أنا وباسم يوسف: حديث في المهجر!

حجم الخط
15

■ يقول «أهل الله»، بحسب التعبير الصوفي: «ربك يسلط أبداناً على أبدان». وهي مقولة قفزت على سطح ذاكرتي هذه الأيام عندما وقعت أزمة باسم يوسف و»الإعلامي المستجد» خالد أبو بكر، الجليس الاستراتيجي لعمرو أديب. والبداية تكون من هناك؛ من «الجوار» الملاصق لعمرو المذكور.
أبو بكر بزغ نجمه بعد نجاح ثورة يناير، وجرى تقديمه على أنه من الثوار، وكان يقدم تلفزيونيا على أنه «المحامي الدولي»، فذكرني بواقعة زميلنا «الصحافي الدولي» التي رويتها هنا من قبل. ولا نعرف الدراسات التي يحصل عليها المرء، والمهام التي يقوم بها ليصبح «دولياً»، وإن كنت أحمد الله على نعمة «المحلية»، وأدعوه سبحانه وتعالى أن يديمها نعمة ويحفظها من الزوال.
ثورة يناير تمتعت بدرجة من السماحة، مثلت نقطة ضعف لها. وقد قدمت بسماحتها أناساً ليتصدروا المشهد، لم يكونواً ثواراً، ويكفي أنها منحت صفة الثورية للدكتور عصام شرف عضو لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم في زمن مبارك، فصار «رئيس الوزراء الآتي من ميدان التحرير»، كما قدمت عضواً آخراً للجنة السياسات هو جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة حالياً، وتم اختياره ضمن لجنة المئة المنوط بها وضع الدستور في عهد الرئيس محمد مرسي، وعندما انسحب منها بغطاء ثوري، وينضم لجبهة الإنقاذ، لم يكن بمقدور الإخوان أن يصفوه بما هو أهله من أنه «فلول»!
«المحامي الدولي»، و»الإعلامي المستجد»، خالد أبو بكر كان من الذين شاركوا في «زفة السيسي» في نيويورك، عندما سبقه إلى هناك «كورال» من مقدمي برامج «التوك شو» في فضائيات الثورة المضادة، وشهد مقر الأمم المتحدة «فرح العمدة»، على نحو ذكرنا باليوم الأول في الدراسة للطفل الأول في العائلة، عندما يذهب للمدرسة في «زفة» من الأهل، احتفاء به، وليؤنسوه في غربته، بإشاعة جو الألفة من حوله.
وفي خطابه الأخير بدا السيسي ممتناً للأجواء الاحتفالية، من «كورال الإعلاميين»، وممن دفعت بهم الكنيسة الأرثوذكسية للاحتشاد رفعاً لمعنوياته، وخصصت لهم حافلات ووجبات ساخنة. وقال ما معناه أن العالم وقف على أن السيسي ليس وحده. كما لو كان الشعب المصري كله معه، مع أنه هرب من مظاهرات القوى الموالية للشرعية، بتغيير موعد إلقائه لخطابه ومن الخميس للأربعاء. وكما لو كان لاعب مصارعة ذهب لينافس على الميدالية الذهبية وكان بحاجة لجمهور ليشجعه.

ذات السيسي

في طريق عودته للقاهرة، وفي مطار نيويورك، التقى أبو بكر، بباسم يوسف، وحدثت بينهما مشاجرة لفظية. وهناك خلاف في الروايات حول بدايتها وما دار فيها، لكن المجزوم به أن باسم تطاول على ذات السيسي، وهي كذات الملوك لا تمس، وهذا ليس هو الموضوع، فاللافت أن «المحامي الدولي سابقاً»، ومع أنه «دولي» إلا أنه تصرف تصرفاً يتأذى منه من يُطلق عليهم «محامو بئر السلم»؛ وهم الذين يقفون أمام المحاكم يخيفون المتهمين الذين لا يصطحبون معهم محامين، بأن لهم علاقات بدوائر التحقيق وعلى دراية بالقانون قد تفيدهم وتنقذهم من المصير المجهول، إن قبلوهم محامين عنهم، بمقابل.
لقد وشى «المحامي الانترناشيونال» بباسم يوسف وحرض عليه السيسي، ولم ينس أن يؤكد أنه دافع عن السيسي في مواجهة شتائم باسم، وهو سلوك غريب، وذكرنا بما كان يحدث في ظل الاستبداد الناصري، وكنا نسمعه ممن عاصروا هذه المرحلة فنفتح أفواهنا في دهشة، فشاءت الأقدار أن نعيشها بحذافيرها.
ثورة يناير حولت باسم يوسف من طبيب لإعلامي، وانقلاب يوليو أجلسه في البيت، وحول أبو بكر من «محامي دولي»، إلى «جليس عمرو أديب»، ويبدو أن الأخير وقد صار يشعر بالزهو لأن أصبح في معية المفدى عبد الفتاح السيسي، في حين أن الأول صار جزءاً من الماضي، فان رواية «جر» خالد لـ « شكل» باسم هي الأوقع، وكان طبيعياً أن يكون الرد لاذعاً من إعلامي تحقق بعد بضع حلقات، وصار حديث الناس في بلاد الفرنجة، وهو يعيش نهايته في عهد الانقلاب العسكري.
غير الطبيعي أن يهتف «المحامي الإنترناشيونال»، على طريقة الشرطي القديم: «أنت تشتم البيه رئيس المباحث»، ثم لا يكتفي بهذه المشاجرة التي كانت في حارة، لينشر سب باسم للسيسي ودفاعه هو عن ذاته المصونة على مواقع التواصل الاجتماعي، لتصبح المشاجرة وما دار فيها حديث برامج «التوك شو»، وبعض مقدمي البرامج وجدوها رمية بغير رام، لإصابة عصفورين بحجر واحد. فهم قد بدوا كما لو كانوا يدافعون عن السيسي متقربين إليه بالنوافل، وهم ينتصرون أيضاً لأنفسهم وقد جعلهم باسم يوسف مسخرة عبر برنامجه!
ما قاله باسم عن السيسي، هو فضفضة مذبوح، فقد كان يظن نفسه أنه من رجال المرحلة الجديدة، وقد شارك في الثورة المضادة، بالهجوم على الرئيس محمد مرسي، وتقديمه للرأي العام مهاناً، فساهم في تمهيد الأجواء للانقلاب العسكري، ففقد حريته، أول ما فقد، في عهد هذا الانقلاب الذي مهد له وبشر به.

قيمة مرسي

كنا أنا وباسم يوسف وغيرنا نهاجم الرئيس محمد مرسي، ونعلم أن أذى لن يلحقنا بسبب موقفنا المعادي له. وكنت أعتقد أنا أن الفضل يرجع للثورة التي جعلتني أقول ما اعتقد أنه صحيح، وأعيش في أمان، وأن الأمر لا يرجع لسماحة نظام الحكم. وكان باسم يبدو معتمداً على شجاعته الشخصية، ويتم النظر له داخليا وخارجياً على أنه الإعلامي القوي الشجاع الذي لا يهاب السلطة.
لا يعرف قيمة أمه، إلا من يتعامل مع زوجة أبيه، ولا يعرف قيمة محمد مرسي، إلا من يعيش مرحلة عبد الفتاح السيسي، لنكتشف الآن أن ما تصورناه لم يكن صحيحاً في المطلق، وكان بإمكان مرسي أن يكون ديكتاتوراً، وأفتقد أنا الأمان، ويؤمن نفسه بالديكتاتورية من تطاول باسم يوسف، بعد أن تبين أن الاعتماد على شجاعته الشخصية لا يكفي.
عندما اشتدت الحملة على باسم يوسف من قبل أنصار الرئيس مرسي، كنت في خندق باسم مدافعاً عنه، فبعد ثورة يناير ينبغي أن تكون السماء هي سقف الحرية في مصر، ولم أكن أعلم ما يتم التخطيط له، وكيف تم استخدام برنامج «البرنامج» في حملة إسقاط الرئيس، وإسقاط المسار الديمقراطي.
كان باسم مع الانقلاب، ومع الثورة المضادة في 30 يونيو، وكنت ضدها ودفعت الثمن راضياً، غربة لم أفكر فيها يوما. ودفعه هو مرغماً، وهناك كلام كثير عن أنه قرر الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية، وكان ينتظر استلام تعويض فسخ التعاقد وفق بنود العقد بينه وبين فضائية «إم بي سي مصر». بعد أن اكتشف أن شجاعته الشخصية لا تكفي لأن يكون مجرد مختلف مع السلطة الحاكمة، ناهيك عن الهجوم عليها.
باسم يوسف ظل فترة لا يقدم برنامجه ولا يسعى لتقديمه، بعد الانقلاب، فقد كان يعلم أن لدغة الحكم العسكري والقبر. وعندما قدمه أراد أن يستعيد تراث المعارضة الرسمية في حكم مبارك، فمسموح بالهجوم على الحكومة، والاحتماء بالرئيس. وهو لم يهاجم السيسي وإنما اقترب من رحاب من هم حوله بالسخرية، ليكتشف أن هذا ليس مسموحاً به، وانتقل من برنامجه من فضائية إلى أخري، وفي النهاية توقف تماماً، فقد اختطف السيسي الدكتور محمد مرسي، واختطف معه حرية الشعب المصري.
في أيام الرئيس مرسي بمجرد أن تم استدعاء باسم يوسف للنيابة، قامت الدنيا ولم تقعد، واحتشد القوم أمام دار القضاء العالي مناصرين له، واحتشد الإعلام الغربي دفاعاً عنه في مواجهة الحكم الاخواني الاستبدادي، وذهب باسم للنيابة ساخراً، ودخل على المحقق في الوضع «أراجوزاً»، وعلى الرغم من أنه بما فعل أهان النيابة العامة، إلا أن هذا كان مسموحاً به، لأن الرسالة كانت موجهة للرئاسة.
كان باسم يبدو شجاعاً في سخريته من التحقيق، لكنه الآن هو مدين بشكر لا يقدمه للرئيس محمد مرسي. وحتى الذين خرجوا في مظاهرات التأييد لباسم، هم الآن ضده لأنهم مع السيسي قلباً وقالباً، وهو معه قالباً فقط، ولو قدم للتحقيق لانتظروه أمام دار القضاء العالي ليس للتضامن معه ولكن للاعتداء عليه لأنه يتطاول على الذات السيسية التي لا تمس، كما انه يعرض الأمن القومي للبلاد للخطر، بنقده لعبد الفتاح السيسي.

وليمة لأعشاب البحر

الإعلام الغربي الذي احتشد دفاعاً عن حق باسم يوسف في الحرية، أذن من طين، وأخرى من عجين، وباسم يوسف يتم وقف برنامجه، وتتم جرجرته للمحاكم، وكأن هذا الإعلام كان يستهدف إسقاط الرئيس محمد مرسي وفقط بدفاعه عن باسم يوسف وتحويل قضية استدعاء النيابة له، على أنها تكميم للأفواه ومصادرة للحريات.
لأن باسم يوسف أصبح «وليمة لأعشاب البحر»، فبعد أن وشى به الواشي، تحرك من يتقدم ضده ببلاغات للنائب العام، بلاغ يطلب بإسقاط الجنسية المصرية عنه، باعتبارها تذكرة أتوبيس هيئة النقل العام يمنح القانون للكمساري سلطة سحبها. بالإضافة لطرده خارج البلاد. وبلاغ آخر يطلب بمنعه من السفر. نكتة ونحن في زمن النكات التافهة عندما يُطلب منعه من السفر وطرده خارج البلاد بعد إسقاط الجنسية عنه.
ويا عزيزي باسم، بعد أسابيع من الغربة، ستكتسب خصلة يكتسبها المصريون في بلاد المهجر وهي الشفافية. وعندما تكتسبها ستعترف تلقائياً وبدون طلب من أحد أنك أجرمت في حق الرئيس مرسي، بانحيازك للثورة المضادة وإسهامك في إسقاطه.

٭صحافي من مصر
[email protected]

سليم عزوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية