ثقافتا المركز والهامش والراهن العربي

الهامش والمركز مصطلحان من مصطلحات الثقافة المتربولية لهما تمظهراتهما المعلومة في الأبنية والكيانات السياسية والتاريخية والأدبية والفنية التي تضع حواجز بين ما هو أصل متسلط وبطرياريكي وما هو تابع هامشي وعمومي. بيد أن سيادة الانفتاح ومشاعية التعولم تجعلان ذينك المصطلحين يتراجعان في الحياة الثقافية العالمية ليكونا جزءاً من الارشيف الفكري الذي عفا عليه الزمن ما بعد الحداثي.

وكان من تبعات الدمج في فهم تجليات الهامش المتمركز ومعاينة تمظهرات المركز المُهمش أن تعالت مفاهيم الانفتاح والتعدد في التمثيل للوعي الإنساني أيا كان هذا الوعي وفي أي بقعة من بقاع العالم. والحاضن لهذه المفاهيم ثقافيٌ مستحدث في قيمه وهو يسعى إلى تجسيد معطيات الجمال أو على الأقل بلورتها وتوكيدها، مفترقا بذلك عن الحاضنة الرسمية البطرياركية التي هي عتيدة في رسوخها ومتجذرة في أسسها وامبراطورية في مواضعات فهمها للإنسان وفي تبعات التقوقع في رؤية العالم، حاصرة الميدان الثقافي في أفق هرمي فيه القمة مخصوصة ومنتخبة ومحجوزة للقلة التي هي عادة ما تكون فوقوية النظر ونخبوية التصدر ومركزية التسلط بالنفاذ والانتصار والغلبة.

ومن المؤسف أن المركز والهامش في ثقافتنا العربية ما زالا ظاهرتين قويتين وثابتتين ثبوتا راسخا، تقسِّمان حياتنا الثقافية تقسيما بطريرياكيا أحاديا، وهو ما يتوضح بجلاء في أغلب ممارستنا الثقافية ومياديننا الاجتماعية.

وبالرغم من المقولات الفكرية العربية المبشرة والمستبشرة بفاعلية الهامش من جهة وإمكانية تفكك المركز بتفكك الفكر الكولونيالي من جهة أخرى، والتي أجاد نقاد ومفكرون عرب في استيعاب معطيات ما أُنجز منها، مفيدين منها في دراسة ظواهر فكرية عربية تراثية وأحيانا معاصرة؛ فإن ذلك ظل محصورا في أطر معرفية بحثية عامة لم تجد لها في معايناتها ونمذجاتها ميادين تطبيقية في وقائع حياتنا الثقافية ومجرياتها المختلفة، ليظل المتحقق الغالب على أرض الواقع موشوما بما ترسمه له الحاضنة الرسمية من ثبوتية ما هو مركزي، وتابعية ما هو هامشي وبنزعة فكرية متربولية فيها المركز لا يُعلى عليه، والهامش لا يُلتفت إليه.

والدلائل كثيرة على حضور المركز في الثقافة العربية، وليس المقصد من وراء تقصي هذه الدلائل انتقاص الفواعل الثقافية عندنا؛ وإنما تشجيع الرؤية التي تلتقط السلبي من أجل أن تبني عليه فعلا إيجابيا سواء على مستوى النظر أو على مستوى التمثيل، اقرارا بأنّ الممارسات المتربولية التي اعتدنا الخضوع لها والتسليم بواقعيتها قابلة لأن تتغير مهما كانت صعبة المراس وثابتة الجنان ومتسلطة على الرقاب، فاعلة في أساليبها وراسخة في هيمنتها ومقتضيات سيادتها على الظواهر الثقافية.

وبالإمكان تحقيق ذلك كله وبآفاق متسقة تسمح بتمرير التطور الإيجابي ليكون في سلّم أولويات ممارساتنا وباتجاه التخلص التام من تبعات المتربولية داخل مجتمعاتنا العربية، التي تركتها فينا حقبة الاستعمار وجعلتنا منغلقين متعالين في تعاملنا الثقافي مع بعضنا بعضا.

وإذا كانت الوسائل الإعلامية الموظفة خلال القرن الماضي معتادة في احتلال المثقفين والفنانين وغيرهم المركز؛ فإنها اليوم أكثر تنوعاً وتعدداً وسرعةً في تصعيد نجومية مثقفين أو فنانين ليكون لهم المركز بقضه وقضيضه. وبشكل يدلل على أن المتروبولية ما زالت متمركزة وقوية وبطاقة استقطاب نخبوية، تمالئ الذي يوالي أفكارها وينتمي إلى توجهاتها وتستبعد ذاك الذي يعارضها ولا يماشي تطلعاتها.

وعلى الرغم من التباين في الوسائل المعتمدة في المركزة والتهميش؛ فإنها واحدة في طبيعة عملها وما تنتهجه في التعامل مع الأسماء الفكرية والأدبية والفنية من نهج مركزي يتمخض عنه القليل وهو مركزي مع مساحة شاسعة من التهميش لأسماء مهمة كثيرة. فعلى سبيل المثال نجد في مصر عدداً من المفكرين والفنانين احتلوا الصدارة وكان لهم الذيوع والسطوع وحظوا بما حظوا من المؤسسات الرسمية بكل أشكالها، بينما غابت عن الاهتمام أسماء كتّاب متميزين وفنانين مبدعين كرسوا حياتهم للأدب والفن لكنهم ظلوا خارج دائرة الضوء قابعين في الهامش.

وفي الأدب والنقد أسماء كثيرة احتضنتها مؤسسات رسمية حزبية وشللية نقدية وصنعت منها مراكز بينما نحَّت غيرها من الأسماء المهمة إلى الهامش مع أنها قد تكون أكفأ من الأولى وأخلص للثقافة. وما يثير الامتعاض حقا أن بعض المؤسسات الثقافية العربية التي اعتادت تهميش أسماء لا تماشي نهجها، تستعين بها حين تحتاج إليها ملقية عليها الأضواء تحت ضغط حدث ما، فاذا انتفت حاجتها منها، عادت وهمشتها.

وتختلف الوسائل في قوتها ودورها الذي به تفرض تلك المؤسسات مركزيتها معلية فئة على حساب غيرها، وفي مقدمة تلك الوسائل الإعلام بوصفه السلطة الرابعة التي تؤدي بإمكانياتها المرئية والمقروءة والمسموعة دورا خطيرا في الترويج لأسماء معينة، مانحة إياها الاعتراف بكينوناتها الثقافية أو الفنية أفرادا كانت تلك الأسماء أو جماعات. وقد تساندها في ذلك سلطات أخرى مركزية موفرة لها العون المادي والدعم المعنوي، لا لشيء سوى أن في مركزة تلك الأسماء انتفاعا إعلاميا يؤكد أهداف تلك السلطات ويخدم توجهاتها الإيديولوجية ومصالحها البطرياركية.

وواحدة من الوسائل الإعلامية المتبعة اليوم في مركزة السلطة الثقافية هي الجوائز العربية التي تُبذخ في سبيل الإعداد لها وإقامتها إمكانياتٌ طائلة، وكل ما ينتج عنها يصب حتما في صالح ذلك التمركز شعرا ورواية وتشكيلا ونقدا وفلسفة وترجمة. وتساهم في إشاعة المركزية أيضا أعمدة الصحف والمجلات التي تخصص لأقلام تبتغي في ما تكتبه خدمة من يمركزها أيا كان حكوميا أم حزبيا أم جهويا أم تشكيلا سياسيا أم كيانا أم كتلة… الخ.

ومن الوسائل أيضا تخصيص أوسمة تقديرية أو تسمية مهرجانات أو ما شابه من إجراءات، توكد سلطوية الجهة الثقافية التي ترعى تلك التخصيصات.

ولا يخفى أن النقاد قد يكونون جزءاً من إشاعة ثقافة التمركز وذلك حين يقبلون استكتاب مؤسسات معينة لهم ليكتبوا عن ظواهر أو مسائل أو شخصيات، مقولبين المعايير على وفق أقيسة تلك المؤسسات، واضعين هذا في دائرة الضوء وتاركين آخرين في دائرة الظل منتجين ومرسخين المركز والهامش في مشهدنا الثقافي.

ولا عجب أن يوالي المركزي المركز وينظر بشزر لما هو ليس بمركز، وهكذا تظل عجلة مؤسساتنا الرسمية دائرة في ميدان ما هو مركزي فقط مهملة أو متغاضية عن فاعلية المنسي في الهامش الذي فيه من الطاقات والفاعليات ما يفوق مركزيتها بأضعاف. وهذا لب خوفها من الهامش الذي في حضوره غيابها كما أن في حضورها غيابه.

ولو تمكن مشهدنا الثقافي العربي من التخلص من هذه العقدة ونظر إلى العملية الثقافية بمنظار انفتاحي، فيه للأطراف أو الهوامش نفس ما للمراكز أو المحاور من أهمية وفاعلية لانتعش واقعنا ولعالجنا كثيرا من المعضلات والأزمات التي ظللنا عقودا ننظر إليها وكأنها مستحيلة العلاج وعويصة الحل.

ويقع العبء الأكبر في تغيير هذا الواقع على الفئة المثقفة التي عليها العمل بكل ما لديها من إمكانيات وما تمتلكه من أدوات على تفتيت رسوخية مقولات المركز والهامش، لعلنا نتمكن في قادم حياتنا الثقافية العربية من استبدال ثقافتي المركز والهامش بثقافة ليس فيها مركز ولا هامش.

  • كاتبة وأكاديمة عراقية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية