لندن- “القدس العربي”:
قال أوري فريدمان من مجلة “ذي أتلانتك” إن اقتحام السفارة الأمريكية في بغداد أظهر أن أمريكا لا تحتكر الضغط.
وبدأ بالتذكير بأن سيطرة الطلاب الإيرانيين الثوريين على السفارة الأمريكية في طهران عام 1979 واحتجازهم الدبلوماسيين فيها أدت إلى تدمير العلاقات الأمريكية- الإيرانية وقضت على رئاسة جيمي كارتر.
وفي عام 2012 عندما هاجم متشددون إسلاميون القنصلية الأمريكية في بنغازي وقتلوا عددا من الأمريكيين بمن فيهم السفير تحول الحادث إلى نقطة حشد للجمهوريين بمن فيهم دونالد ترامب ووزير خارجيته الحالي مايك بومبيو. واتهموا إدارة باراك أوباما ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون بعدم التعامل مع قضايا الأمن القومي بطريقة جيدة.
وعليه، فعندما قرر مئات من المتظاهرين الذين تدعمهم ميليشيات إيرانية اختراق السفارة الأمريكية في بغداد يوم الثلاثاء، وأشعلوا النيران وهتفوا “الموت لأمريكا”، اختبأ الدبلوماسيون في مجمع السفارة وأطلقوا صفارات الإنذار. وكان الحادث أكبر من تشنج في العنف على طريق التورط الأمريكي في العراق، بل كان ضربة جيوسياسية في أحشاء إدارة دونالد ترامب، معيدا أشباح الهجوم على قنصلية أمريكا في بنغازي.
وهو “تذكير مثير بالطريقة الخطرة التي تحولت فيها المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حيث توسعت من خلاف ضيق بدأ بخروج ترامب من الإتفاقية النووية وتحولت إلى سلسلة من المواجهات الواسعة في الشرق الأوسط”.
ففي الوقت الذي اتهم فيه ترامب ومسؤولو إدارته إيران بالتخطيط للهجوم على السفارة، فإن دور الحكومة الإيرانية في الحادث لا يزال غير واضح.
وما هو واضح أن بعض المتظاهرين من أنصار الحركات المسلحة التي تدعمها إيران بمن فيها جماعة كتائب حزب الله التي اتهمها ترامب بالمسؤولية عن الصاروخ الذي قتل متعهدا أمريكيا وجرح آخرين أطلق على قاعدة عسكرية قرب كركوك.
وردت أمريكا بسلسلة من الغارات على مواقع الحركة قرب الحدود العراقية- السورية وقتلت 25 من أفراد الجماعة المسلحة.
ويرى فريدمان أن الهجوم على السفارة الأمريكية كشف عن ضعف أداء ترامب كقائد أعلى للقوات المسلحة وهو ما دعا حليفه السناتور ليندزي غراهام للقيام بعملية وقائية تحصنه من النقد، حيث قال إن إرسال مروحيات الأباتشي وجنود المارينز لحماية مجمع السفارة كان محاولة لحمايتها “وتذكير العالم” و”لن تحدث بنغازي جديدة في ظل حكم ترامب”.
ومن هنا كتب ترامب تغريدة في الوقت الذي كان المتظاهرون في السفارة قائلا: “سارعت المقاتلات الحربية أقوى المعدات الحربية فتكا في العالم إلى المكان” معلقا: “ضد بنغازي”. فيما أعلن وزير الدفاع مارك إسبر عن نشر 750 من القوات الأمريكية بالمنطقة.
ويرى الكاتب أن الحادث سيزيد من الضغط على ترامب لأن المتظاهرين انسحبوا من محيط السفارة، لكنهم طالبوا برحيل القوات الامريكية والدبلوماسيين. وتعد السفارة الأمريكية المحصنة الأضخم لأمريكا في العالم، وكلف بناؤها 750 مليون دولار، وهي شهادة عن الكارثة الضخمة للتدخل العسكري و”تحرير” العراق.
وشجب ترامب قرار جورج دبليو بوش غزو العراق، وتعهد بإنهاء التدخلات الأمريكية في المنطقة، بل واقترح تخفيض الوجود الدبلوماسي في السفارة قبل أسابيع من الهجوم. وفي الوقت الذي لم يرد فيه ترامب على الحادثة بسحب 5.000 جندي أمريكي لا يزالون في العراق لقتال تنظيم الدولة الإسلامية أو تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي، إلا أن البعض يرى أن الهجوم على السفارة يعني الخروج.
وفي الوقت الذي حاول غراهام التبرير لترامب، قائلا إن الرسالة لإيران وجماعاتها الوكيلة هي أن أمريكا ليست جاهزة للخروج لأن “ترامب، على خلاف الرئيس أوباما سيحاسبكم لتهديدكم الأمريكيين ويضربكم في المكان الذي يوجعكم” ولكن الحقيقة هي أن إيران وحلفاءها هم من ضربوا أمريكا في المكان الذي يوجعها.
ويعتقد الكاتب أن هذا الوضع خطير، حيث خرجت المواجهة عن السيطرة من إسقاط إيران لطائرة أمريكية مسيرة في الخليج إلى ضرب المنشآت النفطية السعودية في أيلول الماضي، واقتحام السفارة يوم الثلاثاء. كل هذا رغم عدم رغبة الطرفين بالحرب، وهذا لا يعني عدم اندلاعها.
وفي الوقت الذي تواصل فيه واشنطن ضغوطها على إيران كي تقبل باتفاقية نووية جديدة وتحد من نشاطاتها العدوانية في الشرق الأوسط، فإن أحداث السفارة هي تذكير واضح بأن أمريكا ليس لديها احتكار على الضغط.