الثقافة في العراق عام 2019: نجاحات فردية وتراجع مؤسساتي وميلاد جيل متمرد

■ ثمة الكثير مما يمكن قوله أزاء ما أفصحت عنه ماكنة الثقافة العراقية خلال عام 2019، والحديث هنا يتشعب كثيرا إذا ما أردنا أن نرصد من خلاله حصاد عام كامل، ولعل أبرز ما يمكن قوله في هذا المجال إن ثورة الأول من أكتوبر/تشرين الأول، انعكس تأثيرها واضحا على المشهد الثقافي، بالشكل الذي لم يعد هناك من مساحة واسعة يتحرك فيها مثقفون اعتادوا أن يرتدوا أقنعة، حسب الظرف الذي تمليه السلطة في خطابها، وباتت الفرصة قائمة للفرز بين مثقف يواكب بوح الواقع بكل تعقيداته، وآخر ينزوي خلف جمل مطاطية ليس من السهل الإمساك بمحتواها.

أفق الفن التشكيلي

دائما ما كان الفنانون التشكيليون يمثلون ذروة النشاط الفني في العراق، ولا مجال لأي مقارنة قد تضعهم مع بقية الأنشطة الفنية، من حيث زخم الإنتاج والمستوى الفني، فبالإضافة إلى المعارض الشخصية التي تشهدها العاصمة العراقية، ومدن أخرى مثل الموصل والبصرة وبابل، فإن متذوقي الفن التشكيلي على موعد دائم مع البرنامج الثابت لجمعية الفنانين التشكيليين العراقيين، الذي يتضمن سلسلة من المواعيد الثابتة لمعارض جماعية تحرص على إقامتها، وتتوزع على عدد من أشهر السنة، مثل المعرض السنوي الذي يشارك فيه فنانون من جميع مدن العراق، إضافة إلى معرض عن الطبيعة، وآخر خاص بالنحت، وتشكل هذه المعارض بمواعيدها الثابتة منذ عدة أعوام فرصة ثمينة لمن يحمل فيه داخله توقا للاطلاع على ما يشهده الفن التشكيلي العراقي من تحولات في الأسلوب والرؤى، وهذا بطبيعة الحال ما عكسته معارض الجمعية، التي أقيمت العام الماضي وشهدت مشاركة كبيرة من قبل فنانين عراقيين يقيمون خارج بلدهم. وما يستحق الإشارة إليه أيضا، ما شهدته جدران نفق ساحة التحرير من نشاط فني، اضطلعت به مجموعة كبيرة من الفنانين الشباب، حيث عبروا عن تطلعاتهم الفنية بجداريات عكسوا فيها مخاض العراقيين ضد سلطة فاسدة، وفي الوقت الذي كانت أعمالهم الفنية تندرج في إطار فنون الغرافيتي وما تحمله من أبعاد سياسية، إلا أن مجموعة مهمة منها انساق فيها الرسامون إلى تأكيد ما يمتلكونه من رؤى فنية ومعالجات، تشير إلى أننا أمام موجة جديدة من الفنانين سيبصمون المشهد التشكيلي في الأيام المقبلة بلمستهم الخاصة، أمثال رائد مضاء ومحمد المندلاوي وكرار ستار وأخرين.

ومضات مسرحية

إذا ما أردنا أن نستعرض أبرز ما شهدناه من فعاليات مسرحية، فسيكون في مقدمة ذلك إقامة اول مهرجان مسرحي عراقي في مدينة الفلوجة، التي ارتبط اسمها بكل ما تنطوي عليه مفردات تدور في دلالة الحرب والمقاومة والإرهاب، وبعد مخاض طويل عاشته هذه المدينة، ودفعت ثمنه غاليا، عادت أضواء الحياة الطبيعية إليها لتنير خشبة المسرح، في مهرجان شاء منظموه أن تكون دورته الأولى باسم الفنان الراحل سامي عبد الحميد، الذي توفي بعد اسبوع من انتهاء المهرجان. وفي سياق المسرح أيضا نال الممثل رائد محسن جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج. في الجانب الآخر من المسرح أيضا وبعيدا عن فرق المؤسسات الفنية والأكاديمية، لابد من الإشارة إلى عروض مسرحية، حرص على تقديمها عدد من الفنانين المسرحيين الشباب وفق صيغة عروض «مسرح الشارع»، مستثمرين الحشد الكبير من المعتصمين المتواجدين في السرادق والخيم التي أقاموها حول نصب التحرير وسط العاصمة بغداد، وبدون شك ستتمخض عن هذه التجربة آفاق فنية جديدة، لأن من يقف خلفها نخبة من المسرحيين الأكاديميين، بعضهم سبق له أن أثبت حضوره في المشهد المسرحي العراقي مثل المخرج علي الشيباني، وتحرير الأسدي وآخرين.

مرحلة جديدة للسينما في العراق

في إطار الفن السينمائي، يمكن القول بأن ملامح مرحلة جديدة بدأت تعلن عن حضورها بعد أن تولى مسؤولية دائرة السينما في وزارة الثقافة المخرج الشاب مهند حيال، وربما تعد هذه الخطوة أبرز ما وسم مسيرة دائرة السينما في تاريخها، حيث بدأ في تنفيذ خطة طموحة للارتقاء بالإنتاج السينمائي جوهرها تمويل المشاريع السينمائية التي يطرحها السينمائيون الشباب، وفق آليات محكمة، لا تتيح الفرصة إلا لمن يقدم مشروعا يتضمن قدرا من التميز الفني، إضافة إلى الوقوف مع صاحب المشروع في كافة مراحل إنجازه للفيلم، وتوفير كل ما يحتاجه من خبرات وإمكانات تقنية، وفي إطار الإنجازات السينمائية، نال الممثل علي ثامر جائزة أفضل أداء عن دوره في فيلم «شارع حيفا» للمخرج مهند حيال، في مهرجان القاهرة السينمائي بدورته 41 .

جوائز أدبية

في سياق النتاج الأدبي بدأنا نتوقع أن يكون للعراق نصيب في أي مسابقة عربية تحتفي بالنتاج الروائي، بعد أن انفتحت شهية العاملين في ميدان الكتابة على اقتحام عالم السرد الروائي، خاصة خلال العقدين الماضيين، فقد تضاعفت أعداد الروايات الخارجة من المشغل العراقي خلال الأعوام العشرة الماضية، ووصلت إلى أكثر من 500 رواية، وبات القراء على موعد مع رواية جديدة كل عام، يطرحها عدد من الكتاب الذين أمست أسماؤهم متداولة بين القراء، أمثال خضير الزيدي وحميد الربيعي ونزار عبد الستار ومحمد علوان وآخرين، ومن هذا السياق الوافر بالنتاج الروائي جاء فوز الكاتبين وارد بدر السالم وهيثم بردى في مسابقة «كتارا» القطرية للرواية، حيث فاز السالم عن روايته «المخطوفة» ضمن فئة الروايات غير المنشورة، وفاز بردى ضمن فئة الروايات غير المنشورة والمخصصة للفتيان عن رواية «العهد»، وفي إطار الكتابة الشعرية فاز الشاعر علي جعفرالعلاق بجائزة «السلطان العويس»، وتمكن حسن النواب من خطف جائزة الطيب صالح عن روايته «رحلة الكوكوبرا» وشاطره الفوز في هذه الجائزة القاص علي حسين عبيد عن مجموعته القصصية «لغة الأرض»، وانتزع الشاعر باسم فرات جائزة السلطان قابوس عن أدب الرحلات.

أسماء رحلت

مع مطلع عام 2019 غادرت الحياة الثقافية والفنية في العراق أسماء مهمة تركت أثرا ليس من السهل أن يمحى من الذاكرة، وكان رحيلها عنوانا لمرحلة سياسية اتشحت سماؤها بسحابة سوداء، انعكست تداعيتها على جميع مرافق الحياة وفي مقدمتها الثقافة والفنون، ومن الأسماء الكبيرة التي شكل رحيلها خسارة كبيرة يقف في الطليعة منها المخرج الرائد سامي عبد الحميد، الباحث والأديب علي الشوك، الروائي علاء مشذوب الذي اغتيل من قبل الميليشيات، الشاعر إبراهيم الخياط، الكاتب عدنان حسين، الروائي أسعد اللامي، الشاعر سعد الصالحي.

كلمة لا بد منها

إن معظم النجاحات التي شهدتها الثقافة العراقية لم تكن حصيلة مناخ عام تمخض عن برنامج رسمت تفاصيله الدولة عبر مؤسساتها الثقافية والفنية، بقدر ما يعود الفضل بمجمله إلى جهود فردية، في مقابل ذلك طالت وزارة الثقافة شظايا جدل حاد اشتد في الوسط الثقافي، يتعلق بالكيفية التي تم من خلالها تنصيب وزيرالثقافة الدكتور عبد الأمير الحمداني، وفقا لمنظومة المحاصصة الطائفية التي تتقاسمها الأحزاب والفصائل المسلحة التابعة لها، فكانت الثقافة من حصة ميليشيا «عصائب أهل الحق» التي تدور حولها شبهات كثيرة تحملها مسؤولية اختطاف واغتيال مثقفين وناشطين، خاصة أنها أصدرت اكثر من قائمة تداولتها مواقع التواصل الاجتماعي خلال العام الماضي تضمنت عشرات الأسماء التي استهدفتها بالملاحقة، آخر القوائم ضمت أكثر من 700 اسم يعمل في ميدان الإعلام والثقافة والفنون ومنظمات المجتمع المدني، وبناء على ذلك يمكن القول بأن المشروع الثقافي الرسمي في العراق وفق هذه المعطيات لن يكون بمنأى عن دعم بنية الدولة العميقة التي تديرها الميليشيات.

٭ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية