لا حصانة على الغباء، سيكون هذا غالباً هو الشعار الذي سيرفع في الزمن القريب. كثيرون يعانون من هذه المتلازمة ولا سيما في القيادة الإسرائيلية. ثمة من يعولون على الحصانة كاستراتيجية انتخابات، ولكن ما العمل إذا ما تبين مرة أخرى أن هناك أموراً أكثر أهمية من مادة اشتعال الخليط الإعلامي- القانوني، حين يتبين مثلاً بأن قائد قوة القدس الإيراني، قاسم سليماني، فقد حصانته.
تدور الحرب في الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق، جنباً إلى جنب مع حرب الوعي في الديمقراطية الأهم في العالم-الولايات المتحدة، وفي مركزها، حرب السفارات. على حساب الديمقراطيين، وتحديداً أوباما وجيمي كارتر، تسجل السفارتان في طهران وبنغازي إخفاقين مهينين، انتهى أحدهما بقتل بضعة عاملين في السفارة، بمن فيهم السفير الأمريكي في ليبيا كريستوفر سيتفنس.
ويحقق الرئيس ترامب في تصفية سليماني أيضاً أثراً سياسياً قوياً في صراعه مع الحزب الديمقراطي. صحيح أن بغداد ليست اسماً يرغب الأمريكي بسماعه في الشارع، ولكن رسالة ترامب: لن يحتلوا سفارة ولن يقتلوا أمريكيين في وردية حراستي.
يقلب ترامب سياسة سلفه باراك أوباما 180 درجة. وحتى قبل سليماني، انكشف أن الرجل الذي نظم هجمة المسلمين على السفارة، هادي الأميري، استقبل في 2011 كضيف مهم في البيت الأبيض برئاسة أوباما.
بوش الابن تحدث عن دور إيراني وأوباما وعد بالتوسع مقابل “تجميد النووي”… وترامب يقلب الطاولة
وكان أوباما خطط عملياً لتتويج قاسم سليماني على الشرق الأوسط، في هذه الجزئية ثمة نظرية لها من يشتريها حتى في الحزب الجمهوري؛ فمثلاً، الخطة التي أوصى بها بيكر وهملتون الرئيس بوش الابن لاستقرار العراق تحدثت عن دور إيراني وسوري في استقرار المنطقة. كان هذا قبل 13 سنة. أما أوباما فسار شوطاً بعيداً.. فقد دعا الإيرانيين والروس للسيطرة في الشرق الأوسط مقابل تجميد جزئي ومؤقت لمشروعهم النووي. وبالفعل، توسّع سليماني وجعل إيران هي الحاكمة في اليمن وبيروت ودمشق وبغداد. إضافة إلى ذلك لها قاعدة صواريخ وإرهاب في غزة.
بعد إخلاء بضعة مواقع أمريكية على الحدود التركية السورية، إضافة إلى التجلد على إسقاط المسيرة الاستخبارية وهجمة الصواريخ الجوالة على النفط السعودي، سارع الخبراء إلى تأبين الولايات المتحدة، وقبل كل شيء – الرئيس ترامب. وكان الانطباع الناشئ، كما نذكر، أنه لم يعد لحلفاء الولايات المتحدة من يعتمدوا عليه؛ فهي ليست مصداقة، وتهجر المنطقة، وأن ترامب يتخذ سياسة انهزامية. أما ترامب ففعل شيئاً آخر امتنع أوباما عن فعله: هزم “داعش”، وإن لم يدمره تماماً.
إن تصفية سليماني على أرض العراق تغير الصورة، فترامب غير متوقع، وربما متوقع بالذات، إذا ما تابعناه ولم نرغب في استخلاص استنتاجات عديمة الأساس. فالخوف من التدهور وفقدان التحكم يبدوان كأمر يزيد مخاطر الحرب. وفي هذه النقطة يجدر بنا أن نذكر ما قاله رئيس الوزراء نتنياهو، في رده على بيني غانتس الذي ادعى بأن الهجوم على النووي الإيراني سيؤدي إلى فتح إيران كل الجبهات ضدنا: وهل يعني هذا أننا إذا لم نهاجم منشآت النووي لن يفتحوا الإيرانيون ضدنا كل الجبهات؟ بمعنى أن المعركة قائمة على أي حال. هي لن تبدأ، فقد بدأت منذ زمن بعيد. والسؤال هو هل يمكن لترامب أن يتحكم بمستوى اللهيب، إذ من مصلحته السياسية ألا يضحي برئاسته في مستنقع مضرج بالدماء في العراق. ولكن هناك احتمال جيد بأن يكون أثر التصفية مشابهاً لتصفية أبو العطا في قطاع غزة قبل نحو شهرين. انخفض اللهيب وكاد ينطفئ، فما تبثه تصفية قاسم سليماني في المجال العسكري مشوق بقدر لا يقل عن ميدان المعركة السياسية والداخلية في الولايات المتحدة.
تظهر تصفية سليماني بأن الولايات المتحدة حققت تفوقاً في هذه المعركة. سيتطلع الإيرانيون للتمسك باستراتيجيتهم لإخراج الأمريكيين من العراق؛ ولكن الردع والتشوش والغموض والشكوك، كلها ستزداد لديهم. فهم لن يرغبوا في فقدان ما تبقى لهم من قوة كي يحدثوا دماراً عقارياً ويقتلوا مواطنين في إسرائيل. ينبغي تحذير المطاعم الفاخرة الإعلامية في إسرائيل: كفوا منذ اللحظة عن تقديم الوجبات عديمة المعنى للمحللين.
بقلم: أمنون لورد
إسرائيل اليوم 5/1/2020