الجزائر-“القدس العربي”:بدأ الجزائريون العام الجديد بأخبار سارة طالما انتظروها، بما يفتح آفاقا لحل سياسي للأزمة التي تعصف بالبلاد منذ عشرة أشهر، والتي لم تضع الانتخابات الرئاسية نقطة نهاية لها، بسبب رفض الحراك الشعبي لها، لكن الرئيس الجديد ومنذ أول خطاب اختار أن يسلك طريق التهدئة، وأن يفتح أبواب الحوار مع الحراك ومع كل الطبقة السياسية وخاصة المعارضة التي مد لها يده، وهو تصريح أتبعه بإجراءات من شأنها إحداث تغيير في المعادلة القائمة، خاصة في ظل التحديات الكثيرة التي تنتظر البلاد داخليا وخارجيا.
رغم الرفض الذي قوبلت به الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التي جرت في 12 كانون الأول/ديسمبر الماضي، إلا أنه في اليوم الذي تلى الإعلان عن النتائج، كان هناك شعور بأن الوضع أضحى أكثر هدوءا، وأن الشحن والتوتر اللذين خيما على المشهد السياسي، خاصة في ظل القبضة الحديدية بين الحراك والسلطة التي كانت تدفع دفعا نحو الانتخابات الرئاسية، ولكن الخطاب الذي أدلى به الرئيس المنتخب عبد المجيد تبون مباشرة بعد إعلان النتائج أعطى الانطباع أن السلطة تريد فتح صفحة جديدة، خاصة وأن تبون وصف الحراك الشعبي بالمبارك، وقال عن مطالبه إنها مشروعة.
مباشرة بعد انتخاب تبون رئيسا تحقق مطلب آخر من مطالب الحراك الشعبي بشكل آلي، وهو رحيل آخر باءين وهما عبد القادر بن صالح رئيس الدولة المؤقت ونور الدين بدوي رئيس الوزراء، وبقي تقريبا مطلب واحد هو إطلاق سراح معتقلي الحراك، وهو ما اعتبره الكثير من الساسة الذين استقبلهم الرئيس الجديد عبد المجيد تبون شرطا أساسيا للتهدئة قبل الدخول في أي حوار.
إفراج بالجملة
فجأة تقرر الإفراج عن جميع معتقلي الحراك، وفي مقدمتهم المجاهد لخضر بورقعة، الذي تحول إلى رمز من رموز الحراك، وأيقونة المعتقلين، فبالرغم من عمره الذي تجاوز 86 عاما، فإن “عمي لخضر” الذي عرف السجون في وقت الاستعمار الفرنسي، وفي عهد الرئيس هواري بومدين، ظل قابعا في زنزانته لمدة 8 أشهر، ورغم أن الكثيرين حاولوا التوسط لإطلاق سراحه، وآخرون حاولوا إقناعه بتوجيه رسالة تشبه الاعتذار إلى قائد أركان الجيش السابق، إلا أن بورقعة رفض، وأصر على ألا يغادر السجن إلا بعد مغادرة جميع معتقلي الحراك، وهو ما تم فعلا، فبعد ساعتين أو ثلاث من مغادرته السجن نحو بيته، كانت أبواب السجون في معظم مدن البلاد تفتح أمام المعتقلين الذين تم توقيفهم احتياطيا في انتظار محاكمتهم، وحتى أولئك الذين أدينوا بأحكام سجن.
وكان الجزائريون قد تنفسوا الصعداء بإعلان نبأ الإفراج عن المجاهد لخضر بورقعة الموجود في السجن منذ تموز/يوليو الماضي، وذلك بعد أن وافقت غرفة الاتهام بالإفراج المؤقت عنه، في انتظار محاكمته المقررة في 12 آذار/مارس المقبل. وغادر بورقعة السجن في حدود منتصف النهار، وتم نقله إلى بيته الموجود في أعالي العاصمة على متن سيارة عادية، رغم أنه كان من المفروض أن ينقل في سيارة إسعاف، فالرجل كان يرقد في المستشفى منذ عدة أسابيع، لكنه أصر على الظهور في صورة الرجل الصلب، فبالرغم من متاعب السجن والمرض، إلا أنه استقبل مباشرة العشرات من المواطنين والجيران الذين جاءوا لتهنئته بمغادرة السجن، وقال بعدها إنه سيرتاح بضعة أيام ثم يعقد مؤتمرا صحافيا، وأنه سينزل إلى ساحة البريد المركزي التي تعتبر ساحة الحراك بعد ذلك، للتعبير عن امتنانه لكل الذين وقفوا إلى جانبه في محنته.
وبعد الإفراج عنه بساعتين تقريبا قرر القضاء الإفراج عن الجنرال المتقاعد حسين بن حديد الموجود في السجن منذ أيار/مايو الماضي، والذي سيحاكم أيضا آذار/مارس المقبل، والذي تم إلقاء القبض عليه بسبب مقال منشور في صحيفة “الخبر” (خاصة) توجه فيه إلى الفريق أحمد قايد صالح قائد أركان الجيش السابق، ودعاه إلى تحمل مسؤولياته تجاه الأزمة السياسية التي تعاني منها البلاد، ليتم توقيفه بعدها ويسجن بتهمة إحباط معنويات الجيش وإهانة هيئة نظامية، ورغم أن كلا من بورقعة وبن حديد كانا يعانيان من متاعب صحية، ورغم الأصوات المتكررة التي ارتفعت من أجل الإفراج عنهما، إلا أنه تم الإبقاء عليهما خلف القضبان، وهو ما اعتبره الكثير من المراقبين خطأ جسيما، لأن منطق السلطة آنذاك في الاندفاع نحو اعتقالات بالجملة لكل من قال كلاما لا يتناغم مع الخطاب الرسمي أثبت أنه لم يخمد أصواتا بقدر ما حرر حناجر أخرى.
وحسب التلفزيون الرسمي فقد تم الإفراج عن 76 من معتقلي الحراك في يوم واحد، وهو ما يعطي الانطباع أن القرار صدر من جهات فوقية بالإفراج عن كل المعتقلين السياسيين مرة واحدة، ما يؤشر على تحول في موقف النظام، يمكن فهمه بمتغيرات كثيرة، فمن جهة الرئيس الجديد بحاجة إلى هدوء الشارع من أجل الشروع في العمل، وبحاجة أيضا إلى التفاف من جميع القوى السياسية، بما فيها التي عارضت الانتخابات أو التي عارضت وصوله إلى الرئاسة، ومن جهة ثالثة هناك جبهة ملتهبة على الحدود مع ليبيا، وتحسبا لأي تطورات غير محمودة العواقب، فإنه لا بد من تحصين الجبهة الداخلية.
وإفراج عن الحكومة
في الوقت الذي كان فيه سجناء الحراك ومعتقلوه يستعدون لمغادرة السجن كانت رئاسة الجمهورية تستعد للإعلان عن الحكومة الجديدة، وهي أول حكومة في عهد الرئيس الجديد عبد المجيد تبون، واختارت الرئاسة أن تعلن عنها على المباشر في تصريح صحافي للوزير المستشار المكلف بالإعلام والناطق باسم الرئاسة محند أوسعيد بلعيد، في خطوة أراد بها الرئيس الجديد أن يخالف من سبقه، بدليل أن ولا اسم تم تسريبه إلى وسائل الإعلام، مثلما جرت العادة مع السعيد بوتفليقة شقيق الرئيس السابق الذي كان يسرب القائمة بأكملها قبل 24 ساعة من الإعلان الرسمي عن الحكومة، وتضمنت الحكومة عديد المفاجآت سواء تعلق الأمر بالأسماء التي أبقى عليها الرئيس تبون، أو تلك التي انضمت إلى الفريق التنفيذي أو التي لم تجد لها مكانا في سفينة تبون الحكومية التي يقودها رئيس الوزراء عبد العزيز جراد، أو اختفاء بعض المناصب.
واختار الرئيس الجديد الإبقاء على وزير الخارجية صبري بوقادوم، ووزير العدل بلقاسم زغماتي، ووزير الداخلية كمال بلجود، ووزير المجاهدين الطيب زيتوني، ووزير الشؤون الدينية يوسف بلمهدي، ووزير الطاقة محمد عرقاب، وعدا زغماتي الذي كان واضحا أنه سيحتفظ بمنصبه بدا غريبا نوعا ما الاحتفاظ بالخمسة الآخرين، كما شهدت الحكومة عودة بعض الوجوه التي سبق لها الاستوزار مثل عبد الرحمن راوية وزير المالية، وحسن مرموري وزير السياحة، وسيد أحمد فروخي وزير الصيد البحري، كما عاد إلى الحكومة بشير مصيطفى ككاتب دولة مكلف بالإحصائيات، فيما أسندت وزارة الإعلام للصحافي والأستاذ الجامعي عمار بلحيمر، الذي كان عضوا في لجنة الحوار التي شكلتها السلطة لتؤسس قاعدة سياسية تعمل على أساسها، وتم تعيين الأستاذ الجامعي شمس الدين شيتور وزيرا للتعليم العالي، ومليكة بن دودة كوزيرة للثقافة، وإبراهيم بومزار كوزير للبريد، وكوثر كريكو وزيرة التضامن، وشهدت الحكومة تعيين الخبير الاقتصادي فرحات آيت علي كوزير للصناعة والبرفيسور عبد الرحمن بوزيد وزيرا للصحة، وكان الناطق باسم الرئاسة في كل مرة يذكر اسما غير معروف يقول إنه حاصل على شهادة كذا من جامعة كذا، فما يبدو أنه تركيز واضح على حملة الشهادات والكفاءات، على اعتبار أن رئيس الوزراء نفسه أستاذ جامعي.
وتتشكل الحكومة الجديدة من 39 عضوا من بينهم 7 وزراء منتدبين و4 كتاب دولة، ويضم الجهاز التنفيذي خمس نساء وزيرات، في حين أن أصغر وزير يبلغ من العمر 26 سنة وهو ياسين وليد، والذي تم تكليفه بحقيبة الوزارة المنتدبة المكلفة بالمؤسسات الناشئة، وينتظر أن تعقد الحكومة الجديدة أول اجتماع لها بمناسبة أول مجلس وزاري الذي سيترأسه يوم الأحد المقبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون. ولعل الملاحظة الأبرز في هذه الحكومة هي اختفاء منصب نائب وزير الدفاع، والذي كان الرئيس بوتفليقة قد استحدثه سنة 2013 لما تدهور وضعه الصحي، وكلف به الفريق أحمد قايد صالح الذي أضافه لمنصب قائد أركان الجيش، والذي حافظ على المنصبين إلى غاية وفاته الأسبوع الماضي، وهو ما يعني أن الرئيس الحالي استرجع صلاحيات وزير الدفاع التي يمنحها إياه الدستور الجديد، بالإضافة إلى كونه القائد الأعلى للقوات المسلحة، كما يفهم منه أن الجيش يريد وبعد انتخاب رئيس جديد أن يعود إلى الثكنات، وأن يبتعد عن أي دور سياسي في الحكومة الجديدة.