الثقافة المصرية في عام 2019: أحداث باهتة وأجواء دعائية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: لم يكن عام 2019 بأفضل من سابقه، من حيث الإنتاج الثقافي من فعاليات وندوات وإصدارات، فما تنتجه وتصدره مؤسسات الدولة موجّه بالأساس لأهداف النظام السياسي، وما الخارج عنه سوى محاولات فردية، وإصدارات دور النشر الخاصة، التي كان التاريخ وإعادة التأريخ ملاذها من واقع مأزوم، بخلاف مناقشات لم تجد صدىً جماهيرياً، تتم داخل قاعات مغلقة على روادها المعهودين والمبتعدين، رغماً عنهم، عن مشاركات جماهيرية أوسع. هذه بعض أهم ملامح المناخ الثقافي الذي شهدته مصر العام الفائت..

بوق دعائي

كانت من أهم النقاشات والسجالات المُفتعلة ما قام به الكاتب يوسف زيدان في معرض القاهرة للكتاب في فبراير/شباط الفائت، من خلال ندوة توقيع روايته الجديدة «فردقان»، وبدون مناسبة كرر تصريحاته التي يعرف أنها ستشغل وتشعل الرأي العام المصري والعربي، وهي محاولة معروفة من أبواق السلطة لإلهاء الناس في قضايا حياتية مُلحّة، ترك زيدان الحريات والديمقراطية والتعديلات الدستورية، وكرر حديثه عن صلاح الدين القاتل الدموي، بخلاف تصريحاته بشأن اليهود وحقهم في فلسطين، قائلاً إن «اليهود كانوا مستقرين في فلسطين، لأنه وطنهم قبل وعد بلفور». كذلك فلا وجود لمدينة تسمى القدس، وبالتالي لا وجود لمسجد أقصى تمت زيارته في رحلة الإسراء، فهذا المسجد موجود في الطائف وليس فلسطين. وهو ما يتماشى وسياسات النظام الآن. كذلك بعض التصريحات الخلافية حول شرب الخمر، ذلك في قوله إن «شرب النبيذ حلال في المذهب الحنفي، ولا ضرر فيه، لكنه محرم في المذهب الشافعي، فمسألة الحلال والحرام تختلـــــف باخــــتلاف المذاهب، والأزهر يتبع المذاهب الأربعة، وهي الحنـــفي، المالكي، الشافعي، والحنبلي، أما مصر فتتبع رسمياً المذهب الحنفي، بينما تتبع عملياً المذهب الشافعي». آراء ومهاترات، أو تصفية حسابات مع خصوم، المهم هو الإلهاء، وتمهيد الطريق والرأي العام حول مشروعات سياسية يجاهد النظام في تنفيذها، ولن يجد سوى زيدان ليقوم بهذا الدور.

فيلم «الممر»

كان الحدث الأهم في السينما المصرية العام الفائت يتمثل في فيلم «الممر». ولم تكن الأهمية بالطبع تعود إلى المستوى الفكري والفني للفيلم، بل للتكلفة التي تجاوزت المئة مليون جنيه مصري، وبما أن العرض السينمائي للفيلم كان مخيباً للآمال، رغم الحشد والتهليل الرسمي للفيلم من دعوات أحزاب وهيئات ونقابات عمالية لمشاهدته، بل قُدّمت عروض بنصف الثمن، حتى قرر المسؤولون عن الإعلام والدراما عرضه في قنوات خاصة، مملوكة لجهات في الدولة، قبل عرضه في التلفزيون الرسمي. فتحوّل كل منتقد له ــ ولو على سبيل الانتقاد الفني ــ عدواً للبلد وجيشه، مع إضافة بعض التهم المعروفة والمُعدة سلفاً. الفيلم تم عرضه على شاشات التلفزيون في ذكرى حرب أكتوبر/تشرين الأول، بل وصل الحد إلى الإشارة عن مواعيد عرضه على الشاشات ومحطات الإذاعة، حتى أن أبطال الفيلم أنفسهم كادوا أن يؤدوا التحية العسكرية للجمهور في الندوات والجلسات الدعائية للعمل العظيم، الذي يمجد أو يحاول تحسين صورة المؤسسة العسكرية في عيون المصريين، حتى وصل الأمر بإحدى لجان الأزهر أن تصدر بياناً، مؤكدة من خلاله أن الفيلم «وجَّه ضربة موجعة لقادة حروب الجيل الرابع، الذين يستهدفون تثبيط الروح الوطنية ونشر الفرقة والاختلاف، ويكيدون لمصر بوابل من الشائعات والأكاذيب،ـ عبر صفحات التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام الحديثة… هذا هو دور الفن المنضبط الذي تحتاج له الأسرة المصرية».

استرعى الانتباه في جوائز الدولة لعام 2019، وجود أسماء تعتبر من أبناء الدولة المخلصين ــ بخلاف نظامها الحاكم ــ فهم المرهونون للجوائز، وكأن لا أحد غيرهم في مصر يستحق أن تراه الدولة، وترى في مشروعه الفكري أو العلمي ما يستحق

إصدارات مهمة

هناك ثلاثة مؤلفات تعد من أهم إصدارات عام 2019. وللمفارقة كلها لكاتبات وأكاديميات مصريات. البداية مع كتاب «يوميات لورد ملنر في مصر» الصادر عن دار الشروق، بمناسبة إصدارات تحتفي بمئوية ثورة 1919. يضم الكتاب يوميات ألفريد ملنر وزير المستعمرات البريطاني، حول أسباب الثورة. الكتاب من تحرير وإعداد الأكاديمية والباحثة منى أنيس، ويتمثل في وثيقة اكتشفتها أنيس في أرشيف المكتبة الوطنية في لندن، وهي عبارة عن 70 صفحة مكتوبة على الآلة الكاتبة عنوانها «الأحاديث التي أجراها اللورد ملنر خلال رئاسته اللجنة الخصوصية المنتدبة لمصر». وهي اللجنة التي شُكّلت في 22 سبتمبر/أيلول 1919، من قبل الحكومة البريطانية، للوقوف على أسباب الثورة. ترجم الكتاب للعربية صلاح أبو نار، وكتب مقدمته طارق البشري، الذي يرى أنه لم تسفر أي ثورة من ثورات المصريين عن أثر كما أثر ثورة 1919 في الحياة السياسية المصرية. حتى أن ملنر في نهاية حديثه في يومياته بعد قضائه ثلاثة أشهر في مصر، يعترف بأن موقفه قد تجمد، ولم يعد يستطيع أن يتقدم لإنجاز مهمته مع المصريين… فالقاهرة كلها، بل البلاد كلها، حل فيها الجنون لعدة أيام، من الصباح حتى المساء كانت الشوارع تمتلئ بالحشود، رجالا ونساء وأطفالا يهتفون ويغنون ويرعدون (يحيا الوطن).
الكتاب الآخر للباحثة رباب كمال، وجاء بعنوان «نساء في عرين الأصولية الإسلامية»، الصادر عن دار ابن رشد. وهو محاولة جادة لمناقشة أزمات اجتماعية وسياسية، تحيا من خلالها المرأة المصرية والعربية، من خلال المؤسسات وحتى صاحبات الدفاع عن المرأة وحقوقها. فمؤسسة مثل الأزهر كما ترى المؤلفة لم تكن سوى وجه آخر للأصولية، أضف إلى ذلك المساندة المباشرة لها من قبل النظام الحاكم، فالأزهر ليس جماعات وتكوينات تستعملها الدولة وفق حاجتها من بعيد كالسلفيين، أو تعاديها كعدو وحيد، لتبرر شرعية وجودها كجماعة الإخوان المسلمين، بل هو أحد أهم أجهزتها، خاصة أنه يتماس مباشرة وحياة الناس، بل يرسم هذه الحياة ويُشكّلها حسب سياسات النظام الحاكم، كقوانين وفتاوى الأسرة ووضعية المرأة في المجتمع، والأخطر صياغة النظرة الاجتماعية العامة للمرأة. أما دعاة النسوية، سواء المدنية أو الإسلامية فكل منهما لا يُعبّر عن حقوق المرأة من وجهة نظر إنسانية. فإن كانت النسوية المدنية تقصي جانباً من الرجال المدافعين عن حقوق المرأة، هذه الحقوق التي يتم اختصارها في أحيان كثيرة في معاداة الرجل، فإن النسوية الإسلامية تُقصي جانباً مهماً من الحقوق بالقول إنه لا حقوق خارج إطار الشريعة الإسلامية. وما بين فكرة الإقصاء والاختصار هذه تبدو الأصولية غير مقتصرة على فكر المتأسلمين فقط، بل تمتد إلى فكر دعاة الدولة المدنية أيضاً، فهم ليسوا أكثر حداثة من المتأسلمين، فقط أقل تزمتاً.
ويأتي الكتاب الأخير، والصادر نهايات العام الفائت، بعنوان «في أثر عنايات الزيات» من إصدار الكتب خان، للشاعرة المصرية إيمان مرسال. التي حاولت فيه الرصد والتحليل الاجتماعي لحالة الكاتبة المصرية عنايات الزيات (1936 ــ 1963) صاحبة الرواية الوحيدة المعنونة بـ«الحب والصمت»، التي نُشرت بعد ثلاث سنوات من انتحار مؤلفتها عام 1963. هذه الحالة التي تتماس والعديد من الحالات الإبداعية الخارجة عن السياق المرسوم، ومنه تخرج مرسال بأن السلطة السياسية هي التي تتحكم في الأرشيف. فيتم تقرير ماذا سيبقى وما الذي سيتم نفيه أو تعمد نسيانه. فالزيات مُجهّلة في الأرشيف ومرفوضة. أما أصحاب المشروع الإبداعي المُساير لمشروع الدولة، فيتم الاحتفاء بهم، بخلاف أي صوت مختلف، والذي سيكون بالضرورة مصيره النسيان.

زبائن الجوائز

استرعى الانتباه في جوائز الدولة لعام 2019، وجود أسماء تعتبر من أبناء الدولة المخلصين ــ بخلاف نظامها الحاكم ــ فهم المرهونون للجوائز، وكأن لا أحد غيرهم في مصر يستحق أن تراه الدولة، وترى في مشروعه الفكري أو العلمي ما يستحق، وهو ما تمثل في جوائز النيل للمبدعين المصريين، والتي فاز بها كل من الدكاترة، أحمد نوار في الفنون، جابر عصفور في الآداب، ومفيد شهاب في العلوم الاجتماعية.

الراحلون

شهد العام المنقضي رحيل عدة أصوات أثرت الثقافة والفن المصري، نذكر منهم، المخرج أسامة فوزي (19 مارس/آذار 1961 ــ 8 يناير/كانون الثاني 2019)، صاحب عدة أفلام فارقة في تاريخ السينما المصرية، والتي حاول معظمها مناقشة معضلات اجتماعية وسياسية، كان من الصعب الاقتراب منها. كذلك رحيل الكاتب والمترجم بشير السباعي (15 يناير 1944 ــ 21 إبريل/نيسان 2019) أحد أهم عقول التنوير المصري، وصاحب المشروع الفكري الرفيع، الذي تعد معظم أعماله ترجمة وتأليفاً في سبيل مستقبل يليق بمكانة مصر وتراثها، والذي تتعمد أغلبية من يصفون أنفسهم بالنخب الثقافية نسيانه، بل تحريفه. وقرب نهاية العام رحل المخرج سمير سيف (23 أكتوبر/تشرين الأول 1947 ــ 9 ديسمبر/كانون الأول 2019) صاحب الرصيد السينمائي الكبير، ومخرج أكثر الأفلام جماهيرية في تاريخ السينما المصرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية