن يراها مرهقة فقد كان يعيش الأفكار ولا يحتاج جهدا لاستحضارها، تطاوعه على ذلك لغة جذابة أنيقة هي انعكاس حقيقي لشخصيته. فعموده اليومي لم يكن لهاثا وراء الحدث اليومي، بل قطعة أدبية جميلة أشبه بالقصيدة في تكثيفها وإيحائها. وما زلت إلى يومنا هذا أعود إلى مقالاته القديمة لتدلني على رواية لم أقرأها، أو تلفتني إلى فكرة تفتح لي آفاقا أوسع، ورغم غيابه الذي فاجأني ما زال صبي الأسرار المشاكس ذو الشعر الطويل، حاضرا بذكرى صداقته وبكتاباته وتوجيهاته لي، وما زلت أردد ما كتبه عنه محمود درويش يوم توّج خيري منصور بجائزة الصحافة العربية في دبي «إنك فنجان قهوتنا الأوّل، لا نبدأ نهارنا إلّا بك، أحببناك وأدمناك».
شاعرة وإعلامية من البحرين