بعد كتاب «الرسام، والشاعر، والمتوحش: طرق البدائية في الفن الفرنسي» الصادر عن دار فلامريون في باريس سنة 2010، أصدر الفرنسي فيليب داجان، مؤرخُ الفن والجامعي في السربون، كتابا عن دار غاليمار بعنوان «البدائيةُ: اختراعٌ حديثٌ»، واصل فيه مناقشة مفهوم البدائية، وأسباب ظهورها، وتجلياتها في الفن الغربي المعاصر، ضمن ما بات يُعرف بإعادة كتابة تاريخ البشرية بعيدا عن أوهام مركزية الثقافة الغربية.
فن متوحشٌ
أكد الباحث فيليب داجان على أن «البدائية» مفهوم حديث ظهر في أوروبا منذ الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ولم يخضع إلى حد الآن للدراسة النقدية الموضوعية، التي بإمكانها أن تكشف عن كل أشكاله الغامضة، وعن تلك القوالب النمطية التي تردى فيها في الفكر الغربي. ذلك أن البدائية هي فكرة مركزية في الفكر الغربي، وهي شائعة الاستخدام، خاصة في لغة الفن المعاصر ونقده ومتاحفه ومَعَارِضه. وهي، في الدراسات الأنثروبولوجية والتاريخية والنفسية والفنية، التي أنتجتها الحملات الاستعمارية، ذاتُ حمولة دلالية سلبية، وتُشير إلى الشعوب «المتوحشة» في أمريكا وافريقيا وأوقيانوسيا، التي لم تعرف العقلانية بعدُ، أي تلك الشعوب والقبائل غير المتعلمة التي تجهل الصناعة وأسباب التحضر والقوة، وباختصار فإن صورة البدائي في تلك الدراسات، على حد ما يرى الباحث فيليب داجان، إنما هي صناعة حداثية، إنها صفة لم تكن من طبيعة ثقافات تلك الشعوب البعيدة عن الغرب – تاريخًا وجغرافيا- وإنما أُلحقت بها لتجعلها شعوبًا ضد الحداثة ومُقَاوِمة لحركة الاستعمار، بوصفها حركةَ تنوير وتقدم حضاري، في عُرف الثقافة الغربية آنذاك. إن مفهوم البدائية صنيعُ المتخيل الاستعماري، وهي لم تكن لتُوجد لولا تدفق المصنوعات اليدوية من قبائل أفريقيا وهنود أمريكا وسكان أوقيانوسيا بسبب الغزو الاستعماري. وإذن فالبدائي وفق رأي فيليب داجان هو ما كنا عليه قبل أن نصبح ما نحن عليه الآن، إنه عكس الحديث، ونفيٌ له، وهو أيضا ما لم يمر بجميع مراحل التطور التي مر بها الغربُ.
ولأن البدائية في الفن هي بناء وخيالٌ مُبْدِع، فقد صار العودُ ممكنًا إلى المظاهر الفنية «الخشنة» والعِصَامية التي ينهض عليها الفن البدائي بوصفها معينا للخلق الفني بدون ارتهان من الفنان للقيم الأكاديمية وللنماذج المتقنة في تمثيل الطبيعة والإنسان. ويبدو أن هذا هو ما تفطنت إليه الطليعة الأوروبية الرافضة للمجتمع الصناعي، فانبرى فنانوها وكتابها يُجددون الفن البدائي، بل لعبوا في نهاية القرن التاسع عشر دورًا كبيرًا في تعديل النظرة إلى منتجَ الفني البدائي، وتعزيز معرفة الشعوب البعيدة، خارج سياق الاستعباد والنهب الاستعماريَيْن، حيث بينوا أن هناك حُكْما أخلاقيا استنقاصيا وتهكميا حول الأعمال الفنية البدائية لحظة ظهورها لأول مرة في أوروبا في أوائل القرن العشرين. ويرجع هذا الحكم إلى حقيقة أننا لا نعرف كيف ننظر إليها ولا كيف نتقبلها جماليا.
ساهمت رحلات الفنانين أمثال بوكلي وغوغان إلى بلدان افريقيا وأوقيانوسيا في بداية القرن العشرين، على تعرف المنتج الفني البدائي، وهو أمرٌ شجعهم على إعادة تقويمها جماليا
تيارُ البدائية
ساهمت رحلات الفنانين أمثال بوكلي وغوغان إلى بلدان افريقيا وأوقيانوسيا في بداية القرن العشرين، على تعرف المنتج الفني البدائي، وهو أمرٌ شجعهم على إعادة تقويمها جماليا، وقد تجلى ذلك في الدعوة إلى ضرورة النظر إلى تلك التحف بـ«عين بدائية» وليس بعين حديثة، وقد تحقق ذلك في معرض بعنوان «البدائية» تم تنظيمه في متحف الفن الحديث في نيويورك عام 1984 وعُرضت فيه مئتان وخمسون قطعة فنية افريقية وأوقيانوسية وأمريكية هندية، ومئة وخمسون عملا فنيًا معاصرا لفنانين غربيين، تأثروا في أعمالهم النحتية والتشكيلية بالأعمال الفنية البدائية وبمفردات المعيش البدائي ذاته على غرار كل من بول غوغان، وماتيس، وبيكاسو، وبول كلي، وكيرشنر، وكاندنسكي، وجياكوميتي، وانضم إليهم كتاب وشعراء دادائيون وسيرياليون مُجسدين رفض النخب الأوروبية للنظام الأخلاقي البورجوازي، وداعين إلى ضرورة إنعاش العالَم من الاختناق الصناعي والتقني، كما طالبوا بحق الجسد البشري في حياة نقية وبعيدة عن ضجيج المدن وأبخرة المصانع.
وبمثل هذا المعرِض تأكد في النقد الفني للأعمال البدائية ضرورة إظهار العلاقات التي تصل أعمال المبدعين الغربيين المعاصرين بالفنون البدائية، خاصة منها الأفريقية، ناهيك عن ظهور نزعة إلى إعادة تقييم للفنون خارج أوروبا، وإعادة قراءتها جماليا وتاريخيا، والوقوف فيها على «عُذْرية» أخيلة فنانيها وبراءتها، وإمكانية استثمار تلك البراءة في أعمال معاصرة. وهي نزعة تكاد ترتقي إلى مراقى التيار الفني البدائي في أوروبا، ونجد لها حضورا في أعمال كل من غوغان وبيكاسو وجياكوميتي. وفي هذا الشأن، يذكر فيليب داجان أن غوغان، الذي عُرِفَ باسم رسام البدائية، يُعد من أهم ممثلي هذا التيار الفني، إذْ كان قد كتب في إبريل/نيسان 1903 قبل أيام قليلة من وفاته رسالة إلى صديقه تشارلز موريس قال فيها: «لا أحد علمني شيئا فنيا؛ صحيح أنني أعرف القليل جدا من طرائق الفن! لكنني أفضلُ هذا الشيء القليل الذي هو من خلقي الشخصي. ومن يدري لعل هذا الشيء الصغير، حين يستثمره الآخرون، يصير شيئًا كبيرًا؟ ولعل هؤلاء الآخرين، أتباع غوغان، قد يجدون في الفن البدائي محفزًا لهم قادرًا على كشف ترهل التقليد الفني الغربي، وعلى التعمق كثيرًا في بدائية الفن وإثارته، واستخدامه سلاحا ضد كل ما ينتهك براءة الفن بوصفه التاريخ الموازي لتاريخ البشرية، بل هو تاريخُ متخيلِها عن نفسها وعما تعيش من وقائع.
٭ كاتب تونسي