عَدُّ النُّجُومِ!

نَتَعلّم في المدارس من أوّل ما نتعلّم العَدَّ.. نُختبر في القراءة والعدّ وهما من الاختبارات الأولى، وتسند إلينا الأعدادُ، وحين يكون العدد المسند إلينا دون المأمول في القراءة، ينظر إلينا على أنّا ناقصونَ، ولكن حين يكون العَدد ضعيفا في الحساب والرياضيات، ينظر إلى أذهاننا بعين الخوف أو الشماتة.
كلّ شيء إلاّ الحساب لأنّ معرفة العمليات المختلفة فيه هي عنوان نباهة وذكاء. الحقّ أنّ النباهة في الحساب ليست في كلّ عمليّاته، بل في عمليّات الضّرب أساسا، حتى إنّ هناك من يشقي الصغار بتدريبهم على الحساب الذهني المعقّد، والمساكين ينخرطون في لعبة الحساب من صغرهم وحين يكبرون يجد أغلبهم أنّهم كانوا يحلمون بالسيطرة على الأعداد الذهنية، في حين أنّ الأعداد الفعليّة ملكٌ لغيرهم. من لا يملك غَيْرَ وجه الله يمكن أن يعدّ النّجوم، بيد أنّ عدّ النجوم ينظر إليه على أنّه عَمَلٌ عبثيّ أو لاشرعيّ، لأنّه من يعدّ نعم الله ونعمه ممّا لا يُحْصَى.
من يعرف حكاية الحساب والحاسوب والعدّ، يعرف جيّدا أنّ تطوّر الحاسوب الحالي يعود الفضل فيه إلى التّنجيم الشعبيّ، أو العالم الذي علّمنا كيف نميّز علَى الأقلّ بين يوم وشهر وسنة تمييزا يقوم على الحساب الفلكي. ومن يعرف كيف قسّم العرب الفصول، اعتمادا على منازل القمر وغياب نجوم الغرب وطلوع نجوم رقيبة له في الشرق، سيعلم أنّ إثنَاء النَّاسِ عن عدّ النّجوم إنّما هو إسْكاتٌ لمن لم يكن عارفا عن الخوض في ما يعرفه العارفون.
في بداية القرن السابع عشر كانت كلمة «كمبيوتر» Computer، أي الحاسوب مستخدمة، وتطلق على شخص لا على آلة وكان هذا الشخص حَسَّابَة يشتغل في مجموعة تكلّف بحسابات جغرافيّة أو فلكيّة تحتاجها «الدّولة»، من هذا الوقت عرفنا أنّ حسابات من أراد النهضة كانت قديمة أقدم من حسابات أمم أخرى كانت تعدّ الوجه بالمتر والرّدف بالشبر، كما قال محمود بيرم التونسي ذات مرّة.
لنترك أمر الحساب إلى صاحب الحِساب على عادتنا «الحميدة» في التّسليم، حين ينتظر منّا الحسم ولنعدْ إلى أمر الحساب في اللّغة، فهذا نطاقنا الذي منه ننطلق. أوّل ما يَنبغي أن نشير إليه في مسألة العَدِّ أنّ الأسْمَاء هي الوحيدة التي تقبل ذلك، فلا عدّ في الأفعال ولا عدّ في الحروف، وهذا أمر من كلّيّات اللغة وهو مبرّر إدراكيّا بأنّ الأسماء تعيّن الأشياء، بينما تعيّن الأفعال الأحداث، والأشياء هي التي تقبل العدّ ولا تقبله الأحْداثُ لانخراطها في مسلك الزمان اللغوي، الذي لا علاقة له بالعدّ. ما من حدث إلاّ وهو مرتبط بزمان، لكنّ الزمان في الأفعال ليس ذلك الزّمان الذي يُؤقَّت بالثانية والدقيقة، بل هو زمن اختزالي تَصوّري قسْمته العامة أنّه سابق لزمَن التلفُّظ أو مقترن به، أو لاحق عليه بقطع النظر عن إحصاء الزمان وعَدِّه. الأسماء وحدها هي التي تقبل العدّ في الأصل فـ(قلم) و(حاسوب) و(كرة) و(دينار) و(درهم) هي أشياء ندركها، ويمكن أن تكون كثيرة فنتمكّن من عدّها وإحصائها، ويفعل ذلك الصيرفي في البنك، ويفعله المؤتمَن على خزائن الإدارة حين يحصي عدد الأقلام والحواسيب والكراسيّ والمكاتب في إدارته. الأشياء التي تعيّنها الأسماء تقبل العدّ، لأنّ فيها غالبا سمة مميزة: إنّها تقبل إدراكيّا أن تنفصل عن غيرها، ففيها استقلال عن غيرها من الأشياء، بذلك الاستقلال أو قابليّة الانعزال، كانت لها حدودٌ تُحَدَّ بها وتنفصل من غيرها. فإن وَجدت قلما بجوار حاسوب يمكنك أن تبعد القلم، وكذلك تفعل بالهاتف المحمول وتفعله بالحاسوب نفسه، حين تفصله عن المكتب وتفصل المكتب عن الكرسي، فالأشياء طِرازيّا تقبل الفصل والعزل، هذا في الأصل ومن اليسير لمن أراد أن يحصيها أن يجمعها ويعدّها. تُغلقُ الشَّركات الكبرى أبوابَها للإحصاء السنوي الدّوري، بمطابقة ما بين الأعداد والبضائع الموجودة من نوع الآلات الفلاحيّة، كالجرّارات والحصادات وآلاتها بالنسبة إلى تجار قطع الغيار.

في بداية القرن السابع عشر كانت كلمة «كمبيوتر» Computer، أي الحاسوب مستخدمة، وتطلق على شخص لا على آلة وكان هذا الشخص حَسَّابَة يشتغل في مجموعة تكلّف بحسابات جغرافيّة أو فلكيّة تحتاجها «الدّولة»

لكنّ الأشياء التي تعيّنها الأسماء ليست جميعا قابلة لأن تنفصل ويكون انفصالها ظاهرا، فعلى سبيل المثال فإنّ من أراد أن يحصي حبّات الرمل في حفنة صغيرة لا يمكن له ذلك، لأنّ الرّمل والتراب والماء والزّيت، لا يمكن أن تفصل وحداته فهي منسجمة، والقطعة منها تمثّل العيّنة الكاملة: قَطْرَةُ الماء هي مَاء وحبّة الرمل هي رمْلٌ بينما ليس هذا شَأْنَ الأشياء التي من نوع قلم وكرسيّ وطاولة، فالجزءُ من القلم لا يمكن أن يكون قَلَمًا ولا يكون الجزء من الكرسي كرسيّا. إذن الأشياء التي يعيّنها الاسم نوعان، شيء يقبل أن ينفصل عن غيره وجزؤُه ليس كلَّهُ، وشيء منسجم لا يقبل الفصل جزؤه هو كلُّهُ وعندئذٍ يمكن تقسيمُ الأسماء بحسب تعيينها لهذه الأشياء إلى اسم يقْبَلُ العَدَّ، وهو الاسم المنعدّ، واسمٌ لا يقْبَلُ العَدَّ هو اسم الكتلة. هكذا قسّمت بعض اللغات أسماءها وهكذا شرح العرفانيّ الأمريكي لنغاكار الفرق بينها إدراكيّا.
خلاصة الأمر من هذا أنّ اللغة قد لا تقبل أسماؤها جميعا العَدَّ، وهذا ممّا أقرّه النّحاة العرب منذ القديم، حين قالوا إنّ المصادر لا تجمع. فالجَرْيُ والمَشْيُ والأكل والبيع والشراء أسماء أجناس لا تقبل العدّ. لمَ سَنَعُدُّ الجري وهو جنس عامّ يشمل كلّ هذه الحركات، بل هو اسم معنى لكل حركة يمكن أن تتسمّى جريا. غير أنّ جريي وجري ابني مثلا ونحن نعدو، لكي نلحق القطار في المحطّة، يختلف في هذه الحالة، وإن كان لابدّ للّغة من أن تنزل عند رغبة من أراد أن يقارن بين جريي وجري ابني، فإنّها تضيف إلى اسم الجمع تاء تسمّى تاء الوحدة فيقال (جَرْيَة) ثمّ بعد ذلك يثنى الاسم ويجمع فيقال (جَرْيَتَانِ) و(جرْياتٍ) كأنّ المصدر حين يكون مادّة خاما لا يُجمع حتى يصنّع، فإنْ صُنع وأضيفت إليه تاء الوحدة وصار قابلا للتثنية وللجمع.
كذلك الشّأنُ في أسماء تعرف باسم الجنس الجمعي من نوع (تَمْرٌ) و(بَقَرٌ) و(شَجرٌ) فإنّها أسماء تفيد الجمع، ولكنّها لا تفيده في العيّنات، بل في الجنس العامّ ومتى أردنا جمعها العينيّ، يمكن أن نضيف إليها تاء الوحدة لنقول (تمرة) و(تَمْرَتَانِ) و(تَمْرَاتٌ). المشكلة ههنا أنّ البقر يقبل العدّ وليس باسم كتلة كالماء والهواء والتراب، إنما استعملت له مفردة تعكس رؤية قديمة له لم تكن تحتاجه للعدّ. فما حاجة مالك التّمر إلى عدّ حبّاته، أو مالك البقر الكثيرة لفعل ذلك وقد كانت البقر والغنم والإبل تعدّ من المالِ، كما نعدّ نحن اليوم الدينار من المالِ. يبدو أنّ العدّ بالوحدة حادث لذلك وضعت له تاء للوحدة أخرجت اللفظ من الجمع الجنسي العام إلى الجمع العينيّ. ومثل هذا يقال عن الأسماء الكتل التي وضعت لها أدوات لقياسها ومسحها، وبالتالي أخضعت للعدّ من نوع مسح التراب (الأرض) بالمتر وبناته والماء بالمتر المكعب وصغيراته ثمّ بالآنية (قنينة) في التجارة اليومية البسيطة. لنعد بعد هذا إلى النجوم، هي بهذا المنظار يمكن أن تُعدّ بالعين المجرّدة لأنّها كيانات قابلة لأن تنفصل عن غيرها بتلك الفراغات الظاهرة في السماء، لكنّ الإشكال فيها أنّ هناك نجوما نراها وهي غير موجودة، فقد فنيت من زمان وأخرى لا نراها وهي موجودة لا بدّ لها من منظار آليّ: عدّ النُّجُوم ليس مستحيلا، بل هو عبثيّ لمن لم يتزوّد بآلاته من النّاسِ.. لذلك خلقت نجوم أرضيّة بشريّة في السياسة والرياضة والإعلام والسينما والغناء، وهي قابلة لأن تعدّ وتحصى غير أنّها قابلة لأن تندثر فلا ترى ولا تسمع مثلما قد يحدث للنجوم السماوية.

٭ أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية